ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

السلاح المنفلت في لبنان.. مسلسل موت عشوائي لا يتوقّف 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

توقّف صوت الرصاص لدقائق عدة، وحلّ محلّه صوت صراخ وعويل قادم من بعيد، تبعه صوت أبواق السيارات الهاربة من الموت المحتمل. “أكيد مات حدا”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

سمعت الرصاصات الأولى للاشتباك أثناء وجودي في منزل العائلة على مقربة شارعين من الحادثة. أخبرت والدتي فوراً بأنني سأغادر إلى حيث أسكن قبل أن تحتدم الأمور، “خايفة تموتي؟”، ردّت أمي ساخرة من خوفي أن أقع ضحية رصاصةٍ طائشة في واحد من هذه الاشتباكات التي تحوّلت إلى حدث لا يبعث عادةً على قلق مشابه لدي، فقد حفظناها وحفظنا آلية حماية أنفسنا منها: التزام البيت حتى يأذن لنا الله بغير ذلك.

“كلا، لكنني لا أحبّذ الموت بهذه الطريقة الساذجة”، أجبت والدتي، ليس لأن لدي طريقة محبّذة أو مثالية للموت، لكنني في تلك اللحظة بالذات، وأمام كل أشكال الموت التي نشاهدها، شعرت برهبة أن نموت فقط لأن آخرين قرروا ذلك، أن أتحول أنا أو أيٌ من أفراد عائلتي، وأي شخص آخر، إلى ضحية لهذه العبثيّة المتكررة.

“علقانين بيت زعيتر”، رسالة واحدة بعثتها لأخوتي الموجودين في أماكن مختلفة، لتحذيرهم من طريق العودة. وغادرت المنزل في غمرة انشغال المتقاتلين بتفقّد جرحاهم وموتاهم. لم يكن هرباً من الموت، على قدر ما كان هرباً من واقع لا يُطاق، واقعٌ أصبحت فيه حياة الفرد رخيصة، لا يدري خلالها أي شكلٌ من أشكال الموت ينتظره، وعلى يد من سيتحوّل إلى ذكرى، واقعٌ تراق فيه الدماء ثمناً لصورة. 

 توقّف صوت الرصاص لدقائق عدة، وحلّ محلّه صوت صراخ وعويل قادم من بعيد، تبعه صوت أبواق السيارات الهاربة من الموت المحتمل. “أكيد مات حدا”، قلت لأمي التي سارعت وصديقاتها في الحي الى تحويل “غروب الواتساب” الخاص بهن إلى غرفة أخبار، يتبادلن فيه القلق والإشاعات والأسماء والتسجيلات التي ترصد كثافة الرصاص وصوت سيارات الإسعاف التي هبّت الى إنقاذ المصابين.

 لم يكن هرباً من الموت، على قدر ما كان هرباً من واقع لا يُطاق، واقعٌ أصبحت فيه حياة الفرد رخيصة.

حياتنا ليست رخيصة

عشية نهار السبت 23 من هذا الشهر، وقع إشكال بين شبان من آل زعيتر في حي الليلكي في الضاحية الجنوبية، تخلّله إطلاق نار متبادل وقع ضحيّته قتيلان من العائلة، وعدد من الجرحى. 

بحسب ما تناقلته وسائل إعلام محلية، بدأ الإشكال على خلفية تعليق المدعو ح.ع. زعيتر صورةً تتضمن عدداً من قتلى العائلة الذين قضوا في ملاحقات أمنية على يد أجهزة الدولة، من ضمنها صورة التوأم حسين وحسن زعيتر اللذين قُتلا بحادثتين مختلفتين خلال السنوات الماضية. اعترض هادي، الشقيق الثالث، على فكرة تعليق الصورة، فعلى حد قوله كما نقلت عنه تقارير إعلامية، “ظُلم” شقيقاه بينما الآخرون متهمون بجرائم قتل وتجارة المخدرات. 

تطوّر الإشكال إلى اشتباك مسلّح، أدى الى إصابة و.  زعيتر برصاصة في رأسه، لينقله هادي بعدها إلى المستشفى. وعند عودته، ترصّدته مجموعة من الشبان وأطلقت عليه النار، ما أدى إلى مقتله وإصابة شقيقه الرابع برصاصة في كتفه.

سادت المنطقة حالة من التوتر، عالجها الجيش بالتمركز لساعات قليلة على تخوم الحي وتطويقه، من دون التوغل إلى مكان الحادثة أو محاولة القبض على أي من المشاركين في الاشتباك.

هذا النوع من الاشتباكات والتوترات الناتجة منها ليس جديداً على المنطقة، ففي مطلع شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أقدم عناصر من قوى الأمن على قتل شاب من آل زعيتر مطلوب، أثناء اعتقاله في أحد محلات الألعاب الإلكترونية في المنطقة، بعد محاولته التصدي لهم بسلاحه الفردي. 

حينها، اتهمت عائلته آخرين في المنطقة بالتبليغ عن مكان وجوده، وتوعدت بالانتقام لقتله. بدأ تبادل إطلاق نار بين أطراف مختلفة امتدّ ليومين متتالين، تدخّل على إثره الجيش الذي تحوّل إلى طرف ثالث في الاشتباك، برتل من الدبابات والآليات العسكرية، والتي كانت كفيلة بوضع خاتمة مؤقتة لهذا النزاع.

يختلف هذا الاشتباك عن الأول، وغيره من الاشتباكات المسلّحة التي اعتادت المنطقة حصولها، بكونه عائلياً، أي تقتضي المصلحة العليا للمتناحرين إخماده قبل أن يتحول إلى شلال دم من صلب واحد، وهو ما لا يحدث في النزاعات الأخرى، حيث يكون الثأر من أطراف أخرى، ولا ينتهي عادةً إلا بخاتمة ترضي تعطّش القاتل والمقتول الى الدم والعدالة الغائبة.

حتى اليوم، لا تزال خاتمة هذه الحكاية مرهونةً بقدرة “المصلحين” على ضبط الأمور، وبما ستؤول إليه حالة و.زعيتر الصحية، إذ يرقد بحالة حرجة في المستشفى. فموته بلا شك سيعمق من حدة الأزمة، وسيستلزم الأمر إراقة دماء جديدة لخاتمة تتماهى مع العقلية العشائرية التي تحكم المنطقة. أما أجهزة الدولة الأمنية، فستغيب بلا شك، وستترك لهؤلاء أن يحققوا عدالتهم المنصوصة بقوانين عرفية، لا تلتزم بكل الأحكام والدساتير الرسمية والشرعية، التي من المفترض تطبيقها على أراضي وأبناء هذه الدولة المتهالكة كافة.

“العترة” على الأحياء

تثير حوادث الموت الفردية ضجيجاً أقل حينما تتزامن مع حوادث موت جماعي، فيما تثير حوادث الموت العادي سخطاً أقل من الموت المفتعل. لكن الحقيقة، أن كل أشكال الموت ثقيلة وفجة، الفردي والجماعي والطائش والخاطئ والمقصود. وعلى حدّ قول أبي “العترة مش عالميت العترة على الأحياء”، على الأمهات في كل مكان، وهن يودعن أبناءهن، الواحد تلو الأخر، أياً كانت البندقية الموجّهة إلى صدورهم، أياً كان مطلق الرصاصة: عدو صريح، ميليشيات مسلحة أو أجهزة السلطة، تمنح شرعية القتل العشوائي لشبان هم في الأصل ضحية غياب هذه الدولة بفعل قوى الأمر الواقع، وتهميش قيمة حياتهم، وأياً كان القاتل، قريباً من الدم ذاته، أو غريباً عنه.

قُتل حسين زعيتر عام 2020  إثر خلاف على موقف سيارة في منطقة البرج، فانتقم شقيقه حسن له بعد سنةٍ من مقتله، متوعداً بقتل من تبقى من مشاركين في الجريمة، بعدما تقاعست الدولة عن محاسبتهم، لأنهم يحظون بغطاء سياسي. ليقوم الجيش بعدها بقتل حسن واثنين آخرين معه أثناء مداهمته، حيث اختبأ في “حي الشراونة” في منطقة بعلبك، وقُتل هادي لأنه رفض اعتبار أن يكون شقيقاه المتوفان مجرمين. وهكذا، أدى خلاف ساذج ولحظة تهوّر، إلى مقتل مجموعة من الأشخاص يجمعها رابطٌ واضحٌ: العيش في بلادٍ لا قيمة فيها لحياة الفرد ولا اعتبار لأمنه وحقوقه وللعدالة أيضاً.

“العترة” ليست على الميت، “العترة” علينا نحن الأحياء، نحن الذين نعيش كل يوم قلقاً داهماً على أحبّتنا، على أنفسنا، على حياتنا المثقلة في الأصل بمشاهد متكررة من الموت والخوف منه والتعايش معه. 

