يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الذكاء الصناعي في الإعلام اللبناني: اختلاق بصري بلا ضوابط

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من شأن التزييف في نشرات الأخبار أن يصبح أكثر خطورة مع تطوّر أدوات الذكاء الصناعي، وقدرته على تجسيد التفاصيل بالتوازي مع سهولة الوصول إليها. فأصحاب المؤسّسات الإعلامية في لبنان والعالم يمتلكون شبكة واسعة من المصالح، وقد تسهّل هذه الأدوات لهم نشر معلومات غير دقيقة تصبّ في مصالحهم،

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مشاهد اجتماع مفترض بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، مولّداً بالذكاء الصناعي كجزء خبري من نشرة أخبار… 

مراسل حربي ميداني يقدّم تقارير مباشرة من جنوب لبنان، أيضاً بالذكاء الصناعي…

تُفرِط مؤسّسات إعلامية لبنانية في استخدام الفيديوهات المولّدة بالذكاء الصناعي، حتى بات إنتاج تقارير إخبارية وإعداد مواد كاملة عبر هذه التقنية، من صميم عمل غرف الأخبار… فهل هذا استثمار لتكنولوجيا متطورّة، أم هو تهافت واستسهال غير محسوب العواقب؟

الاندفاعة التي يشهدها إعلام لبناني واسع في الاعتماد على مواد إخبارية مولّدة بالذكاء الصناعي، يوحي بأن هذه المؤسّسات لا تطرح على نفسها حتى بعض الأسئلة البديهية المتعلّقة بأخلاقيات المهنة، وحقوق الأفراد والكرامة الإنسانية، وقيمة ما تعرضه كوثيقة في المستقبل. 

ولم يعد الأمر يقتصر على إنتاج مقطع لملء فراغ صورة مفقودة في نشرة الأخبار؛ وهو أيضاً معرض نقد، إنما باتت تولّد محتوى لا يقتصر فقط على سياسيين في موقع قوّة، بل يتعدّاهم إلى شرائح أخرى من المجتمع يجري تقديمها بطرق ساخرة وسلبية. 

قد تحمي حرّية التعبير الحقّ في السخرية، لكنّ استخدام الذكاء الصناعي في توليد مواقف بعينها، يحتاج إلى مزيد من التأمّل والتفكير بمعناه وحدوده.

تتعاطى هذه المؤسّسات مع الصور المنتشرة على وسائل التواصل لأفراد وأماكن، وكأنها باتت ملكاً مباحاً لها، تسمح لنفسها بالتصرّف فيها كما تتخيّل وتشاء، تخلق المشهد والوضعية والتعابير التي تخطر لها. 

وفي حين تضع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ضوابط لحماية الأفراد عند استخدام صورهم، استناداً إلى الحقّ في الخصوصية والكرامة وحماية السمعة والهويّة الشخصيّة بما يحفظ حقوقهم وكرامتهم الإنسانية، تخلق هذه المؤسّسات صوراً تتعامل مع تجسيد الأفراد بمشاهد مهينة لكونها تجلب متعة للمرسل والمتلقّي، وهنا نعني تحديداً الفيديوهات الساخرة…

مثلاً تولّد محطّة “أل بي سي” فيديو لصانع المحتوى الشهير جورج ديب المعروف بـ”دكتور فود”، وهو خلف قضبان السجن بتهم تتعلّق بالمخدّرات، بينما تحمل طليقته المعروفة بشروق، الحلوى وربطة خبز وتقف أمامه وهو يرجوها أن تُخرجه من السجن، بينما تلوّح له بيدها مودّعة بشماتة وساخرة بعبارة “باي دكتور صوص”، ليردّ “يا ريتني بعت شراشف مش أحسن من مخدّات”. 

ويظهر هنا إضافة إلى تجسيد الشخصين بتعابير لم تصدر عنهما، توجيه إهانة إلى أحدهما، فضلاً عن تجسيده بقول ما لم يقله.

“يجب أن يُصوَّر بأشنع صورة”

على وسائل التواصل، مشاهد وإهانات أعظم يولّدها أشخاص لإعلاميات لا يوافقنهم الآراء السياسية. مشاهد ذكورية صادمة تُظهر عقلية لا تتورّع عن استخدام أي مقاربة، وتتضاعف هذه المقاربة حين تكون الشخصيّة المستهدفة امرأة.

واحدة من إشكاليات طرحها فيديو مثل فيديو ”دكتور فود“، أنه لم يولّد على يد هاوٍ، إنما نشرته مؤسّسة إعلامية مكرّسة ولها تاريخها في لبنان. 

يتجاوب حسن الخطيب معدّ الفقرات المولّدة بالذكاء الصناعي سريعاً مع طلب “درج” الإجابة عن أسئلة ترتبط بالجدل، الذي يثيره المحتوى الذي يولّده باستخدام الذكاء الصناعي لصالح “أل بي سي”، والإشكاليات الأخلاقية التي يطرحها، وعن الحدود التي يضعها لنفسه خلال تجسيد الأشخاص.

يجيب الخطيب بأن هناك قيوداً تفرضها التطبيقات التي يستخدمها “ولا تسمح بالتمادي”، أمّا عن تصرّفه بصور أشخاص ليسوا في مواقع صنع القرار، مثل جورج ديب زوجته السابقة، والإشكاليات الأخلاقية التي تطرحها فيقول: ”أنا لا أفعل شيئاً خارج الأخلاق، بل أمارس حرّية التعبير”، ويتابع ”هما ينشران غسيلهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكل أخبارهما الشخصيّة، واللبنانيون يهاجمونهما. دكتور فود تاجر مخدّرات يضرّ بالناس، وكان هو وطليقته يهدّدان كل من ينتقدهما، ما يحصل اليوم هو كارما، وبالنسبة لي يجب أن يُصوَّر بأشنع صورة”.

 ويلفت الخطيب إلى أن محتواه مخصّص لوسائل التواصل الاجتماعي، وأنه ”قريب من الشارع اللبناني، وكلمة يا صوص تستخدم على هذه الوسائل“. 

ويضع صانع المحتوى المواقف المنتقدة لعمله في سياق الهجوم على المؤسّسة التي يعمل فيها على خلفية حادثة سابقة، حين أعدّ فيديو مولّداً بالذكاء الصناعي يسخر من الأمين العامّ لـ”حزب الله” نعيم قاسم، الذي أثار جدلاً واسعاً، ويؤكّد أن أعماله تمرّ على رقابة إدارة المؤسّسة التي يخضع لقراراتها، ويعتبر أن مسؤولية تنظيم هذه المسائل تقع على وزارة الإعلام. 

كما يشير إلى تعرّضه لتهديدات بالقتل شملت أفراد عائلته أيضاً، من دون أن يتعرّض من يهدّده للمحاسبة، ما يجعله مضطرّاً لاتّخاذ احتياطات.

وهنا تبرز فعلاً مسؤولية السلطات التشريعية والتنفيذية في لبنان، التي تتخلّف دوماً عن تشريع قوانين تواكب التطوّر، فإلى الأمس، حتى أُقرّ قانون الإعلام الجديد بعد أن ظلّت المواقع الإلكترونية لأكثر من عقدين من دون تنظيم.

التزييف العميق يهدّد الأرشيف البصري

وبالعودة إلى توليد الفيديوهات، باتت مؤسّسات إعلامية تلجأ إلى الذكاء الصناعي لإعداد تقاريرها الإخبارية، التي بات يمكن وصف بعضها بالتزييف العميق. فقناة “الجديد” مثلاً، لجأت إلى توليد مقطع يجسّد مشهد إلقاء القبض على دكتور فود خلال تقرير إخباري عن الموضوع، مشهد كان يمكن إعداد التقرير من دونه، بل يمكن اعتباره تزييفاً، وإن وضعت إشارة بأنه مولّد بالذكاء الصناعي. وهنا أيضاً تبرز الإشكالية حول تجسيد الأشخاص خلال اعتقالهم، وبالشكل الذي يتخيّله فيه معدّ التقرير ضمن نشرة يفترض أنها تنقل الواقع، لا تتخيّله. 

وكانت المؤسّسة ذاتها قد ولّدت قبل أشهر مشاهد للفنّان فضل شاكر وهو يمثُل أمام قاضٍ في المحكمة العسكرية. بدورها ولّدت “أل بي سي” صوراً لبشّار الأسد خلف القضبان في تقرير إخباري، علماً أنه لم يدخل قط إلى السجن. ومن بين التقارير الإخبارية تقرير لـ”الجديد” عن التهريب أُعدّت مشاهده باستخدام الذكاء الصناعي.

يطرح هذا السلوك السؤال حول تجاهل أهمّية الصورة كوثيقة تاريخية من قِبل مؤسّسات إخبارية، واستسهال التخلّي عنها لصالح اختلاق تمثيل بصري، واختراع مشاهد بصرية بديلة، بل واسترخاص اللجوء إلى الذكاء الصناعي، وهذا ما يحذّر منه خبراء كثيرون بأنه يراكم تزييفاً للأرشيف والمستقبل. 

هذه المشاهد تحقّق رغبات صانعيها وتختلق مشاهد ربما هم من يتمنّى حصولها، وليست تلك التي حصلت فعلاً. الإفراط في خلق مشاهد خبرية مولّدة بالذكاء الصناعي تُدخل إلى الأرشيف البصري تمثيلاً اصطناعياً لحدث تاريخي حقيقي ما يعني تزويراً للتاريخ. ويمكن القول حتى إنها باتت تحاول إشباع الرغبة بالتلصّص على الأشخاص في وضعية ضعف؟

ماذا لو امتلكت الأكاذيب صوراً مُقنعة؟

من شأن التزييف في نشرات الأخبار أن يصبح أكثر خطورة مع تطوّر أدوات الذكاء الصناعي، وقدرته على تجسيد التفاصيل بالتوازي مع سهولة الوصول إليها. فأصحاب المؤسّسات الإعلامية في لبنان والعالم يمتلكون شبكة واسعة من المصالح، وقد تسهّل هذه الأدوات لهم نشر معلومات غير دقيقة تصبّ في مصالحهم، فكثير منهم يقومون بذلك اليوم، لكن إمكانية فضح الأكاذيب تعيق مساعيهم، لكن مع تصديق الجمهور لما يشاهده، ومع تطوّر القدرة على إعداد تقارير بتقنيات يصعب كشف زيفها، ستتحوّل الأخبار من نقل الواقع إلى خلق سيناريو وتوليد مشاهده حتى جعل الجمهور يصدّق أنه حقيقي. 

منظّمة “مراسلون بلا حدود” كانت أطلقت بالشراكة مع 16 منظّمة “ميثاق باريس” بشأن الذكاء الصناعي والصحافة، الذي يضع ضمن القيم التي يجب أن تحكم استخدام الذكاء الصناعي في الصحافة: الدقّة، والإنصاف، وعدم الإضرار، وعدم التمييز، والمسؤولية واحترام الخصوصية، كما يحمّل المؤسّسة الإعلامية المسؤولية عن كل محتوى تنشره حتى عندما يكون مولّداً بالذكاء الصناعي، ويدعو لإعطاء الأولوية للصور والتسجيلات الحقيقية عند تمثيل أحداث حقيقية، والامتناع خصوصاً عن استخدام محتوى صناعي يحاكي تسجيلات الواقع، أو يجّسد بصورة واقعية أشخاصاً حقيقيين.

في أوروبا دخل الاتّحاد الأوروبي بتوتّر مع عمالقة التكنولوجيا بسبب سعيه لوضع ضوابط تحمي المستخدمين، وقد وضع إطاراً تشريعياً للذكاء الصناعي في دول الاتّحاد، ودخلت موادّه حيّز التنفيذ بداية آب/ أغسطس الماضي، واعتبر القانون أن وجود ملصق يفيد بأن المحتوى صناعي، لا يمنح ناشره حصانة من باقي القوانين المتعلّقة باستخدام الصور.

في النهاية لا تبدو المسألة سجالاً بين إعلام حديث وآخر يرفض التطوّر التكنولوجي، فالذكاء الصناعي بات جزءاً من أدوات الصحافة وسيزداد حضوره بلا شكّ… لكنّ السؤال هو متى يكون أداة تساعد الصحافي على فهم الواقع وتقديمه؟ ومتى يتحوّل إلى أداة اختلاق واقع لم يحدث؟

في الأخبار تحديداً ليست الصورة مجرّد عنصر جمالي لملء الشاشة، بل هي وثيقة وشهادة وجزء من الذاكرة العامّة. وحين تُصنَع صور واقعية لاعتقال لم يتمّ تصويره مثلاً، أو لمحاكمة غير مصوّرة، أو لاجتماع سياسي لا مشاهد معلنة له، فالأمر لم يعد مجرّد توضيح بصري حتى لو كُتب عليه أنه مولّد بالذكاء الصناعي. في هذه الحالة نحن أمام إعادة تمثيل للواقع ستدخل الأرشيف وتعاد مشاركتها مستقبلاً باعتبارها حقيقة… 

في بلد مثل لبنان حيث يسبق الاستخدام التشريع والرقابة، لا يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تنتظر نظم وقوانين لتضع لنفسها حدوداً. المسؤولية تبدأ من إدارات التحرير وإدارات المؤسّسات، فالأولوية هي للصور الحقيقية وعدم اختلاق مشاهد لأحداث حقيقية لم تصوّر، إلا في حالات استثنائية تفرضها ضرورة تحريرية واضحة… 

الرهان ليس فقط على صدقية خبر وصورة تبثّ اليوم، بل على نوع الأرشيف والتوثيق الذي ستتركه غداً، فإذا اعتاد الإعلام اختراع صور للواقع كلما غابت الكاميرا، فلن تكون المشكلة أن الذكاء الصناعي أصبح أكثر دقّة في تقليد الحقيقة، بل المشكلة في أن الصحافة نفسها تخلّت عن مهمّة حمايتها.

إقرأوا أيضاً:

من شأن التزييف في نشرات الأخبار أن يصبح أكثر خطورة مع تطوّر أدوات الذكاء الصناعي، وقدرته على تجسيد التفاصيل بالتوازي مع سهولة الوصول إليها. فأصحاب المؤسّسات الإعلامية في لبنان والعالم يمتلكون شبكة واسعة من المصالح، وقد تسهّل هذه الأدوات لهم نشر معلومات غير دقيقة تصبّ في مصالحهم،

مشاهد اجتماع مفترض بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، مولّداً بالذكاء الصناعي كجزء خبري من نشرة أخبار… 

مراسل حربي ميداني يقدّم تقارير مباشرة من جنوب لبنان، أيضاً بالذكاء الصناعي…

تُفرِط مؤسّسات إعلامية لبنانية في استخدام الفيديوهات المولّدة بالذكاء الصناعي، حتى بات إنتاج تقارير إخبارية وإعداد مواد كاملة عبر هذه التقنية، من صميم عمل غرف الأخبار… فهل هذا استثمار لتكنولوجيا متطورّة، أم هو تهافت واستسهال غير محسوب العواقب؟

الاندفاعة التي يشهدها إعلام لبناني واسع في الاعتماد على مواد إخبارية مولّدة بالذكاء الصناعي، يوحي بأن هذه المؤسّسات لا تطرح على نفسها حتى بعض الأسئلة البديهية المتعلّقة بأخلاقيات المهنة، وحقوق الأفراد والكرامة الإنسانية، وقيمة ما تعرضه كوثيقة في المستقبل. 

ولم يعد الأمر يقتصر على إنتاج مقطع لملء فراغ صورة مفقودة في نشرة الأخبار؛ وهو أيضاً معرض نقد، إنما باتت تولّد محتوى لا يقتصر فقط على سياسيين في موقع قوّة، بل يتعدّاهم إلى شرائح أخرى من المجتمع يجري تقديمها بطرق ساخرة وسلبية. 

قد تحمي حرّية التعبير الحقّ في السخرية، لكنّ استخدام الذكاء الصناعي في توليد مواقف بعينها، يحتاج إلى مزيد من التأمّل والتفكير بمعناه وحدوده.

تتعاطى هذه المؤسّسات مع الصور المنتشرة على وسائل التواصل لأفراد وأماكن، وكأنها باتت ملكاً مباحاً لها، تسمح لنفسها بالتصرّف فيها كما تتخيّل وتشاء، تخلق المشهد والوضعية والتعابير التي تخطر لها. 

وفي حين تضع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ضوابط لحماية الأفراد عند استخدام صورهم، استناداً إلى الحقّ في الخصوصية والكرامة وحماية السمعة والهويّة الشخصيّة بما يحفظ حقوقهم وكرامتهم الإنسانية، تخلق هذه المؤسّسات صوراً تتعامل مع تجسيد الأفراد بمشاهد مهينة لكونها تجلب متعة للمرسل والمتلقّي، وهنا نعني تحديداً الفيديوهات الساخرة…

مثلاً تولّد محطّة “أل بي سي” فيديو لصانع المحتوى الشهير جورج ديب المعروف بـ”دكتور فود”، وهو خلف قضبان السجن بتهم تتعلّق بالمخدّرات، بينما تحمل طليقته المعروفة بشروق، الحلوى وربطة خبز وتقف أمامه وهو يرجوها أن تُخرجه من السجن، بينما تلوّح له بيدها مودّعة بشماتة وساخرة بعبارة “باي دكتور صوص”، ليردّ “يا ريتني بعت شراشف مش أحسن من مخدّات”. 

ويظهر هنا إضافة إلى تجسيد الشخصين بتعابير لم تصدر عنهما، توجيه إهانة إلى أحدهما، فضلاً عن تجسيده بقول ما لم يقله.

“يجب أن يُصوَّر بأشنع صورة”

على وسائل التواصل، مشاهد وإهانات أعظم يولّدها أشخاص لإعلاميات لا يوافقنهم الآراء السياسية. مشاهد ذكورية صادمة تُظهر عقلية لا تتورّع عن استخدام أي مقاربة، وتتضاعف هذه المقاربة حين تكون الشخصيّة المستهدفة امرأة.

واحدة من إشكاليات طرحها فيديو مثل فيديو ”دكتور فود“، أنه لم يولّد على يد هاوٍ، إنما نشرته مؤسّسة إعلامية مكرّسة ولها تاريخها في لبنان. 

يتجاوب حسن الخطيب معدّ الفقرات المولّدة بالذكاء الصناعي سريعاً مع طلب “درج” الإجابة عن أسئلة ترتبط بالجدل، الذي يثيره المحتوى الذي يولّده باستخدام الذكاء الصناعي لصالح “أل بي سي”، والإشكاليات الأخلاقية التي يطرحها، وعن الحدود التي يضعها لنفسه خلال تجسيد الأشخاص.

يجيب الخطيب بأن هناك قيوداً تفرضها التطبيقات التي يستخدمها “ولا تسمح بالتمادي”، أمّا عن تصرّفه بصور أشخاص ليسوا في مواقع صنع القرار، مثل جورج ديب زوجته السابقة، والإشكاليات الأخلاقية التي تطرحها فيقول: ”أنا لا أفعل شيئاً خارج الأخلاق، بل أمارس حرّية التعبير”، ويتابع ”هما ينشران غسيلهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكل أخبارهما الشخصيّة، واللبنانيون يهاجمونهما. دكتور فود تاجر مخدّرات يضرّ بالناس، وكان هو وطليقته يهدّدان كل من ينتقدهما، ما يحصل اليوم هو كارما، وبالنسبة لي يجب أن يُصوَّر بأشنع صورة”.

 ويلفت الخطيب إلى أن محتواه مخصّص لوسائل التواصل الاجتماعي، وأنه ”قريب من الشارع اللبناني، وكلمة يا صوص تستخدم على هذه الوسائل“. 

ويضع صانع المحتوى المواقف المنتقدة لعمله في سياق الهجوم على المؤسّسة التي يعمل فيها على خلفية حادثة سابقة، حين أعدّ فيديو مولّداً بالذكاء الصناعي يسخر من الأمين العامّ لـ”حزب الله” نعيم قاسم، الذي أثار جدلاً واسعاً، ويؤكّد أن أعماله تمرّ على رقابة إدارة المؤسّسة التي يخضع لقراراتها، ويعتبر أن مسؤولية تنظيم هذه المسائل تقع على وزارة الإعلام. 

كما يشير إلى تعرّضه لتهديدات بالقتل شملت أفراد عائلته أيضاً، من دون أن يتعرّض من يهدّده للمحاسبة، ما يجعله مضطرّاً لاتّخاذ احتياطات.

وهنا تبرز فعلاً مسؤولية السلطات التشريعية والتنفيذية في لبنان، التي تتخلّف دوماً عن تشريع قوانين تواكب التطوّر، فإلى الأمس، حتى أُقرّ قانون الإعلام الجديد بعد أن ظلّت المواقع الإلكترونية لأكثر من عقدين من دون تنظيم.

التزييف العميق يهدّد الأرشيف البصري

وبالعودة إلى توليد الفيديوهات، باتت مؤسّسات إعلامية تلجأ إلى الذكاء الصناعي لإعداد تقاريرها الإخبارية، التي بات يمكن وصف بعضها بالتزييف العميق. فقناة “الجديد” مثلاً، لجأت إلى توليد مقطع يجسّد مشهد إلقاء القبض على دكتور فود خلال تقرير إخباري عن الموضوع، مشهد كان يمكن إعداد التقرير من دونه، بل يمكن اعتباره تزييفاً، وإن وضعت إشارة بأنه مولّد بالذكاء الصناعي. وهنا أيضاً تبرز الإشكالية حول تجسيد الأشخاص خلال اعتقالهم، وبالشكل الذي يتخيّله فيه معدّ التقرير ضمن نشرة يفترض أنها تنقل الواقع، لا تتخيّله. 

وكانت المؤسّسة ذاتها قد ولّدت قبل أشهر مشاهد للفنّان فضل شاكر وهو يمثُل أمام قاضٍ في المحكمة العسكرية. بدورها ولّدت “أل بي سي” صوراً لبشّار الأسد خلف القضبان في تقرير إخباري، علماً أنه لم يدخل قط إلى السجن. ومن بين التقارير الإخبارية تقرير لـ”الجديد” عن التهريب أُعدّت مشاهده باستخدام الذكاء الصناعي.

يطرح هذا السلوك السؤال حول تجاهل أهمّية الصورة كوثيقة تاريخية من قِبل مؤسّسات إخبارية، واستسهال التخلّي عنها لصالح اختلاق تمثيل بصري، واختراع مشاهد بصرية بديلة، بل واسترخاص اللجوء إلى الذكاء الصناعي، وهذا ما يحذّر منه خبراء كثيرون بأنه يراكم تزييفاً للأرشيف والمستقبل. 

هذه المشاهد تحقّق رغبات صانعيها وتختلق مشاهد ربما هم من يتمنّى حصولها، وليست تلك التي حصلت فعلاً. الإفراط في خلق مشاهد خبرية مولّدة بالذكاء الصناعي تُدخل إلى الأرشيف البصري تمثيلاً اصطناعياً لحدث تاريخي حقيقي ما يعني تزويراً للتاريخ. ويمكن القول حتى إنها باتت تحاول إشباع الرغبة بالتلصّص على الأشخاص في وضعية ضعف؟

ماذا لو امتلكت الأكاذيب صوراً مُقنعة؟

من شأن التزييف في نشرات الأخبار أن يصبح أكثر خطورة مع تطوّر أدوات الذكاء الصناعي، وقدرته على تجسيد التفاصيل بالتوازي مع سهولة الوصول إليها. فأصحاب المؤسّسات الإعلامية في لبنان والعالم يمتلكون شبكة واسعة من المصالح، وقد تسهّل هذه الأدوات لهم نشر معلومات غير دقيقة تصبّ في مصالحهم، فكثير منهم يقومون بذلك اليوم، لكن إمكانية فضح الأكاذيب تعيق مساعيهم، لكن مع تصديق الجمهور لما يشاهده، ومع تطوّر القدرة على إعداد تقارير بتقنيات يصعب كشف زيفها، ستتحوّل الأخبار من نقل الواقع إلى خلق سيناريو وتوليد مشاهده حتى جعل الجمهور يصدّق أنه حقيقي. 

منظّمة “مراسلون بلا حدود” كانت أطلقت بالشراكة مع 16 منظّمة “ميثاق باريس” بشأن الذكاء الصناعي والصحافة، الذي يضع ضمن القيم التي يجب أن تحكم استخدام الذكاء الصناعي في الصحافة: الدقّة، والإنصاف، وعدم الإضرار، وعدم التمييز، والمسؤولية واحترام الخصوصية، كما يحمّل المؤسّسة الإعلامية المسؤولية عن كل محتوى تنشره حتى عندما يكون مولّداً بالذكاء الصناعي، ويدعو لإعطاء الأولوية للصور والتسجيلات الحقيقية عند تمثيل أحداث حقيقية، والامتناع خصوصاً عن استخدام محتوى صناعي يحاكي تسجيلات الواقع، أو يجّسد بصورة واقعية أشخاصاً حقيقيين.

في أوروبا دخل الاتّحاد الأوروبي بتوتّر مع عمالقة التكنولوجيا بسبب سعيه لوضع ضوابط تحمي المستخدمين، وقد وضع إطاراً تشريعياً للذكاء الصناعي في دول الاتّحاد، ودخلت موادّه حيّز التنفيذ بداية آب/ أغسطس الماضي، واعتبر القانون أن وجود ملصق يفيد بأن المحتوى صناعي، لا يمنح ناشره حصانة من باقي القوانين المتعلّقة باستخدام الصور.

في النهاية لا تبدو المسألة سجالاً بين إعلام حديث وآخر يرفض التطوّر التكنولوجي، فالذكاء الصناعي بات جزءاً من أدوات الصحافة وسيزداد حضوره بلا شكّ… لكنّ السؤال هو متى يكون أداة تساعد الصحافي على فهم الواقع وتقديمه؟ ومتى يتحوّل إلى أداة اختلاق واقع لم يحدث؟

في الأخبار تحديداً ليست الصورة مجرّد عنصر جمالي لملء الشاشة، بل هي وثيقة وشهادة وجزء من الذاكرة العامّة. وحين تُصنَع صور واقعية لاعتقال لم يتمّ تصويره مثلاً، أو لمحاكمة غير مصوّرة، أو لاجتماع سياسي لا مشاهد معلنة له، فالأمر لم يعد مجرّد توضيح بصري حتى لو كُتب عليه أنه مولّد بالذكاء الصناعي. في هذه الحالة نحن أمام إعادة تمثيل للواقع ستدخل الأرشيف وتعاد مشاركتها مستقبلاً باعتبارها حقيقة… 

في بلد مثل لبنان حيث يسبق الاستخدام التشريع والرقابة، لا يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تنتظر نظم وقوانين لتضع لنفسها حدوداً. المسؤولية تبدأ من إدارات التحرير وإدارات المؤسّسات، فالأولوية هي للصور الحقيقية وعدم اختلاق مشاهد لأحداث حقيقية لم تصوّر، إلا في حالات استثنائية تفرضها ضرورة تحريرية واضحة… 

الرهان ليس فقط على صدقية خبر وصورة تبثّ اليوم، بل على نوع الأرشيف والتوثيق الذي ستتركه غداً، فإذا اعتاد الإعلام اختراع صور للواقع كلما غابت الكاميرا، فلن تكون المشكلة أن الذكاء الصناعي أصبح أكثر دقّة في تقليد الحقيقة، بل المشكلة في أن الصحافة نفسها تخلّت عن مهمّة حمايتها.

إقرأوا أيضاً:

|

اشترك بنشرتنا البريدية