في كتابه “تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط”، يميز نزيه الأيوبي بين نموذجين للدولة: الدولة الشرسة، والدولة القوية، المفهومان يستندان إلى عنصرين رئيسيين يحكمان هاتين الدولتين، كل منهما على حدة: البطش، كأداة رئيسية لفرض الهيمنة في الدولة الشرسة؛ والرضا الطوعي، عند جمهور المحكومين من الدولة القوية، بسياساتها من دون إكراه مادي.
هذا يقودنا بدوره إلى الأساس الذي استند إليه الأيوبي في عملية التمييز أعلاه، وهو فكرة “الهيمنة” كأحد أهم مفاهيم علم الاجتماعي السياسي الحديث، المفهوم الذي أوجده أنطونيو غرامشي.
ومن خلال توظيفه فكرة غرامشي عن “الهيمنة”، ميز الأيوبي بين السيطرة التي تتم عبر “المجتمع السياسي” (في “الدولة الشرسة”) أي مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، بالإضافة إلى القضاء الذي يكون مستتبعاً لا مستقلاً في هذا النوع من الدول. أما “الهيمنة” فتتطلب وجود قيادة فكرية وأخلاقية، وتتحقق عبر “المجتمع المدني” (المدارس، دور العبادة، وسائل الإعلام، المثقفون…)، ومن خلاله تقنع تلك الدولة مواطنيها بصواب رؤيتها لمصالحهم، وقدرتها على تحقيق تلك المصالح.
نحن، إذاً، أمام حالتين تشكّلان نقيضاً إحداهما للأخرى. وقبل الدخول في رؤية غرامشي لكيفية مقاومة تلك “الهيمنة” لمصلحة “الطبقة العاملة” – وهو مفهوم بات من الملحّ جداً توسيعه – من الضروري قراءة هاتين الحالتين في إسقاط مباشر على ما تحاول “دولة” جديدة في المشرق العربي فرضه من “هيمنة”، مدّعيةً أنها دولة جديدة، وقاطعةً مع كل ما سبقها. المقصود “دولة” أحمد الشرع في سوريا، وما تدعيه من قطيعة مع الدولة السابقة، الأسدية “الشرسة”، عبر التأكيد أنها “دولة قوية” قائمة على رضا عموم المحكومين، قبل أي شيء آخر.
من أين استمدّ الأسديون “شراستهم”؟
الشراسة ليست جديدة على المجتمع السوري. ففي مجتمع شكلت “الحارات” الوحدة الاجتماعية الأكثر حضوراً في مدنه، بعد العائلة الصغيرة، وكامتداد عضوي لها بالضرورة، لا يمكن أبداً أن نتجاوز شخصية “العكيد”، أو “الفتوة” حسب التسمية المصرية. الشخصية التي، من فرط حضورها، فرضت نفسها على إنتاج أدبي وفني حقق رواجاً في منطقتنا كلها.
هذا الإنتاج الذي حاول تغطية جزء من التاريخ الملتبس لمنطقة وقعت، ولا تزال، على خط فالق زلزالي بين عالمين، واحد قديم لم تستطع مغادرته، على الرغم من أنه دُمر كلياً، وآخر جديد، تحاول القفز إليه، من دون أن تحقق أدنى الشروط التي تمكّنها من القفز بأمان. و”العكيد” يتقدم هنا ليصبح هو محط آمال بقية أبناء حارته من الضعفاء الذين هم بحاجة إلى حمايته، بسبب، أو، غالباً، بدون سبب سوى فرض ذلك الحضور المهيب، الذي تستتبعه خاوة محققة لمصلحة هذا “الفتوة” الذي لا يفعل شيئاً أكثر من تأكيد ألا شيء تغير، إلا باتجاه الأحسن، وحسبما يحدده هذا “العكيد” بنفسه، وبـ “رضا” جموع المؤمنين المتحلقين حوله.
