يثير ترحيل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق السؤال عن هذه الظاهرة المفاجئة والغريبة والعنيفة، التي ظهرت في العقد الماضي، بخاصة عوامل نشوئها، ثم صعودها، ومواردها المالية والتسليحية، واستهدافاتها، أو توظيفاتها.
معلوم أن ظواهر كهذه تحتاج إلى مال وتسليح وتسهيلات لوجستية، لا يمكن أن تنشأ، وأن تقوى، من دون أطراف خارجية فاعلة وقادرة تقف وراءها، أو تشتغل على تدعيمها، وتوظيفها، من دون التخفيف، طبعاً، من دور العوامل المحلية التي ساهمت في نشوئها، أو مثّلت التربة الخصبة لصعودها.
يُفهم من ذلك أنه لا يمكن تفسير صعود تنظيم “داعش” في البيئات الشعبية الحاضنة، كون تلك البيئات بالذات كانت هي أكثر من تضرر منه (“السنة”)، لا سيما أن هذا التنظيم هو أكثر من عادى الثورة السورية، بكل تلاوينها، ومختلف أجنداتها، وأطرافها.
وللتذكير، كانت ظاهرة “داعش” صعدت، في المشهد العراقي، بداية، في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي (2006-2014)، بخاصة بعد قمع التحركات الشعبية السلمية في العراق، وهدم خيام المعتصمين في منطقة الرمادي بقوة السلاح نهاية العام 2013.
ثمة حدثان مفصليان، ربما هما الأهم في تاريخ صعود “داعش”، الأول، تمثل في اقتحام مجموعات من التنظيم سجن أو غريب، قرب بغداد، حيث تم تهريب حوالي ألف معتقل في تموز/ يوليو 2013. والثاني، احتلال “داعش” مدينة الموصل في حزيران/ يونيو 2014، بطريقة بدت كأنها بمثابة استلام وتسليم، للبلد وللسلاح والمال، بعد هرب، أو تهريب، فرق عدة من الجيش، والقوى الأمنية التي كانت تكلفت مليارات الدولارات، مع الاستيلاء على الأموال الموجودة في البنك المركزي في الموصل، وتقدّر بمليارات الدولارات.
في ظل هذا التطور الغريب، وبحجته، أيضاً، أُنشئ ما عرف بـ “الحشد الشعبي”، كميليشيا طائفية مسلّحة، تعمل بالتوازي، أو كبديل، للجيش العراقي، بدعوى التصدّي لظاهرة “داعش”.
ولعل ذلك يذكّر بالطريقة التي يشتغل فيها النظام الإيراني في لبنان وسوريا واليمن، باعتباره الطرف الذي لديه مصلحة في إجهاض الحراكات الشعبية في سوريا والعراق، وحرفها عن طريقها، بالتركيز على البعد الهوياتي الطائفي، وبطبع تلك الحراكات بالطابع المسلح والعنيف، الأمر الذي يساهم في تفكيك المجتمع، على خلفية طائفية وإثنية، وهو ما حصل في سوريا ولبنان والعراق.
هذا الاستنتاج لا يقلل من مساهمة النظام السوري البائد، الذي أراد تعزيز موقفه، وتغطية، وتبرير، مواجهته شعبه بالبراميل المتفجرة وبأقصى العنف، عبر حرف الثورة السورية عن مسيرتها كثورة سلمية، وصبغها بالطابع الهوياتي الطائفي، والتطرف الديني،، لا سيما أن كثراً من قادة نظام صدام السابق لجأوا إلى سوريا، ما يفسر أن توليفة “داعش” كانت تجمع بين هؤلاء الضباط وبقايا قادة القاعدة الذين لجأوا إلى إيران، بعد مصرع بن لادن.
وفي الواقع، لم يشهد الصراع الدائر في سوريا والعراق ضد “داعش” أية مواجهات حقيقية، أو قوية، بين هذا التنظيم وقوات النظامين السوري والعراقي، ما يرجح التفسير السابق، من دون التقليل من إمكان دخول أطراف خارجية أخرى، على خط الاستثمار في “داعش”، لبعث رسائل سياسية لأطراف أخرى، أو لفرض أجندات معينة، إذ إن هذه التنظيمات، تصبح، بسبب طبيعتها، وغموض تركيبتها، بمثابة تنظيم متعدد التابعيات، والتوظيفات.
لنلاحظ أن النظام السوري البائد لم يُعرف عنه استهداف “داعش”، الذي استولى على الرقة، (2014)، ثم تدمر (2015)، لا ببراميل متفجرة ولا بغيرها، ولا في أي مكان آخر، علماً أن “داعش” كان يتحرك بسيارات أو قوافل بين الرقة وتدمر وشرق العراق، بل إن “حزب الله” أيضاً لم يُعرف عنه أي موقعة في قتال “داعش”، على رغم استشراسه في قتال فصائل المعارضة السورية في حلب وإدلب، ودمشق، والقلمون، وحمص.
وفي المحصلة، تم تقليص أو إنهاء ظاهرة “داعش” من التحالف الدولي، الذي نظمته وقادته الولايات المتحدة، وليس من النظام السوري ولا من إيران، وميليشياتها الطائفية المسلحة، وكان أكثر المتضررين من قيامه: الثورة السورية، والشعبين العراقي والسوري.
على ذلك، فإن السؤال الملح المسكوت عنه، أو المحجوب، منذ سنوات، طالما كانت سجون “داعش”، طوال أكثر من خمسة أعوام، تحت سلطة “قسد”، في معتقلات شمال شرقي سوريا، هو: هل أجرت “قسد” تحقيقات لمعرفة تفاصيل عن نشوء هذا التنظيم الغريب؟ وعن تابعيته وارتباطاته ومصادر دعمه؟ وإذا كانت فعلت ذلك فلماذا لم تنشرها على الملأ لوضع الأطراف المعنية، والداعمة، أمام مسؤوليتها؟ ثم من مصلحة من إبقاء لغز هذا التنظيم المريب طي الكتمان؟ السؤال الأساسي لـ”قسد”، لكنه برسم مختلف الأطراف الفاعلة، ذات العلاقة بهذا الملف، أيضاً.
إقرأوا أيضاً:












