بجانب خيمة نزوحه المتواضعة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، لم يجد المزارع الفلسطيني رائد سمور (42 عاماً) خياراً أمامه سوى زراعة بعض النباتات البسيطة، يتلمّسُ فيها شغفه الممتد لأكثر من 15 عاماً بالزراعة، قبل أن تبيد الحرب أرضه وزرعه.
في بلدة بني سهيلا شرق المدينة المنكوبة، كان سمور يعمل برفقة أبنائه وإخوته في أرض زراعية تربو مساحتها عن 6 دونمات (6 آلاف متر مربع)، يتنوع محصولها بين شتى أنواع الخضروات والتوابل الخضراء، قبل أن يُجرّفها الاحتلال ويقتلع دفيئاتها الزراعية، ثم ما لبث أن جاء ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، ليمنعه من الوصول إليها أو حتى مجرد الاقتراب منها.
بكثيرٍ من الحسرة، يقول سمور لـ”درج”: “كنت أزرع البطاطا والبندورة والبصل والقمح والخضروات الموسمية. الأرض كانت مصدر حياتي ورزقي بالكامل، أما الآن فأعيش على التكيّات والمساعدات من هنا وهناك”.
يضيف المزارع المكلوم: “أنتظر أيّ حلّ يلوح في الأفق كي أعود الى أرضي وأحاول استصلاحها على الرغم مما أصابها من دمار، لكنها ستعيد لي الروح بدلاً من هذا النزوح المرير”.

حال سمور ينسحب على آلاف المزارعين الذين هربوا من مناطق شمال القطاع وشرقه للنجاة مع عائلاتهم، بعد أوامر عسكرية إسرائيلية بإخلاء مناطقهم وتشكيل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي سلسلة مكعبات إسمنتية صفراء، وضعها الجيش الإسرائيلي منذ بداية 20 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وهي تفصل بين مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي شرقاً والمناطق التي يُسمح فيها للفلسطينيين بالتحرك غرباً.
تداعيات كارثية
يفيد سكان محليون بأن الجيش الإسرائيلي يتلاعب بين الفينة والأخرى في أماكن تموضع هذه المكعبات، زاحفةً بشكل صامت نحو الغرب لتقضم مزيداً من الأراضي داخل القطاع.
ومنذ بداية تشكّل هذا الخط، تشير الخرائط المتفق عليها في اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أنه سيغطي نحو 53 في المئة من مساحة القطاع، بَيدَ أنّ الاحتلال لم يلتزم بهذه النسبة، وزحف تدريجياً نحو الغرب ليصل إلى ما يزيد عن 60 في المئة من مساحة القطاع، قبل أن يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في أيار/ مايو المنصرم نيته زيادة توسيع السيطرة على قطاع غزة بمساحة 70 في المئة من القطاع .

