في ليلة السادس من شباط/ فبراير 2023، لم يكن منزل عائلة الرفاعي في هاتاي جنوب تركيا مجرد مأوى للاجئين مثقلين بذاكرة الحرب، كان حيزاً ضيقاً من الفرح المشوب بالحذر، حيث اجتمعت العائلة لتوقد شمعة الميلاد السابعة لطفلتهم إسلام. سبع سنوات من النزوح والشتات اختُصرت في تلك اللحظة، كعكة بسيطة، وضحكات طفولية، وأمنيات بأن يكون القادم أرحم. لكن في الساعة 04:17 فجراً، لم تطفئ إسلام شمعتها بزهو، بل أطبق العالم صمته فوق رأسها.

لم يسقط السقف عليها وحدها، بل هوى بكل ثقله ليحصد حياة الأب شريف، ويخمد أنفاس الأخت بيسان، وينهي حكاية الأخ سيف. في لحظة واحدة، تحولت عائلة الرفاعي من سجلات الأحياء إلى أرقام متسلسلة في مقبرة الغربة، حيث حُفر على رخام قبر إسلام -الذي يحمل الرقم 71- تاريخان يتطابقان بمرارة: 6/2/2016 ميلاداً، و6/2/2023 رحيلاً، وكأن القدر أراد أن يقول إن دائرة الوجع السوري قد أُغلقت تماماً في يوم ميلادها.
هذا السقوط المروع لم يكن مجرد مصادفة جيولوجية أو “غضب طبيعة” لا رادّ له، بل كان الفصل الأخير في بنية فساد متجذرة حيكت خيوطها بين جشع السماسرة وتواطؤ السياسة، إذ تحولت البيوت التي استأجرها السوريون بحثاً عن الأمان إلى “كمائن إهمال” كانت تنتظر هزة أرضية لتكشف عيوبها القاتلة.
هندسة الموت الجاهز
لا يمكن قراءة سقوط السقف فوق عائلة الرفاعي كحادث معزول أو مجرد “نحس” جيوغرافي، بل هو نتيجة حتمية لتفكيك البنية التحتية للفساد العقاري وهشاشة سياسات التوطين. فبينما كان الزلزال يضرب بعشوائية الطبيعة، كانت السياسات العمرانية والقيود الإدارية تضع السوريين في مواجهة مباشرة مع الموت. ففي المدن ذات الكثافة السورية العالية، لم يكن السكن خياراً حراً، بل “إقامة جبرية” ضمن منظومة تثبيت النفوس.
إذ حُصر اللاجئون في أحياء محددة يُمنحون فيها قيداً وعنواناً رسمياً، بينما يُحظر عليهم قانونياً السكن في أحياء أخرى أكثر حداثة وأماناً. تحول “عنوان السكن” من وثيقة إدارية إلى شرط للبقاء، فبدونه تتوقف المعاملات، ويصبح اللاجئ مهدداً بالترحيل في أي لحظة. هذا “الحصر المكاني” جعل من أجساد السوريين ساكناً دائماً في أبنية انتهى عمرها الافتراضي، نظراً الى عدم قدرتهم على تحمل تكاليف الإيجار الجنونية في المناطق الآمنة، أو خوفاً من فقدان “القيد القانوني”.

لكن حدود الكارثة لم تقف عند الأحياء القديمة، بل امتدت لتفضح زيف “الأمان” الذي سوّقته بعض القوانين التركية المحدثة بعد زلزال عام 1999، إذ كشفت كارثة 2023 أن التحديثات التشريعية التي وُضعت عام 2001 لضمان سلامة المباني ظلت “حبراً على ورق” من دون تنفيذ حقيقي. وهنا تبرز الحقائق الصادمة التي نقلها تقرير لشبكة “دويتشه فيله” (DW)، إذ يشير معهد الإحصاء التركي إلى أن أكثر من نصف المتضررين (51 في المئة) كانوا يقطنون في مبانٍ شُيدت بعد عام 2001، أي أنها خاضعة نظرياً لمعايير السلامة الحديثة.
هذا الانهيار في الأبنية “الحديثة” يعزوه الخبراء، ومنهم الأستاذ هالوك سوجو أوغلو، أستاذ الهندسة في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة ومدير مختبر الهندسة الإنشائية والزلازل، إلى غياب التطبيق وتفشّي نفوذ المقاولين الذين استغلوا علاقاتهم السياسية للتهرب من الرقابة، وتحويل عمليات التدقيق الهندسي إلى إجراء شكلي يموله المقاول نفسه، ما خلق تضارباً صارخاً في المصالح.
إقرأوا أيضاً:
لم تكن المشاريع السكنية التي وُصفت في إعلاناتها بأنها “ركن من أركان الجنة”، سوى واجهات لخللٍ إنشائي خطير. ففي مجمع “رونيسانس” في هاتاي، الذي انهار وابتلع المئات، انكشف التناقض الصارخ بين الصورة التسويقية والبنية الفعلية للمباني. لم يكن الأمر مجرد خطأ هندسي عابر، بل نتيجة شبكة من التساهل والتواطؤ، إذ تحولت معايير السلامة إلى إجراء شكلي، وتراجعت الرقابة أمام نفوذ المقاولين.
وقد وجّه الادعاء العام التركي الاتهام إلى 134 مقاولاً على خلفية انهيارات المباني، وأُلقي القبض على بعضهم في المطارات أثناء محاولتهم مغادرة البلاد، في مشهدٍ عكس حجم المسؤولية التي سعوا إلى الإفلات منها. بذلك، لم تسقط عائلة الرفاعي تحت أنقاض بناءٍ قديم فحسب، بل سقطت ضحية منظومة فساد عقاري غذّتها قوانين “عفو البناء” وحماها الغطاء السياسي، منظومة دفعت باللاجئين، المحاصَرين بقيود العنوان والإقامة، إلى السكن في أبنية تُسوَّق على أنها حديثة، فيما كانت تفتقر إلى أبسط معايير الأمان، لتتحول عند أول اختبار حقيقي إلى مقابر جماعية.
حين تصبح النجاة امتيازاً طبقياً وسياسياً
وإذا كانت جدران البيوت قد انهارت فوق رؤوس الجميع بلا تمييز، فقد كشف ما أعقب الهزّة عن تمايزٍ آخر، أقل ضجيجاً وأكثر قسوة. ففي الساعات الحاسمة التي تفصل بين الحياة والموت، لم تكن فرص النجاة متكافئة دائماً، بل خضعت ــ في حالات موثّقة وشهادات متقاطعة ــ لمنطق الانتقائية والأولوية. وسط مدنٍ مكسوة بالركام وبردٍ ينهش الأجساد العالقة، لم يكن الوصول إلى فرق الإنقاذ والمعدات الثقيلة مسألة زمن فحسب، بل مسألة موقع وهوية.
في بعض المواقع، مُنحت الأولوية لمبانٍ تضم موظفين أجانب أو مقارّ مؤسسات دولية، فيما تأخرت الاستجابة في أحياء مكتظة باللاجئين، حيث اضطر الأهالي إلى الحفر بأيديهم وأدوات بدائية، ينتظرون آليةً لا تأتي أو تصل بعد انطفاء الأصوات تحت الأنقاض. لم يكن ذلك مجرد انحياز شامل، بل انعكاساً لتراتبية إنسانية غير معلنة، جعلت بعض الأرواح أكثر استعجالاً للإنقاذ من غيرها.
تحولت “الساعات الحاسمة” للإنقاذ إلى دهور من العجز، فلم تكن المعركة تحت الأنقاض تقنية فحسب، بل مواجهة مع السياسة والعنصرية التي لم تغب حتى في ذروة الفاجعة. فقد وثّق صحافيون سوريون، ومنهم الصحافية إيلاف ياسين، التي فقدت شقيقها وزوجته في الزلزال، كيف استشرى الاستهتار بالأرواح، وكيف وصلت المعدات بدائية ومنهكة إلى بعض المواقع بعد فوات الأوان.
والمفارقة الأكثر إيلاماً كانت في تحويل “فعل النجدة” إلى تهمة، ففيما كان الشبان السوريون يخاطرون بحياتهم لدخول الشقوق ونجدة الجيران، لاحقتهم سهام العنصرية، ونُزعت عنهم صفة المنقذين لتُلصق بهم تهمة “اللصوص”. لقد عرّى الزلزال حقيقة الوجود السوري آنذاك: لم يكن اللاجئ مجرد ضحية للطبيعة، بل ضحية “هرمية الإنقاذ” التي وضعته في أسفل السلم الإنساني، وكأن موته تحت الأنقاض كان أقل كلفة سياسية من إنقاذه.