خارج المدن، في الأرياف، لا يختلف الأمر في شيء، سوى كونه أقل كثافة وحيوية منه في الحالة الحضرية – عبارة “مدينية” هنا تبدو فضفاضة، فـ”مدننا” لا تزال حتى اللحظة تحاول أن تشبه المدن الحديثة، من ناحية الكثافة السكانية والمباني والخدمات، ولكنها ليست كذلك من ناحية الفردانية واختفاء العصبية الاجتماعية. في الأرياف، الزراعية والرعوية، تحضر العشيرة كمكوّن رئيسي، والزعامة معقودة للزعيم، الذي يرث الزعامة، غالباً بدون تحدّ من جهة “قبضاي”، قد ينقلب في أية لحظة ساحباً عصا الزعامة إليه. في كلتا الحالتين “الحضرية” و”الريفية”، الشراسة هي الملمح الأبرز لتحديد مكانة “الزعيم” وقيمته.
سبح الأسديون في الماء نفسه، الذي عاشوا فيه أعمارهم كلها، مستندين إلى “الوحدة الاجتماعية” ذاتها التي تشكل منبع القوة والعزوة: الحارة، العشيرة… أو في الحالة الأسدية، الطائفة. وهنا كانت الإضافة الأسدية التي لا يمكن إنكارها في جعل الحكم “الشرس” يستمر، مظهّراً “قوة” مدت في عمره عقوداً طويلة.
أوحى الأسديون لمحكوميهم بقوة خارقة. كقبضة حديدية لا يمكن التصدي لها. واستمدوا قوتهم هذه من التكتل الطائفي الذي حمى النظام حتى اللحظة الأخيرة. بقيت الاشتباكات في غاية العنف في الريف الشمالي لحماة، مع تقدم قوات المعارضة، مع أن المؤشرات كلها كانت تقول إن الحكم الأسدي يعيش آخر لحظاته. وهذا لم يكن إلا لفظة الروح الأخيرة، لنظام بقي مصراً على وجهه الطائفي، شديد الاحتكار لكل مفاصل السلطة العسكرية والأمنية. الوجه الذي أصر الأسديون على تصديره كهراوة فوق رؤوس الجميع، واستثمروه حتى آخر نقطة دم سالت من السوريين عموماً، بمختلف طوائفهم وإثنياتهم، ومن دون أي استثناء.
من أين يستمدّ الشرعيون “قوتهم”؟
يصرّ أحمد الشرع، والدائرة الحاكمة المحيطة به، وجمهور “مؤمنيهم”، الأتقياء منهم والمنافقون، على أن النظام “الجديد” في سوريا، هو جديد فعلاً وبدون قوسين. وهم يرتكزون بالدرجة الأولى على مفهوم “النظام القوي” كضرورة بعد انهيار الحكم الأسدي، الذي دام أكثر من أربعين عاماً، دمر خلالها معظم مقدرات البلاد. وهذا قبل أن تقوم الثورة ضده وتدخل البلاد كلها في دوامة حرب طاحنة، أتت على ما تبقى من تلك المقدرات.
تنبع “قوة” هذا النظام، حسب وجهة نظرهم، من الرضا الشعبي عنه. طبعاً هذا الكلام لا يستند إلى أي دليل ملموس- اسم هذا الدليل في بعض قواميس العالم “نتائج صندوق الاقتراع”. ولكن موضوع هذه الأسطر ليس هنا، إنه في تلك “القوة” المفترضة والمنسوبة إلى ذلك النظام الجديد، بالاستناد إلى هذا الرضا، والذي كما يعرف الجميع يستند إلى مكون واحد من مكونات الشعب السوري: المكون العربي السني.
كائنةً ما كانت نسبة هذا المكوّن، فإنه يشكّل جزءاً وليس كلاً من تعداد السكان. وهو، فوق هذا، مكوّن قائم على أساس هوياتي ما قبل وطني، هذا على فرض أن العرب السنّة في سوريا هم فعلاً على قلب رجل واحد.
أميل دوركهايم، بحث في آليات التضامن القائمة بين نوعين مختلفين من البنى الاجتماعية: التقليدية والحديثة. في الحالة التقليدية، أي المجتمعات المستندة إلى بنية هوياتة راسخة ما قبل وطنية أو تعاقدية، يسود تضامن آلي (Mechanical Solidarity)، حيث يتشابه الأفراد في الأفكار والقيم، والولاء يكون للجماعة الأولية.
