“من زمان كنا كلنا جيران ورفقات وما كنا نعرف طوائف بعض…”؟ كيف؟ وما معنى هذه العبارة التي تغنّى بها السوريون لعقود؟ ثم ما المعيب أساساً أن يعرف شخص ما طائفة الآخر؟
لطالما بدا هذا الادعاء غير منطقي. فالناس في سوريا تعرف أدق تفاصيل حياة بعضها البعض: العمل، الدراسة، السيارة الجديدة، من تزوج ومن طلّق، من يسهر أين، ومن يتردد على الحانات، بل وحتى أين يقضي الأب ساعات ليله. ومع كل هذا الكم من المعرفة الدقيقة، يُقال إن الشيء الوحيد الذي لم يكن يعرفه السوريون هو طائفة جيرانهم وأصدقائهم!
ألم يلحظ أحد شجرة عيد الميلاد في صالون الجار؟ أو ذاك الذي يذهب للصلاة؟ أو الخلعة الخضراء؟ أو الكنية واللهجة؟ أو الطريقة التي يلتف بها بعض الجنود حول بعضهم البعض بحسب الطائفة؟ ماذا عن كل رموز الانتماء الديني والاجتماعي المعلنة والمضمرة؟ من أين جاء إذاً هذا الادعاء؟
كانت هناك طبعاً أساليب الأنظمة الدكتاتورية الاشتراكية التي كانت تقود بالاعتقال أو المساءلة كل من يعارض أو يمتنع عن ترديد الشعارات المفروضة. فكان التغني بـ “عدم معرفة الطوائف” شبيهاً بشعار “يا عمال العالم اتحدوا” في أوروبا الشرقية تحت حكم الأنظمة نفسها. شعارات جميلة من الخارج، فارغة من الداخل، يرددها الناس لا لإيمانهم بها بل للنجاة بحياتهم.
ومع تحريم التطرق إلى المسألة الطائفية، واعتقال كل من يُتهم بـ”إثارة النعرات”، ظل الحس الطائفي يسري خفياً، يكتفي بالإيحاء والترميز الذي يغطي نفسه بادعاء اللامبالاة. وكثيرون بالفعل درّبوا أنفسهم على تجاهل المسألة، أو على الأقل عدم استحضارها في كل علاقة اجتماعية. وقد لعبت ظروف مشتركة، مثل طغيان الدكتاتور أو ضيق المعيشة، دوراً في خلق هذا الشعور المؤقت بـ”وحدة الحال”.
لكن اليوم، كثر ممن كانوا ينفون عن أنفسهم أي تفكير طائفي، أصبحوا يرفعون علناً شعارات مثل: “نريد حكماً سنياً” أو “نريد استقلالاً على أساس الطائفة”…
يبدو الأمر كأضحوكة: دول صغيرة تتأسّس على أسس طائفية بعد عقود من إنكار وجود الطائفية. ويبدو في الوقت نفسه مأساة: خوف متبادل يقود الجميع إلى اعتبار التقسيم حلاً مثالياً، على رغم تعقيداته وما يمكن أن تنتجه الدويلات الصغيرة من هشاشة وكوارث.
نحن أمام لحظة مستحيلة. إن كانت رغبة السوريين العيش معاً بسلام، فهي تبدو نوعاً من الحلم. وإن كانت الرغبة تتجه نحو التقسيم، فهي أيضاً نوع من الوهم. كلا الخيارين يبدو ساذجاً للوهلة الأولى، ويزداد استحالة كلما تعمّقنا في التفاصيل.
فقد السوريون روابطهم المشتركة، ولم تعد هناك رموز جامعة أو سرديات يتفقون عليها. منذ صدور “لوائح العار”، ومنذ أصبح منتخب كرة القدم يُسمى منتخب البراميل، لم يعد هناك ما يجمعهم. لم تستطع كتابات صادق العظم وطيب تيزيني، ولا شعبية رفيق سبيعي، ولا نجومية جمال سليمان أو أيمن زيدان، أن تكون أصواتاً جامعة. كل صوت بات محسوباً على جماعته.
والآن، وبعدما هرب بشار الأسد، فلنفترض أن أدونيس فاز بجائزة نوبل. هل كان هذا الفوز سيُعد فوزاً علوياً؟ أم سورياً؟ أم أسدياً؟ أم لبنانياً؟ بكلمات أخرى: من كان سيحتفل؟ ومن كان سيغضب؟
الأرجح أن رد الفعل العام سيكون الاستنكار، بوصف الجائزة تكريماً “لمنبوذ” صدم السوريين بمواقفه خلال سنوات المقتلة. فحتى اليوم، ليس هناك حوار مع أدونيس يخلو من سؤال عن موقفه ذاك، وعن محاولة تفسيره أو تبريره.
وبالنسبة الى العلويين، فقد لا يكون لخبر الفوز هذا، لو تحقق، أي وقع على حياتهم، وهم يمرون بمآزق عدة، لعل أهمها إحساسهم بالخطر الدائم على حياتهم.
وفي أوائل عام 2013، أفردت مجلة الإيكونوميست على غلافها رسمة لاسم سوريا بالإنكليزية على شكل ركام وبعنوان عريض “Syria: The Death of a Country“. كان هذا منذ اثنتي عشرة سنة، وقبل حتى استخدام السلاح الكيماوي، ووجود داعش والتدخل الروسي والإيغال بتدمير سوريا عمرانياً واجتماعياُ وموت الآلاف من السوريين، وفقدان مقومات كثيرة تقنع مواطني المنطقة وطوائفها بإمكانية العيش المشترك في بلد واحد.
