في العراق، يكاد هذا السؤال يبدو محرَّماً، هل هذه حربنا؟
ليس لأن الإجابة مستحيلة، بل لأن مجرد طرحه يعرّي شبكة كاملة من المصالح والأوهام والسرديات التي بُنيت خلال عقدين من الزمن.
فالسؤال البسيط الذي يفترض أن يكون بديهياً في أي دولة طبيعية: من يقرّر الحرب؟ ولماذا؟ ومن يدفع ثمنها؟ يتحوّل في العراق إلى نوع من التمرّد الفكري.
المفارقة أن العراق بلد دفع أثماناً باهظة للحروب أكثر من أي بلد آخر في المنطقة تقريباً خلال الأربعين عاماً الماضية، ومع ذلك لا يزال الخطاب العام فيه يُدار وكأن الحرب قدرٌ دائم، أو مهمة مقدسة لا تجوز مناقشتها.
في اللحظة التي يجرؤ فيها أحد على التساؤل هل هذه حربنا؟ تنهض جوقة كاملة من الأصوات لتّتهمه بالجبن أو الخيانة أو التخاذل. لكن ما لا يُقال في العلن هو أن جزءاً كبيراً من هذه الجوقة ليس سوى ميليشيات، تبيع خطابها ورأيها لمن يدفع أكثر، وتعيد إنتاج السرديات ذاتها التي تجعل العراق دائماً في موقع المقاتل في حروب الآخرين.
العراق كأرض للحروب بالوكالة
منذ عام 2003، لم يعد العراق مجرد دولة تعاني من صراعات داخلية، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة لتصفية الحسابات، القوى الكبرى والإقليمية وجدت في هشاشة الدولة العراقية فرصة لإدارة صراعاتها بعيداً عن أراضيها.
وهكذا، صار العراق مكاناً تتقاطع فيه المصالح الأميركية والإيرانية، والصراعات العربية ـ الإيرانية، وحتى الحسابات الدولية الأوسع. في كل مرة تشتعل أزمة في المنطقة، يبدو العراق وكأنه يُسحب تلقائياً إلى داخلها، من دون أن يسأل أحد إن كان ذلك يخدم مصلحة العراقيين أم لا.
السؤال هنا ليس أخلاقياً فقط، بل سياسي بامتياز، من الذي قرر أن العراق جزء من هذه الحروب؟ هل هو الشعب؟ هل هي الدولة؟
أم هي القوى المسلحة التي تملك القدرة على فرض قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة؟
البلد يتحوّل في كثير من الأحيان إلى مساحة لتبادل الرسائل العسكرية أكثر منه طرفاً يملك قرار الاشتباك أو التهدئة، وهذا يبرز هشاشة موقع العراق داخل شبكة التوترات الإقليمية، مع تعرض مدنه لضربات طرفي الصراع معاً، أميركياً وإسرائيلياً من جهة، وإيرانياً من جهة أخرى.
خطاب الخوف وصناعة العدو
الطريقة الأسهل لدفع مجتمعٍ منهك نحو الحرب هي صناعة الخوف.
في العراق، استُخدم هذا الأسلوب مراراً، يصوَّر المستقبل بوصفه كارثة وشيكة، ويُقال للناس إن الخطر يقترب من أبوابهم، وإن عليهم القتال قبل أن يصل.
يقال للعراقيين مثلاً إن إسرائيل ستحتل الشرق الأوسط، وإنها ستصل يوماً إلى بيوتهم، لكن المفارقة أن هذه الفكرة ليست جديدة على الوعي العربي، فهي من المسلّمات التي نشأت عليها أجيال كاملة منذ سبعين عاماً.
ومع ذلك، لم تنجح هذه الأجيال في بناء مشروع سياسي أو اقتصادي أو علمي قادر على مواجهة هذا الخطر المزعوم. بدلاً من ذلك، تحولت القضية إلى شعار دائم للحشد والتعبئة، أكثر مما هي مشروع حقيقي للتحرر أو المقاومة.
إقرأوا أيضاً:
المفارقة الأكبر أن الخطاب ذاته الذي يحذر العراقيين من إسرائيل، يدعوهم في الوقت نفسه إلى الاصطفاف في معركة تقودها إيران. هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية، إذا كان الاحتلال هو سيطرة قوة خارجية على قرار دولة أخرى، فكيف يمكن توصيف ما فعلته إيران في أكثر من بلد عربي؟
النفوذ الإيراني بين الدعم والهيمنة
في اليمن، تلعب إيران دوراً واضحاً في دعم جماعة الحوثي عسكرياً وسياسياً، في لبنان، تحول حزب الله إلى قوة عسكرية تتجاوز سلطة الدولة.
وفي سوريا، شاركت الميليشيات المدعومة من إيران في الحرب إلى جانب النظام. أما في العراق، فقد أصبح النفوذ الإيراني جزءاً من المعادلة السياسية والأمنية.
