كنت أعرف الذهان من الداخل قبل أن أفهم السياسة بشكل جيد. أتذكر لحظات كثيرة كنت أجلس فيها في غرفتي وأراقب الحائط كما لو كان يتحدث إليّ. كل ظل، كل صوت خافت، كل حركة صغيرة كانت تبدو جزءاً من قصة أكبر، كنتُ أنا البطلة فيها والوحيدة القادرة على فهمها. بدا العالم منطقياً بالكامل في رأسي، بينما كان العالم الخارجي يتداعى.
أصابتني نوبة الذهان الأخيرة بعد مجازر الساحل السوري العام الماضي بأسابيع قليلة، فكانت انعكاساً لما عشته حينها. “أعطيني البارودة”، كنت أقول لأمي بغضب شديد وبشكل متكرر، إلا أنها اكتفت بالنظر إليّ والبكاء.
كنت أسمع أصوات نساء وأطفال يصرخون باسمي لإنقاذهم، وبالطبع لم تكن البارودة التي طلبتها موجودة أصلاً، شأنها شأن الأصوات، إلا أنني كنت متأكدة من هذا الواقع الذي أعيشه في رأسي أكثر من أي واقع عشته من قبل.
بحسب تعريف الطب النفسي للذهان: هو اضطراب عقلي يتسم بفقدان الصلة بالواقع، وتُعدّ الضلالات والهلوسات من أبرز أعراضه، إذ يعيش من يمرّ بنوبة ذهان في عالم كامل من الزيف داخل دماغه، ولا يستطيع التفريق بين الحقيقة والوهم، كما يؤمن بقدرته على القيام بأشياء خارقة أو غير واقعية.
حين خرجت من ذلك العالم، أي حين انتهت النوبة الأخيرة، اكتشفت أن ما شعرتُ به داخلياً لم يكن بعيداً عما يحدث في الخارج، ليس فقط من حيث الموضوع أو “الثيمة”، بل من حيث “الآلية”. أي إن السلطة الجديدة في سوريا اليوم تعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها دماغ الشخص الذي يمرّ بنوبة ذهان، سواء من حيث اليقين الثابت ورفض أي شكوك تتعلق بكون الواقع والسردية التي تتبناهما يمثلان الحقيقة المطلقة، أو من حيث الإصرار على اعتبار كل من يعارضها أو يقف في وجهها تهديداً، فلا تنفكّ تخلق أعداءً لتبرير سياساتها القمعية ومجازرها.
يمكن تسمية هذه المقاربة البنيوية بين الذهان كمرض عقلي والسياسات التي تتبعها سلطة معينة بـ”الذهان السياسي”، وهو ليس مصطلحاً أكاديمياً معتمداً بقدر ما هو استعارة تحليلية لفهم سلوك سلطوي منفصل عن الواقع، ويوظّف الوهم كأداة للسيطرة.
أنا أشك إذاً أنا عدوّ
خطاب السلطة الجديدة في سوريا يعيد إلى ذاكرتي آلية الذهان كما عايشتها؛ فهي ليست إنكاراً مباشراً للواقع بقدر ما هي إعادة ترتيب قسرية لكل ما يحدث كي ينسجم مع قصة واحدة لا يجوز كسرها. فالذهان لا يفترض أن العالم الحقيقي غير موجود، بل يعيد تفسيره بالكامل ليخدم يقيناً داخلياً ثابتاً.
الفوضى التي يعيشها السوريون يومياً من تضارب القرارات، وغياب المرجعيات، وتعدد القوى التي تتحكم بالحياة العامة، لا تُسمّيها السلطة أو مؤيدوها باسمها، بل تطلق عليها مصطلحات مثل “ضرورة انتقالية” و”ديناميكية ما بعد التحرير”. والانهيار الاقتصادي الذي يبتلع تفاصيل الحياة من الخبز إلى الدواء إلى الكرامة الشخصية، يُقدَّم كتحرر من إرث فاسد أو كمرحلة ضرورية لإعادة البناء. حتى الخوف اليومي من القتل العشوائي أو التغييب القسري يُغطّى إعلامياً على أنه استقرار أمني تشوبه “حالات فردية” أو “عناصر غير منضبطة”.
في الذهان الفردي، هناك حاجة دائمة الى حماية العالم الداخلي المُتخيَّل من التصدّع، فيُقصى أي حدث لا ينسجم مع السردية كي لا ينهار البناء الداخلي كله. أما في الذهان السياسي، وفي السياق السوري بشكل خاص، فلا تسمح السلطة للواقع بأن يكون مرجعاً، بل تحوّله إلى مادة خام لإنتاج قصة أكبر عن “النجاح” و”السيطرة” و”الاستقرار”. واللغة هنا ليست وسيلة وصف، بل أداة إنكار ناعمة تزيح الحقيقة خطوةً بخطوة.
ففي البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية السورية بشأن حالات اختطاف النساء في البلاد في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أنكرت الوزارة وجود هذه الحالات، عدا حالة واحدة ثبت فيها وقوع جرم اختطاف حقيقي، أُعيدت فيها الفتاة بسلام بعد متابعة الأجهزة الأمنية القضية. وتوزّع الباقون بين حالات هروب طوعي مع شريك عاطفي، وحالات هروب من عنف أسري، وادعاءات كاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بحسب البيان الذي استند إلى مخرجات لجنة خاصة شُكّلت “للتحقق من صحة هذه الشكاوى والادعاءات”.
صدر هذا البيان بعد صدور تقارير حقوقية عدة توثّق صحة عمليات خطف النساء هذه، وكان أبرزها تقرير “رويترز” الذي أكد وجود ما لا يقل عن 33 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية في سوريا، تتراوح أعمارهن بين 16 و39 عاماً، تعرّضن، وفقاً لأسرهن، للخطف أو الاختفاء في عام 2025.
يُعدّ إقصاء الشك وتصنيفه كتهديد أحد عوارض الذهان؛ ففي حالتي الشخصية مثلاً، كان أي صوت خارجي يشكك في صحة الرواية التي أعيشها في رأسي، يبدو كعدو يجب محاربته. وهذا بالضبط ما تفعله السلطة المؤقتة ومؤيدوها اليوم، باعتبار كل من يشير إلى التناقض بين ما يُقال وما يُعاش يهدد الاستقرار أو يخدم الماضي أو يعمل لصالح أعداء موجودين أو غير موجودين أصلاً.
أما النقد، فلا يُناقش، بل يُقصى أيضاً لأنه يكسر اليقين الذي تقوم عليه السردية. لذلك، نرى حملات التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الناشطين والصحافيين، وكل من يبدي رأياً معارضاً للسلطة، بالإضافة إلى حملات الاعتقال التعسفي بحق بعضهم.
هكذا يصبح المجتمع كله رهينة قصة واحدة، إذ يعيش الناس واقعاً ملموساً مليئاً بالتعب والخسارة، بينما يُطلب منهم تصديق نسخة أخرى مصنوعة بعناية. المسافة بين الحياتين، أي الحياة الفعلية والحياة كما تصفها السلطة، تكبر كل يوم، ومعها يكبر الشعور بالاغتراب الجماعي، كأن البلد كله يُدفع للعيش داخل عقل ذهاني واحد يرفض الاعتراف بالواقع الموازي الذي يعيشه الجميع.
الذاكرة والعدالة الانتقالية
بعد الخروج من نوبة الذهان، تصبح الذاكرة مسألة مركزية وشرطاً أساسياً للعودة إلى الواقع. في التجربة العلاجية، لا يُطلب من الشخص أن “يتجاوز” ما عاشه، ولا أن يعيد صياغته بلغة مريحة، بل أن يتوقف عن الهروب منه. استعادة الذاكرة هنا ليست استدعاءً للوجع من أجل الوجع، بل تفكيك للسردية المغلقة التي بُنيت لحماية العقل أثناء النوبة.
العدالة الانتقالية، في جوهرها، تقوم بالوظيفة نفسها على مستوى جماعي. فهي لا تُعنى فقط بمحاسبة الجناة، بل بإعادة الذاكرة إلى المجال العام بعدما احتُكرت وشُوِّهت. هي عملية كسر للسردية الواحدة التي تدّعي تفسير كل شيء، وإعادة الاعتبار الى التجارب الفردية بوصفها جزءاً من حقيقة أوسع لا يمكن اختزالها بخطاب رسمي أو بيان أمني.
حين تُختزل العدالة الانتقالية إلى شعار سياسي أو تُؤجَّل بحجة “الاستقرار”، فإن ما يُؤجَّل فعلياً هو مواجهة الواقع، تماماً كما يؤجّل العقل الذهاني لحظة الاصطدام بالحقيقة عبر بناء عالم بديل أكثر تماسكاً.
لا يبدأ إنكار الذاكرة في سوريا اليوم من الصفر، بل يُبنى فوق طبقات سابقة من تعطيل العدالة الانتقالية تعود إلى زمن بشار الأسد. فعلى مدى عقود، تم تحويل الذاكرة إلى عبء أمني، والضحايا إلى ملفات مؤجلة. لم يكن تعطيل العدالة الانتقالية في ما بعد حقبة الأسد مجرد فشل سياسي، بل كان سياسة واعية لإبقاء المجتمع في حالة انفصال قسري عن تاريخه، حيث يُطلب من الناس العيش فوق ركام لم يُسمَّ ولم يُحاسَب عليه أحد. هذا التعطيل المزمن شكّل أرضية جاهزة لإعادة إنتاج نمط العنف الأسدي نفسه، كما شهدناه في مجازر الساحل والسويداء التي نفّذها عناصر تابعون لوزارة الدفاع السورية.
محاولة أخيرة للعودة إلى الواقع
الخروج من الذهان، كما تعلّمت من تجربتي، لا يعني استعادة السيطرة، بل قبول الهشاشة. قبول أن اليقين المطلق كان وهماً، وأن الحقيقة لا تُبنى بالقوة ولا تُحمى بالإنكار. ما يخيفني اليوم في سوريا ليس فقط العنف، بل الإصرار على تسميته بغير اسمه، وعلى إدارة الخسارة بلغة عقلانية زائفة، كأن المشكلة ليست في ما يحدث، بل في من يراه ويسمّيه.
السلطة التي تخاف من الذاكرة، وتُجرّم الشك، لا تسعى إلى الاستقرار، بل إلى حماية سرديتها من التصدّع. لكنها بذلك لا تُنتج واقعاً بديلاً فحسب، بل تفرض على الناس شكلاً من العيش داخل إنكار جماعي طويل الأمد، حيث يصبح الصمت فضيلة، والنسيان شرطاً للبقاء. في هذا السياق، لا تكون العدالة الانتقالية مطلباً مؤجلاً، بل خطراً مؤجلاً، لأن فتح الذاكرة يعني كسر المنطق الذي يقوم عليه هذا النظام كله.
أعرف ماذا يعني أن يعيش الإنسان داخل قصة واحدة محصّنة بإحكام، وأن يدافع عنها ضد أي تشكيك. وأعرف أيضاً أن الشفاء لا يبدأ إلا عندما يُسمح للواقع بأن يكون مربكاً، وناقصاً، وغير مريح. لذلك، فإن السؤال الحقيقي في سوريا اليوم ليس كيف نُقنع الناس بسردية جديدة، بل كيف نسمح بوجود أكثر من حقيقة، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من صوت، من دون أن نعتبر ذلك تهديداً.
إقرأوا أيضاً:










