تُسارع الدول القادرة اليوم للإعلان عن مشاريع بمئات مليارات الدولارات لتطوير برامج الذكاء الصناعي، وبناء مراكز البيانات في مختلف أنحاء العالم. هذه المشاريع، التي تستشرف المستقبل الذي يعد به الذكاء الصناعي، يحرص أصحابها على تصدّر المشهد فيه، لكنّها تُخفي وراءها مخاطر جمّة، أبرزها الاستهلاك الهائل للطاقة واستنزاف الموارد، وهو ما حذّر منه العلماء منذ سنوات، أي قبل الطفرة التي نشهدها اليوم في مجال الذكاء الصناعي التي تثبت صحّة تحذيراتهم.
تُنذر شراهة هذه التكنولوجيا باحتدام الصراعات على الموارد عالمياً، وبسلبها من متناول الأكثر فقراً وحاجة، إلى جانب آثارها البيئية الخطيرة، ولعلّ ملامح هذا الصراع ظهرت بشكل صارخ في تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن رغبته في الاستحواذ على المعادن الثمينة في أوكرانيا، المستخدمة في الصناعات الإلكترونية.
في تصريح صدر في نيسان/ أبريل الماضي، كشف الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان، عن أن مجرّد التحاور بأدب مع روبوتات الدردشة مثل “تشات جي بي تي”، يكلّف شركته ملايين الدولارات بسبب استهلاك الطاقة، ورغم ذلك، لم يتناول ألتمان بشكل جدّي المخاطر البيئية التي تمسّ مستقبل الأجيال المقبلة.
بات من المعروف اليوم أن الذكاء الصناعي يحتلّ مكانة متزايدة في حياتنا، وهي مرشّحة للتوسع بسرعة كبيرة، ما يعني الحاجة إلى تضخيم قواعد البيانات ومراكزها، لتواكب التدفّق الهائل للبيانات يومياً في ظلّ التطوّر التكنولوجي الكبير وكثرة وسائل الاتصال والإعلام.
هذا العالم “غير الملموس” بالنسبة إلى كثيرين، والناجم عن استهلاك كميّات هائلة من الموارد والثروات، يضيف تحدّياً أخلاقياً جديداً، تحدٍ إذا ما تأخّر إدراكه، يصبح تدارك أضراره شبه مستحيل.
وقد مثّلت محاولة ترامب ابتزاز نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، للتوقيع على “اتّفاق المعادن” الثمينة – تحت ضغط الحرب الروسية – نموذجاً فاقعاً لمحاولات الدول الغنّية الاستيلاء على موارد الدول الأفقر والضغط عليها، ورغم أن هذا النهج ليس جديداً، فإن التنافس بين شركات الذكاء الصناعي يسرّع وتيرة استغلال الثروات، وغالباً ما تُستخرج هذه الموارد بطرق تضرّ بالبيئة وتنتهك حقوق الإنسان، بما في ذلك عمالة الأطفال، كما أن بناء قواعد بيانات في دول نامية تعاني أساساً من شحّ المياه والكهرباء، يفاقم أزمة الوصول إلى هذه الموارد.
إقرأوا أيضاً:
فتح تطبيق ذكاء صناعي أشبه بفتح حنفيّة مياه
اليوم يلجأ المستخدمون إلى “تشات جي بي تي” وغيره من التطبيقات المشابهة لإنجاز كلّ شيء: من أبسط الأسئلة إلى أعقد المهام. ما يغيب عن بالهم أن هذه التطبيقات تستهلك الكهرباء والماء والموارد الطبيعية، وبالتالي، فإن الاستخدام العشوائي لها يعني فعلياً هدر هذه الموارد، ولتقدير حجم هذا الهدر، يمكن تشبيه استخدام الذكاء الصناعي بفتح حنفيّة مياه وتركها تتدفّق بلا توقّف، إلى جانب تشغيل مولّد كهربائي دائماً، وهو ما تؤكّده دراسات وتقارير عديدة.
فيما يزداد انتشار الذكاء الصناعي ودمجه في مجالات عدّة، ينكبّ الباحثون على دراسة حجم استهلاك هذه التقنيّات للموارد وأثرها البيئي، غير أن غياب الشفافية من جانب الشركات وصعوبة الوصول إلى البيانات المتعلّقة بحجم الطاقة المستهلكة، يزيد من تعقيد هذه الدراسات، ورغم خلاصات الباحثين المقلقة، تبقى دعواتهم لتبنّي سياسات أكثر استدامة صرخة في وادٍ، إذ يرى أصحاب الشركات والدول أنها تعرقلهم في سباق الذكاء الصناعي.
تتطلّب تطبيقات الذكاء الصناعي بنية تحتية ضخمة: مراكز بيانات بمساحات شاسعة، أجهزة وخوادم مصنوعة من السيليكون والليثيوم والنحاس، تشغيل دائم، تبريد مستمرّ، وترطيب دائم، وكلّ ذلك يعني استهلاكاً متزايداً للطاقة والمياه والموادّ، يزداد أكثر مع توسّع هذه المراكز.
وكشفت وكالة الطاقة الدولية في تقرير أن مراكز البيانات استهلكت نحو 1.5% من الكهرباء عالمياً في 2024، بزيادة كبيرة خلال خمس سنوات فقط، متوقّعة أن يصل الاستهلاك إلى 3% بحلول 2030 (نحو 945 تيراواط ساعة) هذا الرقم يُعادل تقريباً استهلاك اليابان من الكهرباء حالياً، ويُتوقّع أن يوازي بحلول 2034 استهلاك الهند،
وتستهلك الولايات المتّحدة وأوروبا والصين مجتمعة 85% من هذه الطاقة.
وفيما تتّهم الشركات بعدم الإفصاح عن حجم استهلاكها للمياه، قدّرت إحدى الدراسات أن تدريب “جي بي تي 3” – النسخة الأقدم من “تشات جي بي تي” – استهلك 700 ألف لتر من المياه العذبة لتبريد مراكز بيانات “مايكروسوفت” في الولايات المتّحدة، من دون إمكانية إعادة تدويرها، وقدّرت دراسة أخرى أن يتجاوز استهلاك الذكاء الصناعي للمياه 3.2 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول 2028.
فيديوهات القطط على “تيك توك” تُعيق إنتاج الذخائر!
تؤكّد هذه الدراسات والأرقام أحقيّة المخاوف بشأن الأثر البيئي المدمّر لتقنيّات الذكاء الصناعي، حتى لو قدّر بعض العلماء أن لها إمكانات لترشيد استهلاك المياه والطاقة، لكن حتى هذه الاستخدامات المفيدة تتطلّب بدورها استهلاكاً ضخماً للطاقة لتحليل البيانات.
وفي حادثة طريفة لكنّها كاشفة، ذكر تقرير لـ”رويترز” في نهاية 2023، أن مديراً لشركة أسلحة في النرويج، ألقى باللوم على تخزين مقاطع فيديو للقطط عبر “تيك توك” في عرقلة توسيع إنتاج الذخائر لأوكرانيا! فمراكز بيانات “تيك توك” القريبة من مصنع الشركة استهلكت قدراً هائلاً من الكهرباء، مما أعاق التوسّع.
ورغم تعهدات شركات كبرى مثل “مايكروسوفت” و”غوغل” بتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2030، فقد ازدادت انبعاثاتهما في 2023 بسبب الذكاء الصناعي: انبعاثات “غوغل” ارتفعت بنسبة 48% مقارنة بـ2019، و”مايكروسوفت” بنسبة 29% مقارنة بـ2020.
ويعزّز هذا المسار المخاوف من تقلّص الموارد المتاحة أمام الأكثر فقراً، وتصعيد الصراعات حولها في ظلّ سباق الذكاء الصناعي. موارد تُسلب من الفئات التي يهدّدها الذكاء الصناعي نفسه بفقدان وظائفها. يحدث هذا بينما تُظهر تقارير الأمم المتّحدة أن ثلاثة أرباع الأراضي حول العالم أصبحت أكثر جفافاً في العقود الثلاثة الأخيرة، وعدد السكان في ازدياد مستمرّ.