على الجانب الآخر، وإن كان الحل هو التقسيم، فستواجه هذه الدويلات أسئلة محرجة تتجاوز المسارات المعقدة لتحقيق الانفصال والحصول على الاعتراف الدولي والإقليمي بهذه الكيانات المجهرية.
فكيف سيفهم الجهاديون عقائدهم وهم يسعون إلى بناء دولة من شروطها الأساسية إزالة العنف من الحياة العامة، بينما هم معتادون على القتال الدائم؟
وكيف سيعيد العلويون تشكيل هويتهم في غياب حافظ الأسد ومنظومته؟
وما مستقبل العلاقة بين دروز سوريا والدروز في الدول المجاورة في منطقة تُنتهك فيها الحدود السياسية باستمرار؟
إقرأوا أيضاً:
بعيداً من الجانب العملي، الذي يرجح خضوع هذه الدويلات الناشئة لسيطرة الميليشيات ورجال الدين القادرين على حشد الناس، فإن هذه الطوائف لم تمارس طائفيتها كما تريد منذ عقود طويلة. وفي هذه اللحظة، تتصاعد الأصوات – وربما الحاجة – لبناء دول تقوم على عقائد يتعين إعادة اكتشافها أو توظيفها مجدداً لرسم مستقبل آمن للجماعات.
والمسألة ليست سورية فقط. فهناك جماعات عدة حول العالم تطمح الى بناء دول خاصة بها وفقاً للهويات والمخيّلة الجمعية. وهناك دول تشكلت أصلاً كوحدات اقتصادية رسمها الاستعمار الأوروبي، كما فعلت إسبانيا في دول أميركا الجنوبية. وهنا يمكن العودة إلى طروحات بندكت أندرسون حول “الجماعات المتخيلة”، وإلى أطروحة إيريك هوبسباوم في كتابه “اختراع التقاليد”، حيث يشير إلى أن تقاليد كثيرة تبدو راسخة إنما اختُرعت في القرن التاسع عشر عندما اجتمعت القواعد والطقوس والرموز لإضفاء استمرارية أسطورية على الهويات القومية.
كانت هذه السرديات العقلانية والأسطورية ضرورية لخلق التشارك بين المجموعات وتشكيل هويات جامعة. أمّا ما يحصل اليوم في سوريا – وربما في المنطقة كلها – فهو نقيض الطريقة التي تتخيل بها المجتمعات نفسها عادة. فالتجمعات التي يرغب فيها السوريون أو الطوائف ليست قائمة على الاتفاق، بل على النجاة.
كم سيستغرق من الوقت لتتشكّل مرجعيات علوية مستقلة عن حضور الأسد وتعاليم المخابرات؟
وهل سيبقى دروز سوريا ولبنان وفلسطين هم أنفسهم دروز الأمس؟
ومتى سيدرك المسيحيون أنهم ليسوا أوروبيين؟
ومن أين ستستمد الطوائف سرديات تاريخية وأسطورية جديدة قادرة على خلق إحساس بالفخر والهوية؟
أما بالنسبة الى الطرف السنّي، فمتى سيكتشف “بنو أمية” الحاليون أن بني أمية السابقين لم يكونوا منفتحين على التجارة فقط، بل على الأعراق والثقافات والمذاهب أيضاً، إلى أن بلغوا الأندلس؟
وكيف سيقنع الجهاديون الإسبان بأنهم منفتحون وثقافيون بما يكفي لتحقيق “الحلم الأندلسي” بينما هم غير قادرين على إقناع أهل السويداء أولاً؟
وبعد كل ما مرّ على البلد من كوارث، لم يعد هروب بشار الأسد وحده كافياً ليكون اللحظة بداية التعافي. وأمام ذعر الأقليات، وترقب السنّة لما ستؤول إليه الأمور، يبدو من المنطقي أن تتحول الجماعات والكانتونات إلى نسخ صغيرة من إسبرطة.
لكن هل حاجتنا اليوم هي تعافٍ طائفي؟
وهل تُحل الكارثة السورية بحلول هوياتية؟
حتى الآن، تظل الحلول المقترحة مبنية على أسس هوياتية، وهذا هو جوهر البؤس. تأتي هذه الحلول المستحيلة بينما تسيطر الشركات الكبرى على العالم، متجاوزة الدول القومية والهويات، وسط تطور تكنولوجي هائل تمنحه أدوات مثل Google وMeta وChatGPT قدرة غير مسبوقة على التحكم والتوجيه وصياغة السلوك والرموز.
وكما يشير أندرسون، انتقلت الثروة وأساليب الهيمنة سريعاً من الدول القومية والعائلات الكبرى – أي من نواة تشكيل الهويات – إلى مؤسسي ومديري الشركات العابرة للقارات، القادرين على التأثير في السياسة وصياغة الأفكار وتمويل المشاريع من إدلب إلى السويداء.
وسورياً، يكثر الحديث عن حلول اقتصادية واستثمارية بوعود أقرب إلى التخدير، في مناخ يهيمن عليه الهاجس الطائفي. وأمام الذعر الجماعي، يبدو التفكير القومي والطائفي لكثيرين أولوية بديهية للنجاة. لكنّ الاستمرار في هذا المسار قد يكلف السوريين أثماناً تفوق بكثير ما دفعوه حتى الآن.
الحلول أشبه بالمستحيلات. يستمر الاقتتال الطائفي ليحوّل الخيارات “القومية” أو “الدينية” إلى أشكال من المعجزات التنفيذية، بينما تمضي “الأساطير الجديدة” – أي الشركات العابرة للحدود – في إعادة رسم خرائط للثروة والسيطرة، بقدر كبير من الغموض الذي يبدو أسطورياً بدوره، فيما يُستهلك الناس في معارك طاحنة بين هويات وطوائف الوقت الضائع.