في الحالة الحديثة، القائمة على تقسيم العمل، يسود التضامن العضوي (Organic Solidarity)، وهو ذلك التضامن القائم على حاجة الناس إلى بعضهم البعض، المصلحة، تماماً كما الجسد الواحد.
لو أردنا تطبيق هذين المفهومين على حالتي الدولة السورية “الشرسة”، وتلك التي تدعي أنها “دولة قوية”، فأي نوع من أنواع التضامن هذه نجده سائداً؟
في الحالة الأسدية، التضامن آلي… نعم، ولكن إلى حدّ ما. لا تكتمل الصورة بدون فهم حضور تلك “المصلحة” في جعل هذا التضامن، في الحالة الأسدية، يسود لأكثر من نصف قرن في سوريا كلها. وهذا ما يُكسب الوضع السوري (وهو مختلف تماماً عن أوضاع عربية أخرى كما سنرى لاحقاً) تلك “الخصوصية” التي تجعل من إمكانية فهمه أمراً مستعصياً في حال أُخضِع لمفاهيم محددة مسبقاً، ومستندة إلى تجارب اجتماعية تاريخية أخرى مختلفة.
نجح الأسديون في بسط “هيمنتهم” عبر تلك المصلحة التي جعلوها مشتركة عبر أكبر شريحة ممكنة من الطائفة التي تنتمي إليها الأسرة الحاكمة، ليتبين للجميع لاحقاً أنهم مجرد وقود لبقاء النظام وسيطرته ليس إلا. ولكن قبل الوصول إلى تلك المرحلة، مرحلة الحرق الكلي لطائفة كاملة، بلغ عدد ضحاياها بين الذكور الشباب، والذين تتراوح أعمارهم بين 18-35 سنة، مئات الآلاف، حسب تقديرات غير رسمية، خلال حرب الأسد ضد السوريين؛ قبل الوصول إلى تلك المرحلة، فإننا نعلم جميعاً أن القناعة التي صارت غالبة في سوريا، وقبل تولي الأسد الصغير مقاليد السلطة في البلاد، وبسنوات طويلة، أنك إن لم تكن علوياً، فلا أمل لك بأية “مصلحة” من جهة مؤسسات الدولة، التي هي، كما يفترض نظرياً على الأقل، أنها لجميع السوريين من دون استثناء.
هذا الخليط، بين العصبية الطائفية والمصلحة الملموسة، جعل إمكانية التخلص من نظام بهذا الفساد والشراسة، أمراً متعذراً. وهي العملية التي كلفت سوريا مئات آلاف الضحايا، ودماراً يكاد يكون شاملاً في كل البلاد.
في حالة نظام أحمد الشرع، فإننا نجد أنفسنا أمام تلك “المعادلة العجيبة” نفسها، الخليط بين التضامنين الآلي والعضوي معاً. ولكن المستند إلى مكون آخر، غير العلوي، بحجة أنه، ذلك المكون، يشكل الغالبية الكاسحة من السوريين. وبالتالي، لا داعي للبحث عن “مظاليم” في هذا “العقد” الجديد، إنهم بالكاد بضعة آلاف، يمكن لمذبحة واحدة أن تمسحهم تماماً!
إقرأوا أيضاً:
هذا ليس مبالغة، أو سخرية مرّة، هذا واقع قائم، مورس فعلاً، مرتين خلال العام الماضي، وتجاه العلويين والدروز، فقط لإيصال تلك الرسالة. أما “الهيمنة” حسب مفهوم النظام الجديد، فهي تأتي من “مجتمع مدني” محصور بفئة محددة من السكان، يحق لهم وحدهم الاعتراض، وضمن سقوف وسياقات محددة سلفاً (“هاتوا الفلوس اللي عليكو”، مثلاً)… أما البقية، ممن قُتل أولادهم، وسُبيت بناتهن ونساؤهن، فسيغرقون في بحر من التعريفات، التي يجب أن تكون دقيقة، حتى نفهم الفرق بين السبي كممارسة منهجية، وبالسبي كردة فعل فردية طائشة، وفي كلتَي الحالتين لا أحد يحاسب.
ألا توجد دولة “قوية” بدون شراسة في المنطقة؟!
ما دفعني الى كتابة هذه السطور، هو ما ورد في مقال نشره “درج” للباحث المصري عبدالله بكر، حول القبض على صبري نخنوخ، كمقاول عنف يعمل لصالح الدولة… وقد تناول بكر في مقاله المذكور، ما ورد عند نزيه الأيوبي، واصلاً إلى نتيجة أن الدولة المصرية ليست دولة “قوية”،الأمر الذي جعلني أقارن بين الدولتين المصرية والسورية، وكيف أن الدولة السورية أثبتت “قوة” (ولكن حسب المفهوم المختلط المذكور أعلاه، شراسة ومصلحة في آن)، أكبر من تلك التي أبدتها المصرية، على الرغم من أن الأخيرة، وكدولة وأجهزة وحضور في المجتمع، أعرق بما لا يقاس من مثيلتها السورية!
وربما كان هذا السبب الرئيسي في جعل الدولة المصرية، بنسختها الشرسة، أقل “قوة”، إذ إنها جزء من حالة اجتماعية متجانسة إثنياً وطائفياً ودينياً. وتلك الدولة، كمؤسسات حكم، موجودة على مدار قرون، على الرغم من كل التحولات التي مرت عليها، وعلى بنيتها بالكامل، إلا أن ارتباطها بالمجتمع المصري يجعلها أقل ضراوة من النموذج السوري، الذي ما زال يستند إلى مكون “أقلوي” في الحكم (حكام سوريا ما زالوا خارجيين عن المجتمع السوري المحكوم، حتى اللحظة، مقارنة بالسيسي وعسكره)… وبالتالي، فإن حضور البنية ما قبل الوطنية في مصر (خصوصاً بعد ملحمة استقلال حقيقية هناك)، ضعيف جداً مقارنة بمثيل سوري أشد تجذراً، بسبب هذا التعدد في الطوائف والأعراق في سوريا…
لذلك، فإن الدولة المصرية، عاجزة عن إنتاج عنف من داخل مؤسساتها موجّه إلى مجتمع، هي في النهاية جزء منه، وقد يثور عليها في أية لحظة، في حال ظهرت تلك الدولة كعدو لغالبية السكان. لذلك احتاجت إلى مقاولي عنف من “خارج الملاك”. بينما الدولة السورية، بوجهيها العلوي والسني، لم تحتج إلى التعامل مع مقاولي عنف من خارج منظومتها.. ويمكنها ببساطة أن تزيح “النمر الوردي”، وتظهر عوضاً عنه “أبو عمشة القيادة”!
في النهاية، وبالعودة إلى سوريا، فإن كلَي الدولتين قدمتا نفسيهما كضرورة بالنسبة الى محكوميهما. بدونها يمكن أن تسود فوضى، أو ندخل في مرحلة لا يعرف أحد إلى ماذا يمكن أن تفضي. أي أن عامل “الرضا” لا يزال قائماً فعلاً، ولو عن طريق الخوف، ولو كان خوفاً على “المصلحة” نفسها.
وبالتالي، فإن مواجهة تلك “الهيمنة” بالذات، باتت أمراً ملحاً، لمن يرى في نفسه مقدرة على القيام بهذا. ليس من باب ادعاء البطولة الرومنطيقية، بقدر ما هو من باب إدراك واقعي جداً، مؤلم، وملح، بأن ما نشاهده الآن، من “فتوحات” القيادة الجديدة، ليس إلا فيلماً مكروراً سينتهي بالطريقة نفسها التي انتهى فيها الفيلم الأسدي، وسينهينا جميعاً معه.
كيف يمكن مواجهة “الهيمنة” أياً كان شكلها؟
بعيداً عن التحديد الطبقي الصارم لدى غرامشي لـ “المثقف العضوي”، أي ذلك المرتبط بالطبقة العاملة ومصالحها، فإن الحديث عن مهمة ذلك “المثقف” في صناعة الوعي البديل لذلك الوعي السائد، هو ما يشكل جوهر الإضافة الغرامشية إلى مفهوم “المثقف” في عمومه.
هل نحن بحاجة إلى مثقفين؟ نعم، دائماً، وفي أي مجتمع كان. حتى ولو كان “كل الناس مثقفين”، كما ذهب غرامشي نفسه، وقبل أن يضيف الاستثناء: بأن ليس لكل الناس وظيفة هذا المثقف في المجتمع. وهذه الوظيفة يمكن أن تكون تكريس وعي سائد، أو خلق وعي بديل. وهنا يبرز دور المثقف العضوي.
إذاً، في مواجهة “هيمنة” ما تريد إقناع الناس بأنها المحطة النهائية لحكم قوي يحقق مصالحهم جميعاً، ولو عن طريق القوة، فإن فك هذا “الطلسم” يتطلب وجود ذلك “المثقف العضوي” الذي هو معني فعلاً بشؤون مجتمعه، وبتفكيك الخطاب السائد، نحو الوصول إلى حالة يصبح فيها من الممكن تلمس أفق مختلف عن ذلك الذي عاش فيه الجميع، معتقدين أنه أفضل ما يمكن أن يحصلوا عليه.
أوجه الاعتراض تختلف، ونماذج هذا “المثقف” تتنوّع. بل إنها تطاول حتى النظرة التاريخية الناجزة حول التطور البشري نفسه. أخيراً، بدأنا نقرأ نقداً محكماً وعميقاً جداً لتصوير مراحل التطور البشري بصفتها أمراً حتمياً لم يكن من الممكن تجاوزه، وأنه في حال حصل هذا التجاوز، فإننا نكون قد فوّتْنا فرصة تطوّر ذهبية نعيشها الآن… هذا غير صحيح إطلاقاً، يقول لنا “المؤرخون الجدد”.
في حالتنا السورية، والعربية عموماً، نحن بحاجة إلى ما هو أقرب بكثير من تناول دور الثورة الزراعية، مثلاً، في تحويلنا إلى عبيد، كما ذهبت آخر الدراسات حول دور الغلال في تكويننا حتى البيولوجي (Against the Grain / James C. Scott). نحن بحاجة إلى أن نخرج من كوننا عبيداً فعلاً، بغلال أو بدونها. وغالباً، في ظل الديكتاتوريات الشرسة والمهيمنة في عالمنا العربي، سنكون عبيداً وبدون غلال… بدون ما نأكله حتى نموت جميعاً على قارعة الطريق. هذا فعلياً مصير أي شخص يعيش في حفرة الموت التي صارها عالمنا العربي، ولا يملك أيّاً من مهارات البقاء المطلوبة، فقط ليعيش بضع سنين إضافية.
بالعودة إلى سوريا، نحن بحاجة إلى هذا المثقف فعلياً أكثر من أي وقت مضى. مثقف لا يمتلك فقط ما يكفي من شجاعة ليذكر كلمة “ديمقراطية”، ولو لمرة واحدة، في بيان طويل عريض عن “تحصين سوريا”، بل يمتلك أيضاً تلك الرؤية الحارقة له قبل الجميع، والتي تجبره على قول ما يراه حقيقة، مع محاولة دائمة لتعميق هذه الرؤية، وليس الاستغناء عنها، لأنه بهذا يعرف أكثر، ويقترب من تحقيق هدفه أكثر، ويفهم محيطه ويلمس مفاتيح التحريك فيه أكثر وأكثر.
هذا دور لا يمكن الاستغناء عنه أبداً. وهذا الدور، حتى يكتمل، على صاحبه أن يمتلك أولاً وقبل كل شيء آخر، تلك الرؤية البديلة التي تقول للجميع ما يعرفونه، لكنهم صمتوا عنه خوفاً… عليه أن يقول إن السلطان الجديد لا يختلف عن القديم إلا بلحيته، وإن كليهما عاريان.
مشكلتنا أن الخوف عند كثيرين لم يعقد ألسنتهم فقط، بل منع الرؤية أيضاً، الى درجة أنهم ظلوا مصرّين على أن تلك السراويل الداخلية التي نسيها الأسد في قصوره، ارتداها الحاكم الجديد، وهو بهذا ليس عارياً!
إقرأوا أيضاً:











