طوال مدّة أيّام الحرب الـ45 (أي خارج أيّام الحرب خلال الهدنة) التي بدأت في 2 آذار/ مارس، كنت أجلس في المقهى يومياً، وأضع أمامي علبة ألوان خشبية وأقلام شمع زيتي، كلّها من ماركة caran d’ache السويسرية والمفضّلة لديّ منذ اكتشفتها قبل ثلاث سنوات، ودفتر رسم قياسه 9 سنتم بـ 13 سنتم، غلافه أسود وأوراقه بيضاء، أرسله لي صديقي حسين من برلين منذ أشهر مع زجاجة ويسكي يابانية، لم أشرب منها بعد.
طاولة المقهى التي كنت أجلس إليها مستديرة بقطر 50 سنتم، وبالتالي لا تتّسع لدفتر أكبر ولا لألوان أكثر. أحياناً عندما لا تكون الطاولة المجاورة مستخدمة من زبائن آخرين أضمّها لطاولتي وأحتلّهما معاً، ولكن لأن شكل الطاولات مستدير يزعجني جمعهما وشكل التقائهما معاً، إلا حين أتجاهل مزاجي وذوقي لأن الوقت لم يكن يسمح بتلبيتهما… أدرك هذا الأمر بما فيه الكفاية.
أنا أرسم وأكتب، هذا ما أفعله، وبما أن مدخولي المادّي يأتي حصراً من الرسم والكتابة، فبالتالي هاتان هما المهنتان اللتان أزاولهما. مهنتان تسمحان لي أن أمارسهما في الوقت المناسب لي وبحسب مزاجي وحاجتي، وفي المكان الذي أختاره وأقرّره. كلّ ما أفعله ضمن الفنّ والكتابة لا يخضع لسلطة أخرى غير سلطتي، التي أصلاً أسعى للتحرّر منها.
منذ خمس سنوات استقلت من الوظيفة للتفرّغ للفنّ والكتابة، أي انضممت إلى من تُصنّف أعمالهم تحت خانة “المهن الحرّة”.
الفنّ هو مهنة حرّة، والحرّية التي يعكسها عنوان هذه المهن ليست مرتبطة فقط بعلاقتها بالإبداع المجبول بها، لا بحرّية التحكّم بالوقت والمكان. فللحرّية التي تتّسم بها هاتان المهنتان ضريبة، تتجلّى بأعنف حالاتها في الأزمات والكوارث والحروب. لأنه في الأوضاع التي تخرج فيها الأحداث عن النمط الطبيعي، تنتج ظروف قاهرة يتأثّر بها فئات وشرائح عدّة في المجتمع، وتتراجع الأعمال في الكثير من المهن وينعكس الأمر مباشرة على الأساسيات، وتُقلب رأساً على عقب حياة الجميع، فما بالك حيوات الذين استغنوا عن الأمان الوظيفي؟ هؤلاء أكثر من يتأثّر بالأزمات، والحرب إحدى أصعب الأزمات، حيث يصبح الخطر الأمني الملازم لها فقط أحد جوانبها وتبعاتها.
فبالإضافة إلى الخوف والقلق والصعوبات النفسية؛ وهي عوامل لا يُستثنى منها أحد، تتكشّف أزمة الأمان المادّي بشكلها الأعنف عند أصحاب المهن الحرّة، الذين هم أصلاً لا يتمتّعون بأمان مادّي ثابت كأصحاب باقي المهن. وفي الأزمات، وتحديداً في هذه الحرب التي سبّبت نزوحاً، والتي من غير المعروف أفقها بعد ولا حتى نمط هدنتها، يصبح ممارس أيّ مهنة حرّة والفنّان ضمناً، في مهب ريح إضافية للرياح التي لا تتوقّف عن العصف باستقراره.
فليس للفنّان شبكة أمان تساعده في تخطّي هكذا أزمات، إلا بعض المبادرات القليلة والمشروطة التي تؤمّن منحاً محدودة لا يمكن أن يستفيد منها الجميع، وليست معروفة كجهة معتمدة للدعم يتوجّه إليها الفنّان، أو بالأحرى وكما يجب أن تكون عليه الحال، تتوجّه هي إلى الفنّان متابعةً لوضعه وحاله وظرفه.
منذ اللحظة الأولى التي بدأت الحرب بشكلها الرسمي المباشر أي في 2 آذار/ مارس، بدأ شبح الخطر المادّي المباشر يحوم حول الفنّانين، وتحديداً الذين تعرّضت قراهم ومناطقهم للتهديد وتعرّضوا أنفسهم للنزوح. خطر لم يكن الأمر قبله أصلاً عظيماً، لأن سوق الفنّ “الله ما بيفهم عليه”.
إقرأوا أيضاً:
قبل الحرب كان هناك مسار فيه “طلعات ونزلات”، يعرفه كلّ من يعمل في هذا المجال، وكان هناك توقّعات وتأمّلات… مع الحرب أُعدمت. أُعدمت فرص البيع، وبالتالي الاستمرار الذي كان أصلاً على مضض، وبطبيعة الحال أصلاً ضاقت أيضاً احتمالات الرسم، وهو الفنّ البصري الذي أمارسه.
فجأة يصبح السؤال: هل هذا وقت الرسم؟ هل هذا وقت القلق على كيف أرسم؟ وأين؟ وبأيّ أدوات؟ هل هذا وقت الاستمرار بالتفكير في مشاكلي التشكيلية؟
هل هذا وقت التذمّر من طاولة مستديرة قطرها 50 سنتم؟
الحياة تفرض علينا أن نستمرّ بالعيش. نحن نستيقظ ونفطر، ومن لديه وظيفة يباشرها، ونهتم بطلب الغداء أو طبخه، ونشاهد الأخبار وننام، ونلتقي الأصدقاء لمشاركة شكاوانا من الوضع الجديد الطارئ، خطورته وخوفنا منه وقلقنا، ونضحك على مواقف مستعادة مع أهالينا الذين اضطررنا للعيش معهم تحت سقف واحد مجدّداً. إذاً نحن نستمرّ بالعيش لأن الزمن لا يتوقّف أمام أيّ حدث أو طارئ، ولا يطلب إذناً منّا ليمرّ. نجوع فنأكل… أي نستمرّ بالحياة.
عدت إلى بيتي مع بدء الهدنة، ولم أغادره لأن ضيعتي لم تهدّد خلال الهدنة، بقيت في بيتي رغم الطيران الحربي والغارات القريبة جداً وأصوات غارات أخرى أبعد، وهذه ليست بطولة، لكن هنا بيتي وطاولتي ومرسمي فيه أكبر.
أرسم بانتظار تهديد وأمر جديد بالمغادرة، وأعيش تناقضات على شكل أفكار وأسئلة ضبابية: هل الرسم الآن رفاهية؟ لكنّي سأرسم في رأسي إن لم أرسم على ورق، ولم يعد بإمكاني فعل شيء آخر.
ماذا بعد الحرب؟ إلى متى ستستمرّ الحرب؟ هل سأستمرّ بالرسم إن طالت الحرب؟
يجب أن أجد عملاً آخر أمارسه كي أضمن صمودي.
إن انتهت الحرب قريباً بغضّ النظر كيف ستنتهي، هل ستُستأنف الحياة كما كانت قبلها؟ أو خلالها؟ هل سأعرض وأبيع مثلاً؟
عندما اتّخذت قرار الاستقالة المتأخّر، كنت مصمّمة جداً على ألّا أفعل شيئاً إلى جانب الرسم والكتابة، اعتبرت أنني نفّذت محكوميتي في الوظيفة على مدار السنوات الـ 28 الماضية، وكنت أعلم أنه لا مجال للتراجع بعد هذه التجربة.
الآن فهمت جيّداً أنني “لعبتها ALL IN”، تماماً كما فعل “حزب الله”، على الأقلّ عندما ضرب صواريخه الستّة.