جغرافيا الفقد
لم تكن هاتاي وحدها مسرحاً لهذا الموت الجماعي، بل امتدت خارطة الفجيعة لتلتهم أرواح السوريين في مرعش والإصلاحية وعينتاب، حيث تحولت التجمعات السكنية للاجئين إلى ركام في ثوانٍ. وبينما سجلت الإحصاءات الرسمية مقتل نحو 6,100 سوري داخل الأراضي التركية، تشير التقديرات الحقوقية إلى أرقام أثقل، غُيبت خلف أنقاض دُفنت فيها عائلات كاملة من دون توثيق. وتجلت ذروة المأساة في مشهد “الجثث العابرة للحدود”، إذ تحول معبر “باب الهوى” إلى ممر جنائزي عبر منه أكثر من 1,800 جثمان لسوريين، نُقلوا من شوارع تركيا الباردة ليُدفنوا في تراب شمال سوريا. هذا “الشتات الجنائزي” يعكس حقيقة الوجع السوري، فلم يجد هؤلاء الأمان في بيوتهم أحياءً، ولم تجد أجسادهم مستقراً في منافيهم أمواتاً.
السقف الذي سقط مرتين
الوقوف اليوم أمام قبر الطفلة إسلام الرفاعي في عام 2026 يتطلّب جرأة على تسمية الأشياء بأسمائها. فالسقف الذي هوى على عائلتها في هاتاي لم يكن أول سقف يسقط فوق رؤوسهم. البداية كانت في دمشق، حين تحوّلت بيوت السوريين إلى أهداف عسكرية، ودُفع الملايين إلى تغريبة قسرية بحثاً عن ملاذٍ لم يكن آمناً بما يكفي. لم تكن إسلام وعائلتها ضحايا هزّة أرضية فحسب، بل ضحايا مسار طويل من نزع الأمان، بدأ بفقدان البيت والمواطنة، وانتهى تحت ركام بيتٍ في المنفى. بدا الزلزال، في هذا السياق، امتداداً لمأساة سبقتْه بسنوات، لا حادثاً منفصلاً عنها.
غير أن المسؤولية لم تتوقف عند حدود السلطة التي أنتجت التهجير. فقد ترسّخ، طوال سنوات الحرب واللجوء، تعاملٌ دوليّ مع السوري بوصفه أزمة مزمنة يمكن إدارتها لا حلّها، رقماً في نشرات الأخبار، أو بنداً في خطط تمويل قابلة للتقليص والتأجيل. وحتى في كارثة الزلزال، ظلّ وضع آلاف اللاجئين هشّاً قانونياً، معتمدين على أنظمة حماية مؤقتة لم تكن تضمن استقراراً دائماً ولا شبكة أمان متكاملة. تعقّدت آليات التنسيق، وتأخرت الاستجابات في بعض المناطق، وبقيت حياة اللاجئ معلّقة بين سياسات الهجرة وحسابات الدعم الدولي. في مثل هذا المناخ، لم يكن موت السوري حدثاً استثنائياً يخلخل النظام الدولي، بل خسارة أُدرجت ضمن كلفة الكارثة.

هكذا سقط السقف فوق إسلام مرتين: مرة حين أُجبرت عائلتها على مغادرة وطنها تحت وطأة العنف، ومرة حين انهار البيت الذي لجأت إليه طلباً للنجاة. بين السقوطين مسافة سنوات، لكنها في الحقيقة مسارٌ واحد من هشاشةٍ عابرة للحدود، جعلت حياة اللاجئ رهينة الجغرافيا والسياسة معاً.
في الذكرى السنوية للزلزال، لا تبدو شواهد القبور في تلك المقبرة التركية ــ إسلام، شريف، بيسان، سيف ــ مجرد أسماء صامتة، بل سردية كاملة عن بيتٍ لم يصمد في وطنه، ولا في منفاه. يبرز القبر رقم 71، بتاريخين متطابقين، كتذكير قاسٍ بأن الأمان الذي وُعد به اللاجئون كان مؤقتاً وهشّاً مثل أوراق إقامتهم.
مأساة عائلة الرفاعي لا تختصرها عبارة “كارثة طبيعية”، إنها خلاصة منظومة كاملة شرعنت التهجير، وطبّعت مع الهشاشة، وجعلت النجاة امتيازاً لا حقاً. العدالة لإسلام لا تتحقق برثاء اسمها، بل بإعادة تعريف معنى الحماية ذاته: ألا يكون الحق في الحياة رهين المصادفة، ولا أن يتحوّل السقف ــ أيّ سقف ــ إلى احتمال موتٍ مؤجّل.












