في شباط/ فبراير الماضي، وفي ليلة مظلمة، خرج الشاب المصري مصطفى محمد وفا في بثّ مباشر عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، من شوارع قريته في محافظة الدقهلية، وبثبات، رغم لفتات ينظر فيها حوله، أعلن تناول “حبّة الغلّة”؛ نوع من المبيدات الحشرية المستخدمة في حفظ الحبوب والمحاصيل الزراعية بامتصاص الرطوبة وإطلاق غاز سامّ ويعتبر وسيلة سريعة للانتحار، مكتفياً بجملة “حسبي الله ونعم الوكيل في من ظلمني”، لينتهي البثّ، ويموت مصطفى ويشيّعه أهل قريته إلى مثواه الأخير.
الأخبار الأولى المتداولة عن الواقعة قالت إن مصطفى يعاني من أزمة مالية، وديون متراكمة، بالإضافة إلى تعليق على صفحته يطالبه بتناول “حبّة الغلّة”، حيث كتب منشوراً يشكو فيه من ضيق الحال.
مع الوقت انكشفت القصّة كاملة، فمصطفى الشاب البشوش المتديّن الذي لا تربطه صلات كبيرة بالتيّار الإسلامي، تمّ اعتقاله في 2023 بتهمة الانضمام إلى “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” من دون أدلّة، ورغم إصابته بالصرع. وتتضارب الأقوال حول مدّة الاعتقال ما بين 18 شهراً حسب أصدقائه، و6 أشهر فقط حسب بيان الداخلية، ليخرج من تجربة الاعتقال محمّلاً بالآثار النفسية للاعتقال، إضافة إلى معاناته أزمة مالية، لعدم قدرته على سداد ديونه التي تراكمت بعد خروجه من المعتقل بسبب عدم تمكّنه من إيجاد العمل.
واقعة مصطفى تلاها واقعة أخرى لا يفصل بينهما سوى شهر، حيث تمّ إنقاذ صاحبها المعتقل السابق سامح سعودي، بسبب وسيلة الانتحار التي لم تكن – لحسن الحظ- بسرعة “حبّة الغلّة”، لتكشف الواقعتان عن الأثر النفسي الذي يخلّفه الاعتقال، وخطورة غياب الدعم النفسي عن المعتقلين، لا سيّما في ظلّ ارتفاع تكلفة العلاج النفسي في مصر.
“الاعتقال هو نقطة فاصلة في حياة أي معتقل، تصنّف بعدها أحداث حياته قبل الاعتقال وبعده، وما قبل الاعتقال ليس مثل ما بعده، فهناك أشياء تتغيّر إلى الأبد، مثلاً الوضع الصحّي، فقد تقبّلت بعد اعتقالي أن هناك أوضاعاً صحّية أصبحت دائمة، وكذلك علاقات العمل أو مع الأفراد”، بهذه العبارات بدأت الباحثة والصحافية والمعتقلة السابقة شيماء سامي حديثها مع “درج”.
وكانت شيماء قد اعتُقلت من منزلها في 20 أيّار/ مايو 2020، وتمّ إخفاؤها قسرياً لمدة 10 أيّام، لتظهر في النيابة، ويتمّ حبسها على ذمّة واحدة من قضايا أمن الدولة، ثم إخلاء سبيلها مرّتين. الأولي في كانون الثاني/ يناير في عام 2021، حيث تمّ اخفاؤها قسرياً قبل أن يتمّ تدويرها في قضيّة أخرى، ثم إخلاء سبيلها في آب/ أغسطس 2021.
خرجت شيماء من السجن بمشاعر مختلفة، ورغم أنها استطاعت منذ سنوات التخلّص من العصبيّة والتحكّم في غضبها، فإنها أصبحت أكثر غضباً، حتى إنها في إحدى جلسات العلاج أخبرت معالجها أنها كانت أفضل حالاً من حيث التحكّم في غضبها أثناء فترة السجن، وهو ما فسّرته بعد ذلك بأنها كانت في حالة تحفّز وإنذار أثناء فترة الاعتقال.
بحسب شيماء فإن كلّ من مرّ بتجربة الاعتقال سوف يحمل أثراً نفسياً منها، ومن لا يعترف بذلك، فأمامه الكثير من الوقت للتعافي، مع اختلاف الأثر النفسي بناء على عدّة عوامل أهمّها ظروف الاعتقال نفسها، ومدى الدعم النفسي الذي يتلقّاه المعتقل.
ما زاد الأمر سوءاً بالنسبة إلى شيماء، أن أسرتها وأصدقاءها المقرّبين بعيدين كلّ البعد عن العمل العامّ، وهو ما جعلهم غير منتبهين لضرورة حصولها على دعم نفسي، وحتى إن تلقّت هذه النصيحة، فلم تكن لتعمل بها إلا إذا شعرت هي بضرورة ذلك.
قبل اعتقالها كان لشيماء سابقة تعامل مع معالج نفسي في عملها السابق، وحين شعرت بتفاقم الوضع وتزايد نوبات العصبيّة والغضب، تواصلت مع المعالج النفسي لتخبره بحاجتها إلى العلاج، لكنّها في الوقت نفسه أخبرته أنها لن تستطيع تحمّل التكلفة، لارتفاع أسعار جلساته، وكذلك لارتفاع أسعار جلسات العلاج النفسي بشكل عامّ في مصر.
المصادفة وحدها خدمت شيماء، حيث صادف اشتراك المعالج النفسي في برنامج دولي لمساعدة الصحافيين الذين عانوا ظروفاً صعبة بسبب عملهم، لتجد شيماء نفسها في برنامج علاجي، يضمّ عدداً من الصحافيين من دول تعاني حروباً مثل اليمن والسودان وسوريا، وهو ما جعلها تشعر بمدى فداحة الاعتقال الذي تساوى في أثره النفسي مع الحروب والاضطرابات العسكرية.
عقب بدء شيماء جلسات علاجها تنبّهت إلى حاجة والدتها أيضاً إلى الدعم النفسي، لأن تجربة اعتقال شيماء أثّرت عليها وأصابتها بالاكتئاب، لأن الاعتقال تجربة لا ينتهي أثرها عند المعتقل نفسه.
وترى شيماء أنه لولا العلاج النفسي، لم تستطع استكمال حياتها سواء الشخصية أو العملية، لأن الأثر النفسي الذي خلّفته تجربة الاعتقال والإخفاء القسري، تعيق أي شخص عن التواصل أو التفاعل بصورة فاعلة مع الحياة.
إقرأوا أيضاً:
لا توجد الكثير من الجهات التي تقدّم الدعم النفسي للمعتقلين في مصر، حيث يدخل التأهيل النفسي داخل نطاق عمل مركز واحد فقط، وهو مركز “النديم لتأهيل ضحايا العنف”، الذي بدأ نشاطه في عام 1989 كعيادة للتأهيل النفسي، قبل أن يتمّ تطويره إلى مركز حقوقي لتأهيل ضحايا العنف، ثم تقوم السلطات المصرية بإغلاقه في عام 2016، لكنّ المركز استمرّ في تقديم خدماته بصورة أقلّ أثناء فترة الإغلاق، إلى أن حصل على حكم من القضاء الإداري بإعادة فتحه مرّة أخرى في 2021.
هذا الأمر لا يُعدّ ترفاً في بلد يبلغ فيه عدد المعتقلين السياسيين بحسب منظّمات حقوقية نحو ٦٠ الفاً.
وفي حوار صحافي سابق مع نقيب الصحافيين الحالي خالد البلشي، قال “إن النقابة عملت على إعادة التأهيل النفسي للصحافيين المفرج عنهم”.
لكن إن كانت المصادفة قد خدمت شيماء في تلقّي العلاج، فإنها لم تخدم صهيب القاضي (اسم مستعار) فحين خرج صهيب بعد تجربة اعتقال مريرة لمدّة تزيد عن 5 سنوات، بعد فضّ اعتصام رابعة العدوية، لم تكن أسرته تؤمن بأي جدوى للدعم النفسي، بل وجّهته فقط نحو الصلاة والعبادات.
وصهيب هو ابن إحدى الأسر المحبّة لـ”جماعة الإخوان”، فهو لم ينتمِ ولا أسرته إلى الجماعة في يوم من الأيام، إلا أنه رأى في حينها أن مشاركته في الاعتصام ضرورة لدعم الشرعيّة التي جاء بها صندوق الاقتراع، مقرّراً البقاء في الاعتصام سلمياً حتى اللحظات الأخيرة، إلى أن تمّ اعتقاله من ضمن عدد من المتظاهرين الذين بقوا للحظات الأخيرة.
خلال اعتقاله تعرّض صهيب للعديد من الانتهاكات، بسبب حالة الانتقام التي كانت لدى أفراد الداخلية ضدّ المعتقلين المحسوبين على الجماعة، وهي الانتهاكات التي دعمتها البروباغندا الإعلامية التي حوّلت المعتصمين إلى “وحش”، بخاصّة مع تكرار العمليّات الإرهابية التي استهدفت الأقباط وكذلك أفراد الجيش والشرطة.
بحسب صهيب، فقد تعرّض للتعذيب بالإضافة إلى فترات طويلة من الحبس الانفرادي، لا سيّما أثناء مرحلة الإخفاء القسري، قبل أن يوضع على قوائم إحدى القضايا الأمنية المتعلّقة بفضّ اعتصام رابعة، وكان الهدف من الانتهاكات التأكّد من عدم وجود معلومات أو علاقة مع أي من التنظيمات المحظورة، وظلّ في هذه المرحلة الضبابية لمدّة عامين، قبل أن تتمّ إحالته إلى القضاء، ويصدر بحقّه حكم قضائي بالسجن لمدّة 5 سنوات، ليتمّ الإفراج عنه في أواخر 2018.
عقب الإفراج عنه، خرج صهيب من المعتقل محمّلاً بالكثير من الأثار النفسية على رأسها اضطراب القلق، وكذلك أعراض واضحة للاكتئاب، لكنّ عائلته لم تلتفت إلى هذه الأعراض، بل تمّ اعتبارها نتيجة لابتعاده عن العبادات بعد خروجه من المعتقل، ومع ضغط أسرته اضطرّ لترك المنزل.
“عشت أيّاماً صعبة، فمع النقص الشديد في النقود، وعدم وجود مكان ثابت للإقامة، كان هناك الكثير من القلق، لا سيّما مع دعوات التظاهر في أيلول/ سبتمبر 2019، التي أعقبها الإغلاق الكامل بسبب إجراءات حظر انتشار فيروس كوفيد 19، كانت نوبات القلق والخوف تزيد الأمر، مما دفعني إلى الوقوع في فخّ الإدمان”، يقول صهيب.
لم يجد صهيب الدعم لدى أسرته، لكنّه وجده لدى أحد أصدقاء المعتقل، الذي أدرك الأثر النفسي للاعتقال عليه، واستطاع الحصول على المساعدة لنفسه، وبعدها قرّر مساعدة صديقه صهيب، بإقناعه في الحصول على مساعدة للإقلاع عن تعاطي المخدّرات، ثم جلسات دعم نفسي خاصّة مع معالج نفسي، ومجموعات الدعم.
“لم أنجُ بالكامل، أعرف أنني فقدت جزءاً من روحي في تلك التجربة، كما فقدت جزءاً من شخصيّتي، وأعرف أن التعذيب ترك ندوباً على جسدي، كما ترك الاعتقال والحبس الانفرادي وعدم القدرة على التحكّم بمصيري ندوباً داخل نفسي، قد تكون التأمت لكنّها باقية كأثر لن يُمحى، إلا أنني الآن أفضل، وأستطيع أن أتعايش مع العالم المحيط بي، لم أتصالح معه لكنّي أستطيع أن أعيشه”، يقول صهيب.
بحسب الدكتورة سوزان فيّاض مسؤولة وحدة العلاج في “مركز النديم”، فإنه نظرياً “لا يمكن الجزم باحتياج المعتقل السابق للدعم النفسي، إنما هناك عدّة عوامل يتوقّف عليها الأمر، أهمّها طبيعة التجربة، وحالة السجن، ووجود تعذيب منهجي أو عدمه، والدعم النفسي الخارجي سواء السياسي أو الأسري، بالإضافة إلى وجود قضيّة للمعتقل أو اعتقاله بصورة عشوائية. لأن وجود قضيّة أو موقف سياسي للمعتقل يمثّل دعماً له، بينما المعتقل بصورة عشوائية يعيش حالة من الإحباط بأنه يدفع ثمن لا شيء، وأخيراً هل للمعتقل تاريخ في الاضطرابات النفسية أم لا”، وهي العوامل التي اجتمعت بصورة كبيرة في حالة صهيب.
من الناحية العملية، ترى فيّاض من خلال خبرتها في التأهيل النفسي لضحايا العنف أن “90% من حالات الاعتقال التي التقت بها سواء في جلسات علاج أو استشارات سريعة، تحتاج إلى العلاج النفسي، وذلك يشمل حتى من ليس لديهم تاريخ مع المرض النفسي أو الاضطرابات النفسية”.
وترى فيّاض أن “جزءاً من الأزمة هي أن تجربة الاعتقال العبثي غير مفهومة لدى المعتقل، فمثلاً التعذيب من أجل الحصول على اعتراف رغم أنه يؤدّي إلى شعور بالذنب أو غيره، هو مفهوم، ولكن ما يحدث أن المعتقلين يعانون من الثواب والعقاب أو الاجراءات غير المفهومة مثل التأديب أو التجريدة أو حتى التعذيب دون هدف، وهي كلّها إجراءات يراها الضحيّة أنها عبثية وغير مفهومة، لكنّ الهدف منها هو كسر شخصيّته، وهو ما يجعل المعتقل حتى لو كانت فترة اعتقاله قصيرة يعاني اضطراب نفسي”.
“لشهور طويلة كنت مطارداً ليس من الأمن ولكن من الكوابيس”، بهذا وصف الطالب أحمد عامر (اسم مستعار) حالته بعد تجربة اعتقاله، في ما يُعرف بمظاهرات الأرض في 2016، وهي المظاهرات الرافضة لاتّفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية والقاضية بنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.
شارك عامر في المظاهرة بالمصادفة، وكان قريباً من وسط العاصمة المصرية القاهرة، حيث انطلقت المظاهرات التي وجد نفسه فيها وهو يردّد الهتافات، وحاملاً لكمّ كبير من الرفض لما يجري، بسبب ما اطّلع عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يجد نفسه في قبضة عناصر الأمن للمرّة الأولى في حياته، ورغم إقناعه لنفسه ووالدته أن القبض عليه مجرّد إجراء مؤقت سينتهي سريعاً، فإنه دفع عامين من عمره داخل السجن، ليتمّ الإفراج عنه، لكن بعد أن تدهورت حالته النفسية.
يقول عامر: “لم أكن أتخيّل أن أرى العالم المختلف الذي رأيته داخل السجن، خاصّة وأن هناك معتقلين زادت فترة اعتقالهم عن 5 و7 سنوات، وهو ما جعلني أشعر أن سجني ممتدّ إلى ما لا نهاية، بالإضافة إلى المعاملة داخل السجن، حيث لم نكن سوى أرقام يتحكّم فيها الضابط المكلّف في السجن، يستطيع منع الزيارة، أو منع التريّض، أو إحالتنا إلى الحبس الانفرادي، أو نقلنا إلى عنابر أو سجون أخرى بعيداً عن أهلنا أو أصدقائنا، أو تفتيش الزنزانة في أي وقت ومصادرة ما نمتلكه من ملابس أو أغطية أو حتى طعام، كلّ تفاصيل حياتنا يتحكّم فيها ضابط مباحث السجن أو حتى من هو أقلّ رتبة”.
بعد الإفراج عن عامر عاش فترات من القلق والتوتّر والخوف، وهو ما فسّره طبيبه النفسي بأنه اضطراب ما بعد الصدمة، وبين علاج دوائي وكلامي قضى عامر 3 أعوام من حياته في محاولة السيطرة على أثر عامين من الاعتقال.
ترى فيّاض أن “هناك مجموعات من الاضطرابات النفسية التي يعانيها المعتقلون السابقون على رأسها اضطراب ما بعد الصدمة، ثم اضطرابات القلق والاكتئاب، وكلّها اضطرابات تعيق المعتقل عن التعايش مع المجتمع، وممارسة حياته”، مشيرة إلى أن “المعتقل يعيش فترة بعد الإفراج عنه لا يستطيع التعامل مع المجتمع، أو حتى مع أسرته التي تعاني الجزء الأكبر من أزمة المعتقل النفسية، لا سيّما وأنهم يتوقّعون منه التعامل بصورة طبيعية والعودة إلى عمله و حياته الطبيعية، لسداد الديون التي تسبّب فيها غيابه عن المنزل، بالإضافة إلى تكلفة الزيارات وغيرها”.
وتقول فيّاض “إن المعاناة المادّية تزيد من الأزمة النفسية للمعتقلين، ما بين تكلفة العلاج النفسي، والديون الناتجة عن فترة الاعتقال، بالإضافة إلى عدم قدرة المعتقل على العمل بسبب التضييق الأمني، الأمر الذي يزيد من أثر الاعتقال النفسي”.
لم ينجُ مصطفى محمد وفا من أثر اعتقاله، الذي قضى على ما بقي من حياته، في الوقت الذي استطاع آخرون النجاة بسبب طوق نجاة الدعم النفسي الذي عثروا عليه في الوقت المناسب، بينما ينتظر آخرون هذا الطوق الذي يُبعد عنهم بسبب التكلفة المرتفعة وغياب المبادرات.