28.03.2024
زمن القراءة: 4 minutes

توقّف صوت الرصاص لدقائق عدة، وحلّ محلّه صوت صراخ وعويل قادم من بعيد، تبعه صوت أبواق السيارات الهاربة من الموت المحتمل. “أكيد مات حدا”.

سمعت الرصاصات الأولى للاشتباك أثناء وجودي في منزل العائلة على مقربة شارعين من الحادثة. أخبرت والدتي فوراً بأنني سأغادر إلى حيث أسكن قبل أن تحتدم الأمور، “خايفة تموتي؟”، ردّت أمي ساخرة من خوفي أن أقع ضحية رصاصةٍ طائشة في واحد من هذه الاشتباكات التي تحوّلت إلى حدث لا يبعث عادةً على قلق مشابه لدي، فقد حفظناها وحفظنا آلية حماية أنفسنا منها: التزام البيت حتى يأذن لنا الله بغير ذلك.

“كلا، لكنني لا أحبّذ الموت بهذه الطريقة الساذجة”، أجبت والدتي، ليس لأن لدي طريقة محبّذة أو مثالية للموت، لكنني في تلك اللحظة بالذات، وأمام كل أشكال الموت التي نشاهدها، شعرت برهبة أن نموت فقط لأن آخرين قرروا ذلك، أن أتحول أنا أو أيٌ من أفراد عائلتي، وأي شخص آخر، إلى ضحية لهذه العبثيّة المتكررة.

“علقانين بيت زعيتر”، رسالة واحدة بعثتها لأخوتي الموجودين في أماكن مختلفة، لتحذيرهم من طريق العودة. وغادرت المنزل في غمرة انشغال المتقاتلين بتفقّد جرحاهم وموتاهم. لم يكن هرباً من الموت، على قدر ما كان هرباً من واقع لا يُطاق، واقعٌ أصبحت فيه حياة الفرد رخيصة، لا يدري خلالها أي شكلٌ من أشكال الموت ينتظره، وعلى يد من سيتحوّل إلى ذكرى، واقعٌ تراق فيه الدماء ثمناً لصورة. 

 توقّف صوت الرصاص لدقائق عدة، وحلّ محلّه صوت صراخ وعويل قادم من بعيد، تبعه صوت أبواق السيارات الهاربة من الموت المحتمل. “أكيد مات حدا”، قلت لأمي التي سارعت وصديقاتها في الحي الى تحويل “غروب الواتساب” الخاص بهن إلى غرفة أخبار، يتبادلن فيه القلق والإشاعات والأسماء والتسجيلات التي ترصد كثافة الرصاص وصوت سيارات الإسعاف التي هبّت الى إنقاذ المصابين.

 لم يكن هرباً من الموت، على قدر ما كان هرباً من واقع لا يُطاق، واقعٌ أصبحت فيه حياة الفرد رخيصة.

حياتنا ليست رخيصة

عشية نهار السبت 23 من هذا الشهر، وقع إشكال بين شبان من آل زعيتر في حي الليلكي في الضاحية الجنوبية، تخلّله إطلاق نار متبادل وقع ضحيّته قتيلان من العائلة، وعدد من الجرحى. 

بحسب ما تناقلته وسائل إعلام محلية، بدأ الإشكال على خلفية تعليق المدعو ح.ع. زعيتر صورةً تتضمن عدداً من قتلى العائلة الذين قضوا في ملاحقات أمنية على يد أجهزة الدولة، من ضمنها صورة التوأم حسين وحسن زعيتر اللذين قُتلا بحادثتين مختلفتين خلال السنوات الماضية. اعترض هادي، الشقيق الثالث، على فكرة تعليق الصورة، فعلى حد قوله كما نقلت عنه تقارير إعلامية، “ظُلم” شقيقاه بينما الآخرون متهمون بجرائم قتل وتجارة المخدرات. 

تطوّر الإشكال إلى اشتباك مسلّح، أدى الى إصابة و.  زعيتر برصاصة في رأسه، لينقله هادي بعدها إلى المستشفى. وعند عودته، ترصّدته مجموعة من الشبان وأطلقت عليه النار، ما أدى إلى مقتله وإصابة شقيقه الرابع برصاصة في كتفه.

سادت المنطقة حالة من التوتر، عالجها الجيش بالتمركز لساعات قليلة على تخوم الحي وتطويقه، من دون التوغل إلى مكان الحادثة أو محاولة القبض على أي من المشاركين في الاشتباك.

هذا النوع من الاشتباكات والتوترات الناتجة منها ليس جديداً على المنطقة، ففي مطلع شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أقدم عناصر من قوى الأمن على قتل شاب من آل زعيتر مطلوب، أثناء اعتقاله في أحد محلات الألعاب الإلكترونية في المنطقة، بعد محاولته التصدي لهم بسلاحه الفردي. 

حينها، اتهمت عائلته آخرين في المنطقة بالتبليغ عن مكان وجوده، وتوعدت بالانتقام لقتله. بدأ تبادل إطلاق نار بين أطراف مختلفة امتدّ ليومين متتالين، تدخّل على إثره الجيش الذي تحوّل إلى طرف ثالث في الاشتباك، برتل من الدبابات والآليات العسكرية، والتي كانت كفيلة بوضع خاتمة مؤقتة لهذا النزاع.

يختلف هذا الاشتباك عن الأول، وغيره من الاشتباكات المسلّحة التي اعتادت المنطقة حصولها، بكونه عائلياً، أي تقتضي المصلحة العليا للمتناحرين إخماده قبل أن يتحول إلى شلال دم من صلب واحد، وهو ما لا يحدث في النزاعات الأخرى، حيث يكون الثأر من أطراف أخرى، ولا ينتهي عادةً إلا بخاتمة ترضي تعطّش القاتل والمقتول الى الدم والعدالة الغائبة.

حتى اليوم، لا تزال خاتمة هذه الحكاية مرهونةً بقدرة “المصلحين” على ضبط الأمور، وبما ستؤول إليه حالة و.زعيتر الصحية، إذ يرقد بحالة حرجة في المستشفى. فموته بلا شك سيعمق من حدة الأزمة، وسيستلزم الأمر إراقة دماء جديدة لخاتمة تتماهى مع العقلية العشائرية التي تحكم المنطقة. أما أجهزة الدولة الأمنية، فستغيب بلا شك، وستترك لهؤلاء أن يحققوا عدالتهم المنصوصة بقوانين عرفية، لا تلتزم بكل الأحكام والدساتير الرسمية والشرعية، التي من المفترض تطبيقها على أراضي وأبناء هذه الدولة المتهالكة كافة.

“العترة” على الأحياء

تثير حوادث الموت الفردية ضجيجاً أقل حينما تتزامن مع حوادث موت جماعي، فيما تثير حوادث الموت العادي سخطاً أقل من الموت المفتعل. لكن الحقيقة، أن كل أشكال الموت ثقيلة وفجة، الفردي والجماعي والطائش والخاطئ والمقصود. وعلى حدّ قول أبي “العترة مش عالميت العترة على الأحياء”، على الأمهات في كل مكان، وهن يودعن أبناءهن، الواحد تلو الأخر، أياً كانت البندقية الموجّهة إلى صدورهم، أياً كان مطلق الرصاصة: عدو صريح، ميليشيات مسلحة أو أجهزة السلطة، تمنح شرعية القتل العشوائي لشبان هم في الأصل ضحية غياب هذه الدولة بفعل قوى الأمر الواقع، وتهميش قيمة حياتهم، وأياً كان القاتل، قريباً من الدم ذاته، أو غريباً عنه.

قُتل حسين زعيتر عام 2020  إثر خلاف على موقف سيارة في منطقة البرج، فانتقم شقيقه حسن له بعد سنةٍ من مقتله، متوعداً بقتل من تبقى من مشاركين في الجريمة، بعدما تقاعست الدولة عن محاسبتهم، لأنهم يحظون بغطاء سياسي. ليقوم الجيش بعدها بقتل حسن واثنين آخرين معه أثناء مداهمته، حيث اختبأ في “حي الشراونة” في منطقة بعلبك، وقُتل هادي لأنه رفض اعتبار أن يكون شقيقاه المتوفان مجرمين. وهكذا، أدى خلاف ساذج ولحظة تهوّر، إلى مقتل مجموعة من الأشخاص يجمعها رابطٌ واضحٌ: العيش في بلادٍ لا قيمة فيها لحياة الفرد ولا اعتبار لأمنه وحقوقه وللعدالة أيضاً.

“العترة” ليست على الميت، “العترة” علينا نحن الأحياء، نحن الذين نعيش كل يوم قلقاً داهماً على أحبّتنا، على أنفسنا، على حياتنا المثقلة في الأصل بمشاهد متكررة من الموت والخوف منه والتعايش معه.