ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الزيدي رئيس وزراء العراق المكلّف: ماذا عن ملفات الفساد والعقوبات؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التحدي الحقيقي أمام الزيدي لن يكون في تشكيل الحكومة، بل في القدرة على تحويل موقعه من نتاج تسوية إلى مشروع دولة. فإما أن ينجح في بناء مسار تدريجي يفكك منطق المحسوبية لصالح المؤسسات، أو يبقى أسير معادلة “إدارة التوازن” التي تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في العراق، لا يأتي رؤساء الحكومات من فراغ، بل من تقاطع خطوط معقّدة بين السياسة والاقتصاد والسلاح. وفي لحظة مشحونة داخلياً وإقليمياً، يتقدّم اسم علي الزيدي بوصفه “مرشح التسوية” الذي التقت عنده مصالح متناقضة، أو على الأقل توقفت عنده خلافاتها مؤقتاً.

الزيدي، رجل الأعمال الشاب، ليس نتاج مسار سياسي تقليدي، بل ابن شبكة علاقات واسعة تمتد من عمار الحكيم إلى نوري المالكي، وصولاً إلى قادة فصائل نافذين مثل قيس الخزعلي. هذا القبول المتقاطع جعله خياراً ممكناً داخل “الإطار التنسيقي”، لكنه في الوقت نفسه فتح باباً واسعاً للتساؤلات: هل هو رجل توازن أم واجهة لتوازنات أكبر منه؟

بعد نحو شهر من النقاشات المعقدة والاجتماعات المتواصلة، حسم “الإطار التنسيقي” خياره بالاتفاق على ترشيح علي الزيدي لرئاسة الوزراء، في خطوة لم تكن ضمن المسار الأول للأسماء المطروحة، بل جاءت نتيجة تسوية نهائية فرضها الانسداد السياسي.

عملية الاختيار مرت بثلاث مراحل؛ الأولى شهدت بروز اسم نوري المالكي بعد تنازل محمد شياع السوداني لصالحه، وحصوله على دعم 10 أصوات من أصل 12 داخل الإطار، إلا أن اعتبارات القبول الإقليمي والدولي حالت دون تمريره.

في المرحلة الثانية، طُرح اسم باسم البدري الذي جمع 7 تواقيع، لكنه لم ينجح في تجاوز الانقسام الداخلي، ليتحول إلى نقطة خلاف بين أجنحة الإطار.

ومع تعثّر المسارين، دخل الإطار في جمود سياسي، قبل أن تُعقد اجتماعات حاسمة بحضور شخصيات بينها فالح الفياض، أفضت إلى صيغة تقضي بطرح ثلاثة أسماء: البدري، الزيدي، وصالح الحسناوي.

وبعد استبعاد البدري مجدداً، تم التوافق على الزيدي كـ”مرشح تسوية”، لا يمثل غلبة لأي طرف، بل خياراً وسطاً لتجاوز الانقسام، في مؤشر واضح إلى أن التسوية كانت الحل الأخير بعد استنفاد جميع البدائل.

من الظل إلى الواجهة

وُلد الزيدي عام 1986، ما يجعله من أصغر من وصلوا إلى هذه المرحلة السياسية. لم يتدرج في المناصب الحكومية، ولم يُعرف كسياسي تقليدي، بل كرجل أعمال يدير إمبراطورية اقتصادية متعددة الأذرع، أبرزها “شركة الأويس” التي تضم نحو 15 شركة تعمل في التجارة والمقاولات والخدمات اللوجستية والزراعة والصناعة.

هذه الشركات، وفق ما هو متداول، تدير عقوداً ضخمة مع مؤسسات الدولة، خصوصاً وزارة التجارة لتجهيز مفردات السلة الغذائية لأكثر من 40 مليون عراقي، إضافة إلى عقود مع وزارات الدفاع والداخلية والشؤون الاجتماعية لتوفير الإمدادات الغذائية لما يقارب الـ300 ألف جندي ونحو 220 ألف عنصر من تشكيلات الحشد.

كما تمتد استثماراته إلى مشاريع زراعية تصل إلى نحو 11,500 دونم في محافظة المثنى، إلى جانب مشاريع صناعية واستثمارية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار، فضلاً عن امتلاكه مؤسسات إعلامية مثل قناة دجلة، ومؤسسات تعليمية كجامعة أهلية ومعاهد طبية.

المال والسياسة… تداخل يصعب فصله

يرتبط اسم الزيدي أيضاً بمصرف الجنوب الإسلامي، الذي أُدرج ضمن قوائم العقوبات الأميركية عام 2024، على خلفية اتهامات تتعلق بغسل الأموال والالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران. وتشير تقارير إلى أن المصرف، الذي تأسس برأسمال بلغ نحو 250 مليار دينار عراقي، كان جزءاً من شبكة مالية مرتبطة بجهات إقليمية، ما يضع الزيدي في قلب معادلة حساسة بين بغداد وواشنطن.

عقود بمليارات وأسئلة بلا إجابات

الملف الأكثر إثارة للجدل يتعلق بعقود “السلة الغذائية”، التي تُعد من أكبر برامج الإنفاق الحكومي في العراق، إذ تشير تقارير برلمانية وشكاوى سياسية إلى أن بعض هذه العقود أُبرم بأسلوب “التجهيز المباشر” من دون المرور بإجراءات المناقصات، وسط حديث عن فروقات مالية كبيرة مقارنة بأسعار السوق تصل إلى نحو ملياري دولار سنوياً، فضلاً عن شبهات هدر للمال العام تتجاوز الـ1.5 مليار دولار سنوياً، وترتفع وفق تقديرات أخرى إلى أكثر من 3.1 مليار دولار.

كما تشير بيانات إلى أن كلفة السلة الغذائية ارتفعت إلى نحو 274 مليون دولار شهرياً، مع وجود نحو 10 ملايين شخص ضمن النظام لا يستلمون فعلياً على رغم احتسابهم ضمن التكاليف.

النائب السابق هادي السلامي كان من أبرز من فتحوا هذا الملف، قبل أن يُعتقل بتهمة التشهير، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً.

كما قال النائب السابق أمير المعموري إن شركة “الأويس” حصلت على عقود ضخمة بدون منافسة حقيقية، مشيراً إلى أن بعض المواد كان يمكن توفيرها من الإنتاج المحلي بدل الاستيراد عبر وسطاء.

أما النائب السابق كاظم الصيادي، فاعتبر أن ترشيح الزيدي لا يحظى بإجماع داخل الإطار التنسيقي، مرجحاً أن يكون جزءاً من مناورة سياسية. 

في حين وصف النائب حيدر السلامي الشركة بأنها “أقوى من السلطة”، في إشارة إلى حجم نفوذها.

ويرى الصحافي علي فاضل أن الدفع باتجاه اختيار شخصية تحيط بها شبهات مالية، يثير علامات استفهام كثيرة ولا يمنح شعوراً بالاطمئنان، متسائلاً عن مدى قدرة مرشح بهذه المواصفات على إدارة اقتصاد دولة بحجم العراق وتعقيداته.

العقوبات ليست نهاية الطريق

في مقابل هذه الانتقادات، يرى الباحث في الشأن السياسي ومكافحة الفساد غالب الدعمي أن ملف العقوبات لا يشكّل بالضرورة عائقاً حاسماً أمام مضي حكومة الزيدي.

ويقول الدعمي إن “قصة العقوبات كانت على مصرف الجنوب، ولا أعتقد أنها ستمنع تشكيل الحكومة، فهناك شخصيات تعرضت لعقوبات ثم رُفعت عنها لاحقاً، وسوريا مثال على ذلك”. ويضيف أن الزيدي “حظي بإجماع شبه كامل داخل الإطار التنسيقي، وحتى المعترضون عليه قبلوا به”، مشيراً إلى أن “سرعة تكليفه جاءت بعد الرسائل الأميركية، وربما كان اسمه ضمن قائمة مرشحين تم التداول بشأنهم”.

ويذهب الدعمي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن التكليف “قد يكون جاء أيضاً بموافقة أميركية، بخاصة مع ورود مؤشرات إلى ترحيب بريطاني”، لافتاً إلى أن الزيدي “يتمتع بعلاقات جيدة مع مختلف أطراف الإطار، وكذلك مع القوى السنية وربما الكردية”.

ويختم بأن “العامل الاقتصادي بات حاسماً في اختيار القادة، فالمال نفوذ كما أن السلطة نفوذ، وقد تكون ميزة الزيدي أنه أول رجل أعمال واضح يتولى هذا المنصب في العراق”، معرباً عن أمله بأن “يتمكن من إبعاد العراق عن محاور الصراع في الشرق الأوسط”.

ثلاثية الاختبار

لكن، سواء كان مدعوماً داخلياً أو مقبولاً خارجياً، فإن التحديات التي تنتظر الزيدي لا تتغير. فالرجل يقف أمام ثلاث مهمات مصيرية، تتقدمها قضية “سلاح الفصائل”.

سلاح الفصائل… الاختبار الأخطر

لا يوجد ملف أكثر حساسية في العراق من ملف السلاح خارج إطار الدولة، لكن في حالة الزيدي، يصبح هذا الملف أكثر تعقيداً، لأنه يأتي بدعم من قوى تمتلك هذا السلاح أو ترتبط به.

الولايات المتحدة وضعت هذا الملف في صدارة مطالبها، مطالبةً بتقليص نفوذ الفصائل ووقف مصادر تمويلها. لكن السؤال الجوهري يبقى: كيف يكون بإمكان رئيس حكومة مدعوم من هذه البيئة أن يتحرك ضدها؟

الخيارات أمام الزيدي تبدو محدودة بين المواجهة، أو الاحتواء، أو المراوحة، وكل خيار يحمل كلفة سياسية وأمنية مختلفة.

العلاقة مع واشنطن شريك أم خصم؟

التصعيد الأميركي الأخير، من العقوبات إلى تعليق شحنات الدولار، يعكس تحوّلاً في نظرة واشنطن إلى بغداد. وفي هذا السياق، يصبح اسم الزيدي، المرتبط سابقاً بمصرف خاضع للعقوبات، عاملاً إضافياً في تعقيد العلاقة.

التحدي هنا ثلاثي يتمثل في استعادة الثقة المالية، وطمأنة الشركاء الدوليين، والحفاظ على التوازن مع القوى الداخلية، وهو توازن دقيق غالباً ما كان سبباً في إضعاف الحكومات العراقية.

الاقتصاد اختبار الشرعية

العراق، الذي يعتمد بنسبة تقارب الـ90 في المئة على النفط، يواجه أزمة اقتصادية متفاقمة، خصوصاً مع الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها على الصادرات.

الزيدي، القادم من عالم الأعمال، قد يُنظر إليه كفرصة لإدارة هذا الملف، لكن الاتهامات المرتبطة بعقود شركاته تضعه في موقع دفاعي منذ البداية.

وهنا، سيكون عليه أن يثبت أن بإمكانه الانتقال من إدارة “شركة” إلى إدارة “دولة”.

30 يوماً… بين النجاح والتعثّر

بحسب الدستور، يمتلك الزيدي 30 يوماً لتشكيل حكومته ونيل ثقة البرلمان. هذه المهلة، التي تبدو قصيرة، تتحول غالباً إلى ساحة صراع بين الكتل السياسية.

سيحتاج إلى تأمين غالبية “النصف + 1” من أصل 329 نائباً، وهو أمر يتطلب توافقات دقيقة، خصوصاً في ظل الانقسامات داخل الإطار نفسه.

تجارب سابقة أظهرت أن بعض المرشحين لم يتمكنوا من تجاوز هذه المرحلة، ما يجعل نجاحه غير مضمون على رغم الدعم الظاهر.

صديق الجميع أم اختبار الجميع؟ 

ليس السؤال هنا عن شخصية علي الزيدي بقدر ما هو عن طبيعة الدولة التي يُدفع لقيادتها في لحظة تشبه إعادة تشكيل غير معلنة للسلطة في العراق. فالرجل الذي وصل عبر تسوية داخل “الإطار التنسيقي”، يجد نفسه أمام بنية حكم قائمة على التوازنات أكثر من المؤسسات، وعلى إدارة الأزمات أكثر من حلّها جذرياً.

داخلياً، سيواجه الزيدي شبكة معقدة من المصالح المتداخلة بين قوى سياسية وفصائل مسلحة وملفات اقتصادية ضخمة، ما يجعل أي محاولة للانتقال نحو دولة مؤسسات مرتبطة بالشفافية والمحاسبة خطوة محفوفة بالمخاطر. بناء منطق دولة بعيد عن المحاصصة يعني عملياً إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والموارد، وهو ما قد يصطدم بجذور النظام السياسي نفسه.

أما خارجياً، فالعراق يقف بين ضغوط أميركية متصاعدة وموازين إقليمية حساسة، ما يفرض على أي رئيس حكومة صياغة سياسة توازن دقيقة، لا تقوم على الاصطفاف بل على إدارة التناقضات من دون الانزلاق إلى العزلة أو التبعية.

التحدي الحقيقي أمام الزيدي لن يكون في تشكيل الحكومة، بل في القدرة على تحويل موقعه من نتاج تسوية إلى مشروع دولة. فإما أن ينجح في بناء مسار تدريجي يفكك منطق المحسوبية لصالح المؤسسات، أو يبقى أسير معادلة “إدارة التوازن” التي تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

29.04.2026
زمن القراءة: 7 minutes

التحدي الحقيقي أمام الزيدي لن يكون في تشكيل الحكومة، بل في القدرة على تحويل موقعه من نتاج تسوية إلى مشروع دولة. فإما أن ينجح في بناء مسار تدريجي يفكك منطق المحسوبية لصالح المؤسسات، أو يبقى أسير معادلة “إدارة التوازن” التي تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

في العراق، لا يأتي رؤساء الحكومات من فراغ، بل من تقاطع خطوط معقّدة بين السياسة والاقتصاد والسلاح. وفي لحظة مشحونة داخلياً وإقليمياً، يتقدّم اسم علي الزيدي بوصفه “مرشح التسوية” الذي التقت عنده مصالح متناقضة، أو على الأقل توقفت عنده خلافاتها مؤقتاً.

الزيدي، رجل الأعمال الشاب، ليس نتاج مسار سياسي تقليدي، بل ابن شبكة علاقات واسعة تمتد من عمار الحكيم إلى نوري المالكي، وصولاً إلى قادة فصائل نافذين مثل قيس الخزعلي. هذا القبول المتقاطع جعله خياراً ممكناً داخل “الإطار التنسيقي”، لكنه في الوقت نفسه فتح باباً واسعاً للتساؤلات: هل هو رجل توازن أم واجهة لتوازنات أكبر منه؟

بعد نحو شهر من النقاشات المعقدة والاجتماعات المتواصلة، حسم “الإطار التنسيقي” خياره بالاتفاق على ترشيح علي الزيدي لرئاسة الوزراء، في خطوة لم تكن ضمن المسار الأول للأسماء المطروحة، بل جاءت نتيجة تسوية نهائية فرضها الانسداد السياسي.

عملية الاختيار مرت بثلاث مراحل؛ الأولى شهدت بروز اسم نوري المالكي بعد تنازل محمد شياع السوداني لصالحه، وحصوله على دعم 10 أصوات من أصل 12 داخل الإطار، إلا أن اعتبارات القبول الإقليمي والدولي حالت دون تمريره.

في المرحلة الثانية، طُرح اسم باسم البدري الذي جمع 7 تواقيع، لكنه لم ينجح في تجاوز الانقسام الداخلي، ليتحول إلى نقطة خلاف بين أجنحة الإطار.

ومع تعثّر المسارين، دخل الإطار في جمود سياسي، قبل أن تُعقد اجتماعات حاسمة بحضور شخصيات بينها فالح الفياض، أفضت إلى صيغة تقضي بطرح ثلاثة أسماء: البدري، الزيدي، وصالح الحسناوي.

وبعد استبعاد البدري مجدداً، تم التوافق على الزيدي كـ”مرشح تسوية”، لا يمثل غلبة لأي طرف، بل خياراً وسطاً لتجاوز الانقسام، في مؤشر واضح إلى أن التسوية كانت الحل الأخير بعد استنفاد جميع البدائل.

من الظل إلى الواجهة

وُلد الزيدي عام 1986، ما يجعله من أصغر من وصلوا إلى هذه المرحلة السياسية. لم يتدرج في المناصب الحكومية، ولم يُعرف كسياسي تقليدي، بل كرجل أعمال يدير إمبراطورية اقتصادية متعددة الأذرع، أبرزها “شركة الأويس” التي تضم نحو 15 شركة تعمل في التجارة والمقاولات والخدمات اللوجستية والزراعة والصناعة.

هذه الشركات، وفق ما هو متداول، تدير عقوداً ضخمة مع مؤسسات الدولة، خصوصاً وزارة التجارة لتجهيز مفردات السلة الغذائية لأكثر من 40 مليون عراقي، إضافة إلى عقود مع وزارات الدفاع والداخلية والشؤون الاجتماعية لتوفير الإمدادات الغذائية لما يقارب الـ300 ألف جندي ونحو 220 ألف عنصر من تشكيلات الحشد.

كما تمتد استثماراته إلى مشاريع زراعية تصل إلى نحو 11,500 دونم في محافظة المثنى، إلى جانب مشاريع صناعية واستثمارية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار، فضلاً عن امتلاكه مؤسسات إعلامية مثل قناة دجلة، ومؤسسات تعليمية كجامعة أهلية ومعاهد طبية.

المال والسياسة… تداخل يصعب فصله

يرتبط اسم الزيدي أيضاً بمصرف الجنوب الإسلامي، الذي أُدرج ضمن قوائم العقوبات الأميركية عام 2024، على خلفية اتهامات تتعلق بغسل الأموال والالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران. وتشير تقارير إلى أن المصرف، الذي تأسس برأسمال بلغ نحو 250 مليار دينار عراقي، كان جزءاً من شبكة مالية مرتبطة بجهات إقليمية، ما يضع الزيدي في قلب معادلة حساسة بين بغداد وواشنطن.

عقود بمليارات وأسئلة بلا إجابات

الملف الأكثر إثارة للجدل يتعلق بعقود “السلة الغذائية”، التي تُعد من أكبر برامج الإنفاق الحكومي في العراق، إذ تشير تقارير برلمانية وشكاوى سياسية إلى أن بعض هذه العقود أُبرم بأسلوب “التجهيز المباشر” من دون المرور بإجراءات المناقصات، وسط حديث عن فروقات مالية كبيرة مقارنة بأسعار السوق تصل إلى نحو ملياري دولار سنوياً، فضلاً عن شبهات هدر للمال العام تتجاوز الـ1.5 مليار دولار سنوياً، وترتفع وفق تقديرات أخرى إلى أكثر من 3.1 مليار دولار.

كما تشير بيانات إلى أن كلفة السلة الغذائية ارتفعت إلى نحو 274 مليون دولار شهرياً، مع وجود نحو 10 ملايين شخص ضمن النظام لا يستلمون فعلياً على رغم احتسابهم ضمن التكاليف.

النائب السابق هادي السلامي كان من أبرز من فتحوا هذا الملف، قبل أن يُعتقل بتهمة التشهير، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً.

كما قال النائب السابق أمير المعموري إن شركة “الأويس” حصلت على عقود ضخمة بدون منافسة حقيقية، مشيراً إلى أن بعض المواد كان يمكن توفيرها من الإنتاج المحلي بدل الاستيراد عبر وسطاء.

أما النائب السابق كاظم الصيادي، فاعتبر أن ترشيح الزيدي لا يحظى بإجماع داخل الإطار التنسيقي، مرجحاً أن يكون جزءاً من مناورة سياسية. 

في حين وصف النائب حيدر السلامي الشركة بأنها “أقوى من السلطة”، في إشارة إلى حجم نفوذها.

ويرى الصحافي علي فاضل أن الدفع باتجاه اختيار شخصية تحيط بها شبهات مالية، يثير علامات استفهام كثيرة ولا يمنح شعوراً بالاطمئنان، متسائلاً عن مدى قدرة مرشح بهذه المواصفات على إدارة اقتصاد دولة بحجم العراق وتعقيداته.

العقوبات ليست نهاية الطريق

في مقابل هذه الانتقادات، يرى الباحث في الشأن السياسي ومكافحة الفساد غالب الدعمي أن ملف العقوبات لا يشكّل بالضرورة عائقاً حاسماً أمام مضي حكومة الزيدي.

ويقول الدعمي إن “قصة العقوبات كانت على مصرف الجنوب، ولا أعتقد أنها ستمنع تشكيل الحكومة، فهناك شخصيات تعرضت لعقوبات ثم رُفعت عنها لاحقاً، وسوريا مثال على ذلك”. ويضيف أن الزيدي “حظي بإجماع شبه كامل داخل الإطار التنسيقي، وحتى المعترضون عليه قبلوا به”، مشيراً إلى أن “سرعة تكليفه جاءت بعد الرسائل الأميركية، وربما كان اسمه ضمن قائمة مرشحين تم التداول بشأنهم”.

ويذهب الدعمي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن التكليف “قد يكون جاء أيضاً بموافقة أميركية، بخاصة مع ورود مؤشرات إلى ترحيب بريطاني”، لافتاً إلى أن الزيدي “يتمتع بعلاقات جيدة مع مختلف أطراف الإطار، وكذلك مع القوى السنية وربما الكردية”.

ويختم بأن “العامل الاقتصادي بات حاسماً في اختيار القادة، فالمال نفوذ كما أن السلطة نفوذ، وقد تكون ميزة الزيدي أنه أول رجل أعمال واضح يتولى هذا المنصب في العراق”، معرباً عن أمله بأن “يتمكن من إبعاد العراق عن محاور الصراع في الشرق الأوسط”.

ثلاثية الاختبار

لكن، سواء كان مدعوماً داخلياً أو مقبولاً خارجياً، فإن التحديات التي تنتظر الزيدي لا تتغير. فالرجل يقف أمام ثلاث مهمات مصيرية، تتقدمها قضية “سلاح الفصائل”.

سلاح الفصائل… الاختبار الأخطر

لا يوجد ملف أكثر حساسية في العراق من ملف السلاح خارج إطار الدولة، لكن في حالة الزيدي، يصبح هذا الملف أكثر تعقيداً، لأنه يأتي بدعم من قوى تمتلك هذا السلاح أو ترتبط به.

الولايات المتحدة وضعت هذا الملف في صدارة مطالبها، مطالبةً بتقليص نفوذ الفصائل ووقف مصادر تمويلها. لكن السؤال الجوهري يبقى: كيف يكون بإمكان رئيس حكومة مدعوم من هذه البيئة أن يتحرك ضدها؟

الخيارات أمام الزيدي تبدو محدودة بين المواجهة، أو الاحتواء، أو المراوحة، وكل خيار يحمل كلفة سياسية وأمنية مختلفة.

العلاقة مع واشنطن شريك أم خصم؟

التصعيد الأميركي الأخير، من العقوبات إلى تعليق شحنات الدولار، يعكس تحوّلاً في نظرة واشنطن إلى بغداد. وفي هذا السياق، يصبح اسم الزيدي، المرتبط سابقاً بمصرف خاضع للعقوبات، عاملاً إضافياً في تعقيد العلاقة.

التحدي هنا ثلاثي يتمثل في استعادة الثقة المالية، وطمأنة الشركاء الدوليين، والحفاظ على التوازن مع القوى الداخلية، وهو توازن دقيق غالباً ما كان سبباً في إضعاف الحكومات العراقية.

الاقتصاد اختبار الشرعية

العراق، الذي يعتمد بنسبة تقارب الـ90 في المئة على النفط، يواجه أزمة اقتصادية متفاقمة، خصوصاً مع الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها على الصادرات.

الزيدي، القادم من عالم الأعمال، قد يُنظر إليه كفرصة لإدارة هذا الملف، لكن الاتهامات المرتبطة بعقود شركاته تضعه في موقع دفاعي منذ البداية.

وهنا، سيكون عليه أن يثبت أن بإمكانه الانتقال من إدارة “شركة” إلى إدارة “دولة”.

30 يوماً… بين النجاح والتعثّر

بحسب الدستور، يمتلك الزيدي 30 يوماً لتشكيل حكومته ونيل ثقة البرلمان. هذه المهلة، التي تبدو قصيرة، تتحول غالباً إلى ساحة صراع بين الكتل السياسية.

سيحتاج إلى تأمين غالبية “النصف + 1” من أصل 329 نائباً، وهو أمر يتطلب توافقات دقيقة، خصوصاً في ظل الانقسامات داخل الإطار نفسه.

تجارب سابقة أظهرت أن بعض المرشحين لم يتمكنوا من تجاوز هذه المرحلة، ما يجعل نجاحه غير مضمون على رغم الدعم الظاهر.

صديق الجميع أم اختبار الجميع؟ 

ليس السؤال هنا عن شخصية علي الزيدي بقدر ما هو عن طبيعة الدولة التي يُدفع لقيادتها في لحظة تشبه إعادة تشكيل غير معلنة للسلطة في العراق. فالرجل الذي وصل عبر تسوية داخل “الإطار التنسيقي”، يجد نفسه أمام بنية حكم قائمة على التوازنات أكثر من المؤسسات، وعلى إدارة الأزمات أكثر من حلّها جذرياً.

داخلياً، سيواجه الزيدي شبكة معقدة من المصالح المتداخلة بين قوى سياسية وفصائل مسلحة وملفات اقتصادية ضخمة، ما يجعل أي محاولة للانتقال نحو دولة مؤسسات مرتبطة بالشفافية والمحاسبة خطوة محفوفة بالمخاطر. بناء منطق دولة بعيد عن المحاصصة يعني عملياً إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والموارد، وهو ما قد يصطدم بجذور النظام السياسي نفسه.

أما خارجياً، فالعراق يقف بين ضغوط أميركية متصاعدة وموازين إقليمية حساسة، ما يفرض على أي رئيس حكومة صياغة سياسة توازن دقيقة، لا تقوم على الاصطفاف بل على إدارة التناقضات من دون الانزلاق إلى العزلة أو التبعية.

التحدي الحقيقي أمام الزيدي لن يكون في تشكيل الحكومة، بل في القدرة على تحويل موقعه من نتاج تسوية إلى مشروع دولة. فإما أن ينجح في بناء مسار تدريجي يفكك منطق المحسوبية لصالح المؤسسات، أو يبقى أسير معادلة “إدارة التوازن” التي تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.