لم يكن البحر بالنسبة إلى صيادي الفاو يوماً مجرد مساحة للمغامرة أو ميداناً للنزاعات السياسية، وإنما مصدر رزق يومي تعيش عليه مئات العائلات التي اعتادت أن تبدأ نهارها مع حركة المد والجزر، وهي تدرك أن رحلة الصيد قد تنتهي بشباك ممتلئة، أو باعتقال، أو بمصادرة زورق، وربما بما هو أكثر قسوة. ولهذا، لم يُنظر إلى مقتل الصياد العراقي نجم عبد الله خالد بوصفه حادثاً منفصلاً، وإنما باعتباره حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاحتكاكات التي تشهدها المياه المحيطة بخور عبدالله، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، وتتقاطع الحدود البحرية مع معاناة الصيادين.
تركت الحادثة الأخيرة صدمة واسعة في البصرة، بعدما عاد الصيادون العراقيون المحتجزون من الكويت عبر منفذ سفوان الحدودي، فيما عاد معهم جثمان زميلهم نجم عبدالله خالد، إلى جانب الصياد المصاب بطلق ناري في الرأس ثائر محمد سلمان، بينما أُفرج عن حسن خالد حسن، وجعفر حسن عبد الزهرة، وماجد محمد خالد.
بحسب مصدر أمني في محافظة البصرة، كان الصيادون على متن الزورق العراقي المرقم (IFB166)، عندما تعرضوا لإطلاق نار مباشر من خفر السواحل الكويتي، قبل احتجازهم واقتيادهم إلى الكويت. وأكد المصدر أن الجثمان والمصاب وبقية الصيادين وصلوا إلى العراق مساء الخميس عبر منفذ سفوان الحدودي.
اكتسبت الحادثة بعداً إضافياً بعد تداول روايات عن تعرّض الصيادين المحتجزين لسوء المعاملة أثناء فترة احتجازهم. وفي هذا السياق، قال المتخصص في الشأن السياسي زيدون السلماني إنه شعر بـ”كسرة عجيبة وغصة في القلب” عندما استمع إلى روايات الصيادين العراقيين عن طريقة معاملتهم، معتبراً أن ما تعرضوا له يمثل إهانة لكرامتهم.
ورأى السلماني أن أمام الحكومة العراقية مسارين؛ أولهما دبلوماسي يبدأ بتسليم مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى السفير الكويتي في العراق، والمطالبة بإرسال وفد رسمي كويتي لتقديم اعتذار إلى الحكومة العراقية، ثم إلى عوائل الصيادين وتعويضهم معنوياً، وفي حال عدم الاستجابة دعا إلى طرد السفير الكويتي من العراق.
أما المسار الآخر فيتمثّل، بحسب رأيه، بالسماح للصيادين العراقيين بحمل السلاح بصورة مرخصة لحماية أنفسهم، إلى جانب تكثيف دوريات خفر السواحل العراقي لمنع أي اعتداء على المياه العراقية.
سياسياً، لم تمر الحادثة من دون مواقف حادة. فقد اتهم رئيس كتلة “الأساس” النيابية، النائب علاء الحيدري، السلطات الكويتية بقتل صياد عراقي داخل المياه الإقليمية العراقية واحتجاز آخرين، معتبراً أن ما حدث يمثل “استهتاراً بالدم العراقي وتجاوزاً صارخاً لسيادة البلاد”.
وأكد الحيدري، وهو نائب عن محافظة البصرة، أن الحكومة العراقية مطالبة باتخاذ موقف حازم تجاه الحادثة، محذراً من أن عدم التحرك سيدفع باتجاه “الرد بالمثل”، كما دعا إلى مغادرة القنصل الكويتي مدينة البصرة.
في المقابل، حضرت القضية خلال الزيارة الرسمية التي أجراها وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى الكويت، حيث التقى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الكويتي الشيخ فهد يوسف سعود الصباح. وأعلن حسين موافقة السلطات الكويتية على إطلاق سراح الصيادين العراقيين الذين أوقفهم خفر السواحل الكويتي، موضحاً أنهم سيعودون إلى محافظة البصرة برفقة محافظها بعد استكمال الإجراءات، وهي خطوة قال إنها جاءت استجابة لطلب تقدم به الوفد العراقي. كما شدد خلال المباحثات على أهمية وضع آليات وإجراءات وقائية مشتركة في مناطق التماس والمياه المتداخلة بين البلدين، للحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث وبما يحافظ على الأرواح والعلاقات الثنائية.
في البصرة، دعا الحراك الشعبي المناهض لاتفاقية خور عبدالله الحكومة الاتحادية إلى اتخاذ إجراءات حازمة، مطالباً باستدعاء السفير الكويتي وإغلاق القنصلية الكويتية في البصرة، وتنفيذ قرار المحكمة الاتحادية القاضي بعدم دستورية الاتفاقية. وأكد المشاركون في مؤتمر صحافي أن الحادثة تمثل، من وجهة نظرهم، انتهاكاً للسيادة العراقية، مطالبين بفتح تحقيق رسمي، وتعويض الضحايا، واعتبار الصياد نجم عبدالله خالد شهيداً، مع تعزيز حماية الصيادين العاملين في المياه الإقليمية.
كما طالب مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات اللازمة إزاء مقتل أحد الصيادين العراقيين الخمسة الذين احتجزتهم السلطات الكويتية. وأوضح المكتب أنه يتابع القضية، مشدداً على ضرورة الالتزام بأحكام القانون الدولي والعمل على منع تكرار مثل هذه الحوادث.
إقرأوا أيضاً:
من جانبها، طالبت جمعية الصيادين في الفاو الحكومة العراقية بالتحرك العاجل لمحاسبة المسؤولين عن مقتل الصياد نجم عبدالله خالد، مؤكدة أن القضية تستوجب موقفاً رسمياً يحفظ حقوق الصيادين العراقيين وينصف عائلة الضحية، بالتزامن مع دعوات لتنظيم وقفات احتجاجية أمام القنصلية الكويتية في البصرة والمطالبة بطرد القنصل.
وقال رئيس الجمعية بدران التميمي إن “الصياد نجم قُتل برصاص مباشر أطلقته السلطات الكويتية، ونطالب الحكومة العراقية باتخاذ خطوات قانونية ودبلوماسية لمحاسبة المسؤولين عن الحادث”. وأضاف أن “دماء الصيادين العراقيين يجب ألا تمر من دون مساءلة، وأن القضية تمثل اعتداءً على مواطن عراقي كان يمارس عمله في مياهنا الإقليمية”.
وأشار التميمي إلى أن السلطات الكويتية ما زالت تحتجز صياداً عراقياً منذ عام 2012 على الرغم من أنه لم يرتكب جريمة قتل، متسائلاً عن غياب أي رد رسمي حازم. كما أوضح أن جثمان نجم عبدالله خالد خضع للتشريح في الكويت من دون تسليم شهادة وفاة حتى الآن، وأن الصيادين الذين كانوا برفقته تعرضوا، بحسب قوله، لسوء المعاملة والتعذيب قبل إعادتهم إلى العراق وهم مصابون.
وختم التميمي بالقول إن الصيادين يستغربون إهمال الحكومة المحلية مطالبهم طوال السنوات الماضية، معتبراً أن الموقف الرسمي، ولا سيما من الحكومة المحلية في البصرة، لم يكن بالمستوى المطلوب في التعامل مع هذه الحوادث.
وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية بين العراق والكويت، حيث تتكرر الاحتكاكات بين الصيادين العراقيين ودوريات خفر السواحل الكويتية في محيط خور عبدالله، وهو ممر مائي تحيط به تعقيدات قانونية وحدودية منذ سنوات.
وتدفع الظروف الاقتصادية الصعبة كثراً من الصيادين إلى مناطق صيد غنية بالأسماك، يقع بعضها ضمن مناطق متداخلة أو مختلف على حدودها الدقيقة، وهو ما يزيد احتمالات الاحتكاك مع الدوريات البحرية. ويرتبط هذا الواقع أيضاً بالنقاشات المستمرة بشأن ميناء مبارك الكبير الكويتي وتأثيره على حركة الملاحة العراقية باتجاه ميناء أم قصر، فضلاً عن استمرار الجدل بشأن اتفاقية خور عبدالله، فيما يساهم غياب علامات بحرية واضحة وضعف التنسيق الأمني المباشر بين الجانبين في تكرار الحوادث.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تصاعدت المطالبات باتخاذ إجراءات حكومية عاجلة، إذ دعا ناشطون إلى إصدار موقف رسمي قوي ومحاسبة المسؤولين عن الحادث، وتنظيم وقفات احتجاجية أمام القنصلية الكويتية في البصرة.
وتشير بيانات النقابات المحلية في البصرة إلى تسجيل حوادث متكررة تتعلق بإطلاق النار واحتجاز الصيادين ومصادرة الزوارق، فيما تبقى حالات القتل المباشر محدودة مقارنة بحوادث الاعتقال أو الإصابات.
ولم تكن هذه الواقعة الأولى خلال العام الحالي، ففي 17 أيار/ مايو 2026 أعلنت قائمقامية قضاء الفاو أن قوات خفر السواحل الكويتية اعتقلت أحد عشر صياداً عراقياً واحتجزت زورقهم الذي يرفع العلم العراقي أثناء وجوده في المياه المشتركة ضمن خور عبدالله.
ويبعد قضاء الفاو نحو مئة كيلومتر جنوب مدينة البصرة، ويضم مرفأ حكومياً مخصصاً لرسو زوارق وسفن الصيد، إلا أن عدد تلك الزوارق تراجع خلال السنوات الأخيرة بفعل الاعتقالات المتكررة التي يتعرض لها الصيادون من القوات البحرية الكويتية والإيرانية، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، وضعف الدعم الحكومي، وتراجع المخزون السمكي، وهي عوامل دفعت كثيرين إلى ترك المهنة التي شكلت لعقود أحد أبرز مصادر الرزق لسكان الفاو، إلى جانب زراعة النخيل والحناء وتربية الثروة الحيوانية.
ويبقى مقتل نجم عبدالله خالد أكثر من حادث أمني عابر، إذ أعاد إلى الواجهة ملفاً تتداخل فيه اعتبارات السيادة مع لقمة العيش، وتتصادم فيه الحسابات السياسية مع واقع آلاف الصيادين الذين يجدون أنفسهم في كل رحلة بحرية أمام حدود لا تزال موضع خلاف، فيما يترقب ذووهم أن تنتهي رحلات الصيد بالعودة إلى الميناء، لا بالاحتجاز أو بإقامة مجلس عزاء جديد.











