نشرت المؤسّسة المستقلّة المعنيّة بالمفقودين في سوريا، عبر صفحتها على فايسبوك، بياناً توضح فيه أنها تعمل”وفق مبدأ افتراض الحياة عند البحث عن المفقودين. ويُعدّ هذا المبدأ معياراً إنسانياً يوجّه جميع جوانب ولايتها”، شرح لسوء فهم في الترجمة!
لكن ما يهمّنا، أن كلّ مختفٍ حيّ حتى يعلَن موته. والإعلان هنا، ليس فقط كلمات تنطق ذات أثر أدائي، أو صورة جثّة تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل عمليّة بيروقراطية- إدارية يُشرك فيها ذوو الضحايا/ أولياء الدم، أصحاب الحقّ، بإعلان أن أحدهم لم يعد هناك، أي احتمال لوجوده بيننا، مات.
في سوريا، منذ بداية الثورة، اختلّ مفهوم الحياة والموت، ظهرت فئات جديدة، أبرزها المختفي قسراً، إذ لم يعد السوري ميتاً أو حيّاً فقط، فبينهما مراتب عدّة (الحياة العارية، شلوان بلا جسد، جثّة بلا ملامح أو اسم…)، إحدى هذه المراتب، هي “الزومبي”: الموتى- الأحياء، أو اللاأموات واللاأحياء، من تلتبس علينا منزلتهم، ضمن عمليّة سياسية وإعلامية شديدة العنف، تشتّت صرامة التصنيف، وتميّع قدرتنا أنفسنا على التمييز!
هؤلاء، نتاج جهود النظام السياسي، أيّ نظام سياسي، بوصفه القيّوم على إعلان الحياة والموت عبر إجراءات إدارية، وتعطيل هذه الإجراءات أو التلاعب بها يفعّل الترويع ويُذهب القدرة على الحسم، ويخلق التباساً وعجزاً عاطفياً وإدارياً، والأهمّ، يخلق ما يسمّى Uncanny، شعور بالرعب يضرب الروع، ويمكن ترجمته إلى العربية: “المألوف المخيف، المعروف المريب، المميّز حدّ الرعب، الغريب بألفته، والمفزع بحضوره، الموحش بريبته، المحيّر بفحشه، والفاحش بيقينه، ذو الوضوح المبهِم والمبهَم”.
“الزومبي” وأثر الرعب
وظّف نظام الأسد مفهوم “الزومبي” مرّات عدة، وفي سياقات متعدّدة، اللواء سهيل الحسن (النمر) واحد من أبرز الأمثلة، يموت ويحيا، يتغيّر شكله ويلتبس على الناظر، محيّر وفاحش هذا الالتباس، ما أكسبه بعداً مريعاً، ففي كلّ مرّة كان يقال إنه مات، يظهر على الشاشة حيّاً، نحدّق به، فيختلف محيّاه وأحياناً وجهه، أيعقل أن جنرالات الأسد لا يموتون؟
وظّفت ماكينة الأسد الإعلامية “الزومبي”، وصور الجثث، لبث الرعب وضرب سردية الثورة، إذ لم تعد الجثّة دليل موت أو حياة، وأصبح “الجدل” يقع على الصورة نفسها وسياقها.
القاشوش، تعدّدت نسخه، نسخة نُزعت حنجرتها وصُوّرت جثّتها، ونسخة حيّة تغنّي خارج سوريا، اختلطت الجثث والأسماء وضاع اليقين حينها.
الأمر ذاته مع زينب الحصني، التي ظهرت على التلفاز حيّة بعد “موتها”، وهنا المريع، جثّة من كانت تلك التي رأتها والدة زينب من دون رأس أو أوصال؟ هل سُجّل اللقاء قبل قتلها أم بعده؟ كلّ الأسئلة والالتباسات التي تضرب قحف الرأس، وتهدّد إيقاع التنفّس بخصوص الحياة والموت، نتاج السلطة التي تتلاعب بهاتين المنزلتين وما بينهما! يومها عنونت “سي أن أن” خبراً عن الحصني بـ”لمن تعود الجثّة المقطّعة الأوصال؟”.
صور قيصر المثال الأشدّ فحشاً وتهديداً للقدرة على إدراك الموت، هي أدلّة على جريمة، لكن يلتبس على المحدّق بها حقيقة حياته لا فقط موت الجثّة، صور لأبدان هشّة ومتهتّكة، تشبه الجميع، جميع السوريين، لكن، هل هؤلاء، موتى أم أحياء؟ من لم يجد صورة قريب أو حبيب، ما زال ينتظر، ومن وجد “علامة” يعرفها في الجسد الذي أضحى عظماً ولحماً، وفّى من يحبّ، لكن ماذا عمّن التبست عليه الصور، هل يعني هذا أن من يبحث عنه حيٌّ في مكان ما؟ أم في قبر جماعي لم يكتشَف بعد؟
السيناريست عدنان الزراعي، أُبلغت عائلته أنه توفّي في عام 2018، لكنّهم لم يصدّقوا، قيل إن صورته وُجدت بين صور قيصر، لكنّ العائلة لم تعلن وفاته إلا بعد سقوط النظام، بقي “لا حيّاً” لسنين، علّق اختفاء عدنان حداد الأسرة وكلّ من حوله، فلا موت إلا بجثّة أو قرار، وفي حالة عدنان، قرار زوجته كان الحاسم.
“كلّ السوريين” حاضرون في صور قيصر، وكلّ من في الصور ميت وحيّ في الوقت ذاته، هم لا أحياء، كلّ سوري له شبيه أو قرين بين آلاف الجثث التي نُشرت صورها ولم نجدها، كابوس متكرّر يراود الجميع، أن لا يبقى ممّن يحبّ سوى صورة جثّة! بلا اتّهام ولا إدانة، أو وصف للحظات الأخيرة، نظام الأسد أمعن في القتل حتى تهديد الموت نفسه، ذاك الذي التبس على الأحياء!
عادت السلطة الجديدة عبر ماكينتها الإعلامية لتوظيف “الزومبي” وخلق الشروط المناسبة لظهوره، هذا ما حصل في ظاهرة الخطف الطائفي في سوريا، نسف السردية تمّ عبر القسم بالله ثلاثاً، وتصريح رسمي من وزارة الداخلية، و”زومبي” الفتاة نغم عيسى، التي انتشرت صور لها أنها ميتة، ثم ظهرت حيّة، ضمن حكاية لم تعد الحقيقة فيها مهمّة.
“حياة” نغم نفت اختفاء الكثيرات وخطفهن، “زومبي” واحد قادر على نفي سردية كاملة إن تمّ توظيفه واستعراضه، كونه يخلق مناخاً من اللايقين، لتتحوّل “الحياة” إلى تهمة تنفي اختفاء أخريات، والأهمّ ضمن كلّ ما سبق، نحن نتعامل مع صور، لا قرارات رسمية، ولا أبدان فارقتها الروح، صور تكرّر وتعاد وتنشَر وتدور حولها الحكايات، هكذا الزومبي، مولّد للشكّ ومهدّد للروع، يستنسخ نفسه ويتقمّص “كلّ” المختفين ويتّهمهم بـ”الحياة”.
التجرّؤ على اللاموت- اللاحياة
سقط نظام الأسد، وفُتحت السجون، ولم يخرج منها “الجميع”، التبست أوجه المعتقلين الخارجين من “المسلخ البشري”، وتشابهت مع آلاف المختفين قسراً ، وتزامن “التحرير” مع اكتشاف مقابر جماعية، بعضها مفتوح للعابثين والفضوليين، وبعضها اكتشفنا كيف نقله النظام من مكان إلى آخر، ففي سوريا، المقابر الجماعية تمشي على عجلات، تُنقل الجثث أكواماً من لحم وعظم وأيدٍ وتراب وديدان، بلا أسماء، بلا صور. كتل من لحم ميت، تختزن الرعب والذاكرة، أما الهيئة الوطنية للمفقودين، فلم تعلن إلى الآن عن اسم أيّ مختفٍ تمّ إيجاده!
الكثيرون من السوريين لا موتى ولا أحياء، ولا جهة رسمية لإعلان الموت، ولا جثث يتمّ التعرّف عليها، وحداد معلّق وصور مختفين في الشوارع، والبعض ما زال ينتظر، باحثاً في الأوجه وبقايا الجثث. وعلى رغم العقبات الإدارية الناتجة من عدم “توفية” أحدهم (الميراث والحضانة وغيرهما)، الكثيرون من أولياء الدم ما زالوا يحدّقون بصور اللحم المتهتّك بحثاً عن علامة تنفي الحياة، وتثبت الفناء، في سوريا، لا الموت سرمدي، ولا الحياة مضمونة.
إقرأوا أيضاً:
في حالة المختفين قسراً، لا يحقّ لأحد حسم أحد الوضعيتين (حياة – موت) إلا أولياء الدم، مع ذلك يتنطّح البعض لإعلان موت أحدهم، ومصادرة حقّ الأسر بإعلان الرحيل، ففي منشور عبر حسابه الشخصي على إنستغرام، أعلن مازن الناطور نقيب الفنانين السوريين، أن زكي كورديلو “قتلته عصابات النظام البائد”، وأكّد أنه وابنه مهيار وقريباً لهم “تمّ قتلهم”، و”ترحّم على أرواحهم”، الناطور أعلن موت أشخاص، من دون أيّ اعتبار لأسرهم، هم مختفون يا نقيب، من أعطاك صلاحية إعلان الموت؟
كرامة الموتى، الأبدان التي غادرتها الأرواح، تلك التي يخونها الزمن فتتلاشى داخلياً، محاطة بطقوسية الدفن، شهود على الموت، وفي حال كان الأخير بيروقراطياً وآلياً حدّ الجريمة ضدّ الإنسانية، اختفى إثرها اللحم الذي كان شخصاً، تحفظ هذه الكرامة في قلوب أولياء الدم، أصحاب الحقّ بنزع من أحبّوا من دواخلهم، وتسليمهم روحا وجسداً لسطوة الفناء، مادّية وجود الميت لا تقتصر على الجثّة، بل عمليّة إعادة موضعته ضمن النظام الإداري، وتسيير الحداد، ونقل الملكيّة، ومواجه الفناء نفسه عبر ترسيخه مرّة واحدة، سرمدياً لا عودة منه للبدن، لكن في سوريا “ريل إنستغرام” يختصر كلّ ما سبق!
سطوة “أكسل”: من يعلن الموت؟
في زلّة لسان ربما، أعلن فضل عبد الغني المدير التنفيذي لـ “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، أن غالبية المختفين قسراً عند النظام مقتولون. وصف أو تعميم لا يحقّ لأحد أن يطلقه، اللايقين هو بالضبط ما يحافظ على الأمل، ويحرّك العمل نحو إعلان الموت أو الحياة، والأهمّ المحاسبة، أمام ماكينة موت اختزلت قتل الكثيرين بـ”ذبحة قلبية”، هشاشة هذا اللايقين هو ما يجعله محطّ التلاعب، تصريح من هنا، تعميم من هناك، والأهمّ، تسييس و”تجارة” بمصائر المجهولين.
افتراض الموت، إهانة للضحايا ولأهلهم، خصوصاً إن كان بلا دليل، لكنّ فحش الموت والعنف في سوريا يتجاوز “الكرامة الإنسانية”، المفاهيم التقليدية لا تنجح ربما، خصوصاً أن سقوط نظام الأسد، لم يوقف المقابر الجماعية، والأهمّ غياب سلطة إعلان الموت، ترك القضيّة لكلّ على هواه ومزاجه الثوري.
منذ سقوط الأسد انتشرت قوائم لا نهائية بأسماء معتقلين ومصائرهم المتعدّدة، ملفّات “أكسل” من مختلف فروع الأمن، أسماء لا متناهية، كلّ منها جزء من ماكينة كبرى للقتل، أسماء تنشَر بصورة متفرّقة، وأخرى تحتكَر، بعضها ظهر ضمن تقرير تلفزيوني، عن مؤسّسة غامضة تدعى “الفاتح 115” لا نعرف عنها شيئاً، استعرضت لنا ملفّ “أكسل” يحوي أسماء آلاف المعتقلين، ولا يمكن الحصول عليها، بل تطلب معلومات من أيّ سوري يريد إيجاد اسم أحدهم، وهكذا نرى الباحثين عن طيف مختفٍ أو أثر له، يقدّمون معلومات شديدة الحساسية، لجهة مجهولة، لا نعرف عنها شيئاً سوى صفحة فايسبوك، وتقرير إخباري في قناة أجنبية.
مؤسّسة أخرى أنشأت تطبيقاً، يمكن البحث عبره عن مختفٍ قسراً، هكذا يتحوّل الموت إلى شأن إحصائي، مطابقة أسماء فقط، لا حكايات، ولا اتّهامات، لا جثث، ولا وثائق، موت- حياة المختفين قسراً أصبحت رهن برمجة محرّكات البحث!
الأمر ذاته مع صفحات وناشطين محسوبين على الثورة، تُنشر بصورة شبه يومية وثائق تنفيذ أحكام الإعدام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نعي هنا وحداد هناك، وترجّ للبحث عن اسم أحدهم في التعليقات، إعلان الموت يحيط به الغموض، بل ولا منهجية واضحة، خصوصاً أن وثيقة واحدة لا تكفي، فإعلان أن أحدهم لم يعد جزءاً من عالمنا ولا موضوعاً تطبّق عليه قوانين الأحياء، عمليّة بيروقراطية من جهة، واستعداد لأولياء الدم لتقبّل “الخبر”، ولا تختصَر بمنشور واحد، أو ورقة تحتوي علامة مائية لضمان حقوق الملكيّة! أيعقل إذاً أن يعلّق مصير آلاف المختفين قسراً بناشط ومزاجه الثوري ووقت فراغه؟
الموت السوري ما زال ممتداً، لم يتوقّف مع سقوط النظام، لا حداد وطني، ولا جهد كافٍ لفرز العظام المتناثرة، تشرذمت ماكينة الموت وآثارها لتضيع الحكاية، “أُعدم شنقاً حتى الموت”، هكذا تختزَل “حياة” نيراز سعيد، المصوّر الفلسطيني السوري، وثيقة بلا أصل، صورة على وسائل التواصل الاجتماعي، علامة مائية، وعزاء رقمي. هكذا، يصبح الموت “منشوراً” آخر، لا حرمة له ولا كرامة، رهان على اقتصاد الانتباه وشركة عابرة للقارات، وسباق على أولوية إعلانه!
جهود هذه المؤسّسات والأفراد ومصادر معلوماتها الغامضة، واستباحة الوثائق والقوائم والملفّات، ذلك كله لا ينفي أنها فعّلت الحداد لدى الكثيرين، ممن لم يصلهم أثر عن أحبائهم. في الوقت ذاته، في عالم ما بعد الرعب، والقتل الشديد الذي شهدته سوريا إثر نزاع مع النظام وبين الفصائل استمرّ سنوات، سيّس الموضوع، ولم يعد المختفون قسراً قضيّة إنسانية فقط، بل شأناً سياسياً، إذ لا أسئلة عن أولئك الذين أخفتهم الفصائل أو “قسد” أو “تنظيم الدولة”، لا حديث رسمي عنهم، وكأن هناك هرمية في الضحايا، ودرجات بين من يستحقّ أن يخرج من مساحة الأحياء نحو تصانيف الأموات.
لكن ماذا عن أولئك الذين لم تذكَر أسماؤهم ولا مؤسّسات تمتلك قوائم “أكسل” بتواريخ إعدامهم؟ هؤلاء ما زالوا أسرى “أرض اليمبوس” في اللامكان، بين الذاكرة وتراب سوريا وقبورها الجماعية، أشباحهم تتحرّك على شفاه أولياء دمائهم، ومخطّطات ناطحات السحاب المفترض بناؤها في سوريا.