قد يختلف الناس في تقييم هذا الدور، فالبعض يراه دعماً لمحور المقاومة، بينما يراه آخرون شكلاً من أشكال التوسع الإقليمي. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن هذا النفوذ أعاد تشكيل موازين القوة داخل دول المنطقة، وأثّر بشكل مباشر على سيادتها وقرارها الوطني.
لذلك يبدو السؤال مشروعاً، إذا كنا نرفض احتلالاً محتملاً في المستقبل، فكيف نتعامل مع نفوذٍ قائم فعلاً في الحاضر؟
تحوّل الخطاب بعد 7 أكتوبر
الأحداث التي بدأت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع، في البداية قُدمت المعركة بوصفها مواجهة من أجل فلسطين، وهو إطار وجد تعاطفاً واسعاً في الشارع العربي.
لكن مع مرور الوقت، بدأ الخطاب يتغير، فبدلاً من التركيز على القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني، أخذت منابر تتجه نحو خطاب طائفي واضح، يتضمن تحريضاً يومياً وإهانات للعرب، وتحشيداً مذهبياً يتجاوز فلسطين بكثير.
وهنا حدث التحول الأخطر، القضية التي كانت توحّد العرب تحولت في بعض الخطابات إلى أداة انقسام مذهبي.
مفارقة السنوار وإيران
في هذا السياق، يطرح محمد المختار الشنقيطي، أستاذ مشارك في الأخلاقيات السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمد بن خليفة، رواية لافتة تتعلق بمراسلات خاصة تشير إلى أن يحيى السنوار كان يسعى إلى إدخال إيران طرفاً مباشراً في الحرب، لكنه في الوقت نفسه كان يرفض أن تتحول حركة حماس إلى مجرد درع لمشروع ولاية الفقيه.
هذه المفارقة تكشف تعقيد المشهد الإقليمي، فالقوى التي تلتقي مصالحها في مواجهة إسرائيل لا تتفق بالضرورة على طبيعة المشروع السياسي الذي يجب أن يقود المنطقة.
بمعنى آخر، حتى داخل ما يسمى بمحور المقاومة، هناك صراعات خفية على النفوذ والقيادة والهوية.
العراق بين الحروب والضياع الوطني
في خضم هذه المعادلات، يبدو العراق كأنه البلد الذي يدفع الثمن الأكبر بدون أن يكون صاحب القرار، فالدولة العراقية لا تزال تكافح لبناء مؤسساتها واستعادة سيادتها بعد عقود من الحروب والعقوبات والاحتلال.
لكن بدلاً من أن ينشغل الخطاب العام بالسؤال الأهم: كيف نبني وطناً؟ ينشغل بسؤال آخر، كيف نشارك في حروب الآخرين؟
النتيجة أن فكرة الدولة نفسها تصبح ضبابية، الحدود ليست واضحة سياسياً، والقرار الأمني ليس حكراً على الدولة، والاقتصاد مرتبط بتقلبات الصراع الإقليمي.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح المستقبل مصدر قلق دائم للمواطن العراقي، هل سيعيش في بلد مستقر؟ أم في ساحة حرب جديدة كل بضع سنوات؟
السؤال المؤجل
ربما لا تكون المشكلة في أن العراق يواجه تهديدات خارجية، فكل الدول تواجه ذلك، المشكلة الحقيقية هي غياب النقاش الحر حول أولويات الدولة. فالدول الطبيعية تسأل دائماً، ما هي مصالحنا؟ ما هي حدود التزاماتنا؟ ومتى نقول إن هذه ليست حربنا؟
لكن في العراق، يبدو أن هذا السؤال مؤجل باستمرار، لأن الإجابة عنه قد تهدد منظومة كاملة من القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية التي استفادت من حالة الصراع الدائم.
ما الذي يحتاجه العراق؟
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات الكبرى، بل إلى مشروع وطني بسيط وواضح، بناء دولة قادرة على حماية حدودها، واقتصاد يوفر حياة كريمة لمواطنيها، وسياسة خارجية تضع المصلحة العراقية أولاً.
وهذا لا يعني التخلي عن القضايا العربية أو الإنسانية، وعلى رأسها فلسطين، بل يعني التعامل معها بعقلانية دولة، لا بعاطفة الميليشيات. فالدول القوية تدعم القضايا العادلة، لكنها لا تفني نفسها في حروب لا تملك قرارها.
السؤال الذي يبرز في السياق العراقي اليوم لا يتعلق فقط بتحديد العدو، بقدر ما يرتبط بمن يملك قرار تحديد المسار الذي يسلكه البلد. هل يصدر هذا القرار من مؤسسات الدولة التي تمثل الإرادة العامة، أم يتشكل في ظل موازين قوى ترى العراق جزءاً من صراع إقليمي أوسع؟
طالما بقي هذا السؤال بلا إجابة، سيظل العراق مهدداً بأن يجد نفسه مرة أخرى في قلب حرب لم يخترها، يدفع ثمنها من دم أبنائه ومستقبل أجياله. ولذلك، ربما يكون السؤال الأبسط، هل هذه حربنا؟ هو في الحقيقة السؤال الأكثر ثورية في العراق اليوم.
إقرأوا أيضاً:












