تتوسّع دائرة الإهمال الرسمي لمحافظة النبطية الجنوبية، لتصل إلى أماكن لا يمكن توقّعها، وكأن ما عانته من جور غياب الدولة تاريخياً، إضافة إلى الحرب القائمة منذ أكثر من عامين، ليسا كافيين لجعل الجهات الرسمية تلتفت إلى أوضاع هذه المنطقة، وتحاول تعويضها بالحدّ الأدنى من الاهتمام.
الجديد على هذا الصعيد، أن بعض إدارات الدولة في مركز المحافظة أي مدينة النبطية، بدأت تشهد فراغاً مؤسّساتياً، وشغوراً في عدد من المواقع الحسّاسة، بسبب البيروقراطية الإدارية، وشبه التعطيل الذي يقيّد دور مجلس الخدمة المدنية منذ العام 2017، ما انعكس سلباً على تسيير شؤون الموظّفين، وتأخيراً في إنجاز معاملاتهم الإدارية، مضيفاً إلى فصول المأساة التي يتجرّعونها نتيجة الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المستمرّة، فصل التنقّل بين المناطق للحصول على خدمات مستحقّة…
من المعروف أن إدارات الدولة تأخّرت في الوصول إلى محافظتي الجنوب والنبطية، وما وصل منها بعد انسحاب إسرائيل في عام 2000، لم يسدّ فراغ غياب الدولة المزمن وتهميشها غير المسؤول لمناطق الأطراف، ولا داعي هنا للعودة بالحكاية إلى نقد المركزية الإدارية ومساوئها، لجهة عدم قدرتها على تلبية الاحتياجات الضرورية أو الاستجابة السريعة لحاجات المناطق، فالأمر تعدّى هذا كلّه، وتفوّق عليه، إذ تتفاقم منذ سنتين في محافظة النبطية أزمة إدارية فريدة من نوعها، وهي شغور أربعة مواقع في مركز تعاونية موظّفي الدولة، من المفترض أن يشغلهما طبيبان وصيدليان.
والأزمة متّصلة بآلية التوظيف والحرب معاً، تقول عضوة “التيّار النقابي المستقلّ” في النبطية سلام بدر الدين: “إن مراكز التعاونية على صعيد لبنان بدأت تفرغ تباعاً، هناك وضع مشابه للنبطية في حلبا وفي زحلة وفي بعلبك… في النبطية عمر الأزمة سنتان، بدأت مع الحرب ومستمرّة بسبب آليات التوظيف”.
وبينما يشير أحد الموظّفين المتضرّرين إلى أن القضيّة طُرحت على محافظة النبطية هويدا الترك، ووصلت إلى نوّاب المنطقة، لكنّ الجهات الرسمية تجزم بعدم وجود حلّ، وتتذّرع بأن التوظيف غير قانوني لأنه ينبغي أن يمرّ عبر مجلس الخدمة المدنية.
في هذا الشأن توضح بدر الدين أن “قرار وقف التوظيف اتُّخذ في 2017 وينتهي بانتهاء 2025″، لكن هل تنتهي الأزمة مع بداية 2026؟ تستبعد بدر الدين ذلك، وتقول: “الروتين الإداري يستغرق وقتاً طويلاً، مثل الإعلان عن الامتحانات، إجرائها، فرز الأسماء والشواغر ثم بدء التوظيف، وهذا يحتاج إلى سنة على الأقلّ، علماً أنه حتى مجلس الخدمة بحاجة إلى إعادة تأهيل قبل ما يستأنف عمله”. وتحذّر من “بقاء الوضع في مركز النبطية على هذه الحال، فمركز صيدا الذي لجأنا إليه سيشغر خلال شهرين، ونصبح مجبرين على الذهاب إلى المركز الرئيسي في بيروت، تخيلي أن موظّفاً يعيش في أقاصي بنت جبيل أو حاصبيا، سيضطرّ لقطع ثلاث ساعات أو أكثر كي يمضي معاملة إدارية، وأحياناً يكون المريض وحيداً لا يمكنه التحرّك، ولا يملك سيارة، وأحواله المادّية من الصعوبة بحيث يصبح مشوار صيدا أو بيروت عبئاً مالياً كبيراً، هذا عدا همّ الحرب وما يحدث على الطرقات من غارات لا تفرّق بين مدني وعسكري، ماذا نفعل في هذه الحالة؟”.
تؤكّد بدر الدين أن “الحلّ يكون إما بالتكليف وإما بالتعاقد وإما بالانتداب. فالأطبّاء المنتدبون هم موظّفون في الدولة أساساً، وعادة يتمّ انتدابهم مرّة أو مرّتين في الأسبوع إلى مراكزهم، مع أنه من المفروض أن يداوموا يومياً”، وهذا يعني أنه يوجد مخرج إداري لكن لا يوجد إرادة.
والواقع أن هناك تعطيلاً جزئياً لعمل مجلس الخدمة المدنية اللبناني منذ العام 2017، ما وضع الإدارة العامّة والقطاع العامّ بمواجهة تحدّيات كبيرة، منها شغور الوظائف بنسبة عالية جداً، فأدّى ذلك إلى تدهور الخدمات، لكنّ مجلس الخدمة يظلّ بإمكانه ممارسة صلاحيّاته القانونية المتعلّقة بتعيين الموظّفين عبر آليّة الانتداب.
منذ تأسيسه في عام 1959، أصبح مجلس الخدمة المدنية الجهة الرسمية الكفيلة بإيجاد موظّفين للخدمة المدنية وملئها بالموارد البشرية، مع الحرص على تطبيق آليّة توظيف مبنيّة على الكفاءة عبر إجراء الامتحانات، وتوزيع الناجحين على الوزارات في جولتين خلال سنة واحدة، لكنّه فقد مع الأيّام دوره، أوّلاً بخضوعه لأهواء الأحزاب السياسية، وثانياً بتطييف التوظيف، ليصبح القيد الطائفي والمحسوبية معيارين محلّ الكفاءة والجدارة، فخسر بالتالي قدرته على إتمام عمليّات التوظيف في الوزارات.
إقرأوا أيضاً:
علاوة على ذلك، لم يجدّد مجلس الخدمة المدنية آليّات التوظيف والاختبار منذ التسعينات، وهو أساساً يفتقد المرونة في مجال ملء الشواغر، وحال تعاونية موظّفي النبطية دليل على ذلك. عدا أن الشغور الحالي بالوظائف مقابل فائض المتعاقدين والموظّفين، يدلّ بطريقة ما، على عرقلة الإصلاح الإداري من الأحزاب المستفيدة من تغييب الدولة، كونه أساس سيادتها واستقلالها السياسي.
لطالما استغلّت الأحزاب السياسية في لبنان مؤسّسات الدولة لتعزيز سلطتها وتوسيع قواعد شعبيتها، فحصرت حقّ الوصول إلى الخدمة العامّة والوظيفة بالتبعية لها، واستخدم زعماؤها القيد الطائفي لقنص الوظائف وتوزيعها على الموالين لهم حصراً، فحلّت المحسوبية مكان الكفاءة، والحزب مكان الدولة، والطائفية محل الجدارة، ما أدى إلى انهيار العلاقة بين المواطن والدولة.
في الجنوب اليوم، تزداد مؤسّسات الدولة انهياراً، انهيار يكاد يكون كلّياً في مناطق جنوب النهر، وجزئياً في مناطق شمال النهر، ويصيب الخدمات العامّة بمقتل، ويزيد في الوقت نفسه من ارتهان المواطن للزعيم السياسي وبعده عن الدولة، ما يشكّل خطراً مباشراً على العقد الاجتماعي.
قد تنجح الدولة في إعادة ترميم العقد الاجتماعي مع المواطن الجنوبي، لو فكرت خارج الصندوق لمرّة واحدة فقط، واتّخذت مبادرة عودتها إلى الجنوب من باب الشغور الوظيفي، وقفزت عن العوائق الإدارية التي تقيّد التوظيف، واجترحت قانون طوارئ خاصّاً بحالة الحرب ينتهي مع انتهائها، ولماذا لا تكون البداية من تعاونية موظّفي الدولة في النبطية؟
فالوقت والوضع لا يسمحان باتّباع آليّات التوظيف الروتينية، وخدمة المواطن فوق كلّ الدساتير والقوانين، وكما يُقال “السبت خُلق من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل السبت”.
في الخمسينات، بذل الرئيس فؤاد شهاب جهوداً مضنية لبناء مؤسّسات مدنية غير طائفية، لكنّ الأحزاب سرعان ما خطفتها وسحبتها إلى الحظيرة الطائفية، كنقيض لمفهوم الدولة وشبيه لمفهوم المزرعة، ولعلّ جورج أورويل في كتابه “مزرعة الحيوان” أشار إلى استيلاء الفاسدين على السلطة الذي يحوّل الدولة إلى مزرعة، والمواطنين إلى رعايا، فيغيب مفهوم المواطنة.
ما هو دور الدولة الحديثة المنتخبة ديمقراطياً ومؤسساتها سوى حُسن تسيير شؤون الناس؟ وللعلم أن محافظة النبطية التي تتوزّع على ثلاثة أقضية في جنوب النهر هي مرجعيون وحاصبيا وبنت جبيل، وواحد شمال النهر هو قضاء النبطية، لا يوجد فيها مستشفى حكومي يتناسب والحالة الطارئة المستجدّة منذ عامين، الطواقم الطبّية والصحّية فيها عملت منذ اليوم الأوّل للحرب من دون دعم رسمي، بينما نوّاب الأقضية الأربعة غائبون، منصرفون إلى المناكفات السياسية تاركين موضوع الإنماء للمعجزات السماوية!
ختاماً، هل يمكن القول إن العهد الجديد فشل في تحقيق الشعارين الأساسيين اللذين رفعهما: حصر السلاح بيد الدولة والإصلاح الإداري؟ يبدو أنه فشل على الأقلّ جنوباً في تنفيذهما، فالحال أن الانهيار الأمني في مناطق الجنوب، سيتبعه انهيار في النظام الصحي، كما أن فراغ الإدارات التي تعكس حضور الدولة، سيضاعف من انهيار الدولة ذاتها. الموظّف الجنوبي الذي خدم الدولة وكان يقتطع مبلغاً شهرياً من مستحقّاته لتعيد له الدولة الخدمة، ها هو تنسحق آدميته على الطرقات، مرّة خوفاً من المسيّرات، ومرّة أخرى ركضاً خلف تخليص المعاملات من النبطية إلى صيدا إلى بيروت… وإذا كانت الدولة تعرف و”تطنّش” فالمصيبة كبيرة، وإذا كانت لا تعرف فالمصيبة أكبر…