هذا الواقع الذي التهم ما يزيد عن 80 في المئة من مجمل الأراضي الزراعية في القطاع، انعكس بصورة مباشرة على السوق المحلي، إذ تراجعت كميات الإنتاج الزراعي المتاحة، وازدادت الحاجة إلى استيراد المنتجات الزراعية والاعتماد على المساعدات الإغاثية للبقاء.
ومع تدمير شبكات الري والآبار والدفيئات الزراعية والخزانات ومعدات الإنتاج، باتت إعادة تأهيل القطاع الزراعي بحاجة إلى استثمارات ضخمة لا تبدو متاحة في الوقت الحالي.
ولعل ما يشكله الخط الأصفر من خطورة على واقع المزارعين لم يقتصر على حرمانهم من العودة الى أراضيهم فحسب، إنما امتد تأثيره على مجمل منظومة الأمن الغذائي في القطاع المنهك من ويلات الحرب وتداعياتها.
المصانع على خط المواجهة
وفي حال كانت الزراعة هي الضحية الأولى للخط الأصفر، فإن القطاع الصناعي جاء في المرتبة الثانية تأثراً بما خلفته هذه السياسات المفروضة بالنار على واقع الاقتصاد المتردي.
على الأرض، دخلت المناطق الصناعية شمال القطاع وشرقه بلا استئذان ضمن نطاق الخط الأصفر، وباتت العودة إلى ركامها وأنقاضها حلماً منتظراً لأصحابها.
على مقربة من خيمة سمور، ينزح خالد أبو عليان (33 عامًا) وقد ترك في منطقة عبسان منجرة ومعرضاً كبيراً لصناعة الأثاث المنزلي والموبيليا، قبل أن يدركه النزوح ويتجه مرغماً لفتح نقطة شحنٍ للهواتف المحمولة والبطاريات الصغيرة، بعدما استطاع جلب منظومة الطاقة الشمسية الخاصة به إلى حيث مكان نزوحه بمنطقة المواصي.
يقول أبو عليان لـ”درج”: “لم تكن المنجرة مجرد مبنى وآلات، بل كنت أسترزق منها ومعي أربع أسر من أقربائي ولديهم عائلات، وحينما جاءت الحرب تدمرت حياتنا وبتنا نعمل في مهن بالكاد تطعمنا وتُسيّر أحوالنا في هذا الوضع البائس”.
وعلى الرغم من أن منجرة أبو عليان تعرضت للقصف والتدمير في بدايات الحرب، إلا أنه يأمل بعودة قريبة إلى مكان سكنه الأصلي، لكنها عودة بات يراها تبتعد أكثر فأكثر في ظل التصريحات بنية الاحتلال توسعة الخط الأصفر وتشكُّل ما يُعرف بالخط البرتقالي.
أبو عليان، واحدٌ من بين آلاف أصحاب المصانع والورش والمنشآت الإنتاجية الذين وقعت مصالحهم الاقتصادية ضمن المناطق المحظورة واستحال الوصول إليها، فتحولت المناطق الصناعية التي كانت تنبض بالحياة إلى ركام ودمار.
ولعل آثار توقف المصانع وتدمير البنية التحتية الصناعية في مناطق الخط الأصفر لم تقتصر على فقد آلاف العمال وظائفهم فقط، بل امتد ليشمل تراجعاً في القوة الشرائية وانخفاض الطلب المحلي، وتآكل مدخرات الغزيين، فضلاً عن اتساع دائرة الفقر بشكلٍ غير مسبوق.
نظرة اقتصادية
بدوره، يؤكد المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن الخط الأصفر أحدث تأثيراً بالغ الخطورة لأنه استهدف بالأساس أحد أهم الأصول الإنتاجية في قطاع غزة، وهي الأراضي الزراعية الواقعة شرق القطاع، والتي كانت تمثل الجزء الأكبر من الإنتاج الزراعي المحلي.
يقول أبو قمر لـ”درج”: “عندما تخرج هذه المساحات من الخدمة فإن الاقتصاد الفلسطيني لا يخسر محاصيل زراعية فقط، بل أيضاً آلاف فرص العمل ومصادر الدخل المرتبطة بها”، مضيفاً: “يؤدي ذلك أيضاً إلى تراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، ويعمق العجز الغذائي ويزيد الاعتماد على الاستيراد والمساعدات الإنسانية”.

يحذر أبو قمر من أن استمرار وجود الخط الأصفر سيمسّ بالبنية الاقتصادية بكاملها، قائلاً: “عندما تدمر الأراضي الزراعية أو المصانع فإن الضرر لا يصيب ملاكها فقط، بل يمتد إلى العمال والموردين والتجار وشبكات التوزيع والأسواق. لذلك يمكن القول إننا أمام استهداف للقدرة الإنتاجية والاقتصادية للمجتمع بكامله، وليس مجرد خسائر مادية منفصلة”.
اقتصادياً، يلفت أبو قمر إلى أن الاقتصاد في غزة سجل خلال العام المنصرم انكماشاً تجاوز الـ87 في المئة مقارنة بفترة ما قبل الحرب، فيما تخطت معدلات البطالة الـ80 في المئة، لتصبح من بين الأعلى عالمياً، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 90 في المئة من السكان.
بالاستناد إلى الأرقام والنسب السابقة، يرى الباحث الاقتصادي أنها تعكس طبيعة التحول الاقتصادي الجاري داخل القطاع، إذ يتم تفكيك الاقتصاد الإنتاجي تدريجياً، وتحويل المجتمع إلى نموذج يعتمد على الإغاثة والبقاء بدلاً من العمل والإنتاج.
ويبيّن أبو قمر أن هذا التحول أصبح واضحاً بصورة كبيرة، فكلما تراجعت القطاعات المنتجة وازداد الاعتماد على المساعدات الإنسانية، اقترب الاقتصاد من النموذج الإغاثي، محذراً من أن الاقتصاد الإغاثي الذي ظهر بعد الحرب وتطور بعد فرض الخط الأصفر، لن يخلق فرص عمل مستدامة ولن يبني قدرات إنتاجية، بل سيجعل المجتمع أكثر اعتماداً على المساعدات الخارجية: “على المدى الطويل سيضعف ذلك فرص التنمية والتعافي الاقتصادي وسيزيد من هشاشة المجتمع أمام الأزمات المتزايدة”.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن الخط الأصفر التهم مساحاتٍ جغرافية فحسب، بل ابتلع معه مواسم زراعية كانت تشكل السلة الغذائية للفلسطينيين لسنوات مضت من عمر الحصار ومصانع كانت تُعيل آلاف الأسر.
وما بين خسارة الأرض وتوقف عجلة الإنتاج واستمرار الصلف الإسرائيلي بتوسعة خطوطه العسكرية، يقف الغزيون أمام تحديات صعبة من أجل البقاء، وتبقى معها آمالهم معلقة بغدٍ أفضل ينهي الحرب وويلاتها.









