“بعدني عم بقبض على القديم بوقت إجت فاتورة الموتور لشهر آب 300 دولار، وفاتورة كهربا الدولة 100 دولار”، “دفعت حق الكتب ورحت عالمدرسة لإدفع قرطاسية والـ costume طالبت الإدارة مني إدفع جزء من القسط وإلا ما بتفوت بنتي على المدرسة”، “كنت إدفع بكل الأسبوع 20 دولار بنزين صرت لإدفع 40″… هذه عيّنات من لسان حال المواطنين اللبنانيين هذه الأيام، في ظل الغلاء الفاحش الذي يطاول القطاعات كافة في البلاد.
كل أسبوع تقريباً، يفتح اللبناني هاتفه ليقرأ خبراً واحداً يتكرر بصيغ مختلفة: “ارتفاع جديد في أسعار المحروقات”. الرقم يتغيّر، لكن المسار لا يتغيّر أبداً؛ فمنذ مطلع أيلول/ سبتمبر وحده، ارتفع سعر صفيحة البنزين مرتين خلال أيام معدودة، قبل أن تسجّل اليوم، الخميس 11 أيلول، زيادة جديدة بلغت 49 ألف ليرة لبنانية. وهكذا، قفز سعر صفيحة الـ95 أوكتان من نحو مليونين و570 ألف ليرة إلى مليونين و630 ألف ليرة، ثم إلى مليونين و679 ألف ليرة اليوم، أي بزيادة إجمالية بلغت 109 آلاف ليرة خلال فترة قصيرة. والمفارقة أن هذا الارتفاع لا يأتي بفعل أزمة محلية بحتة، فهو نتيجة اضطراب في الأسواق العالمية مرتبط بمضيق هرمز وتصاعد التوتر الإقليمي وتهديدات إيرانية بالرد على أي هجمات أميركية جديدة، ما يعزز المخاوف من اضطرابات في إمدادات النفط عبر هرمز، فترتدّ تكلفتها مباشرة على جيب المواطن اللبناني، بمعزل عمّا إذا كان طرفاً في هذا الصراع أو متفرّجاً يدفع الثمن.
هذا الارتفاع لا يقف عند حدود محطة الوقود. فكلفة النقل تدخل في تسعير كل شيء تقريباً: من ثمن ربطة الخبز إلى أجرة السرفيس، مروراً بفاتورة الكهرباء البديلة التي يموّلها أصحاب المولدات بالمازوت. بالتالي، فإن صفيحة البنزين ليست فقط رقماً في جدول أسبوعي تصدره نقابة أصحاب محطات المحروقات، وإنما مؤشر يعيد تشكيل كلفة الحياة اليومية بكاملها، من دون أن يرافقه أي تعديل موازٍ في الدخل.
في هذا الإطار يقول شربل (60 عاماً): “إجت فاتورة الموتور لشهر آب 300 دولار، وفاتورة كهربا الدولة 100 دولار، والمعاشات بالكاد تعدلت بعد أزمة المصارف، والحد الأدنى للأجور ما بكفيك يومين بالشهر”. ويضيف: ” لو ما ولادي بيشتغلوا وبيساعدوني ما بعرف كيف كنت اقدرت وقّف على إجريي”.
المدرسة: فاتورة لا ترحم
وفيما البنزين يستنزف اللبناني على مدار الأسبوع، فإن العام الدراسي يستنزفه دفعة واحدة. فمع اقتراب موعد افتتاح المدارس، تتوالى شكاوى الأهالي من أقساط لم تعد تُحتسب وفق أي معيار واضح. فبينما تشير دراسة أعدّها اتحاد لجان الأهل بالتعاون مع مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية، إلى أن الزيادة المقبولة على القسط يجب ألا تتجاوز 36 إلى 150 دولاراً عن كل تلميذ، فإن الواقع في عدد كبير من المدارس الخاصة إن لم نقل جميعها، يروي قصة مختلفة تماماً: زيادات تخطّت الألف دولار وأكثر في بعض المؤسسات، وأقساط سنوية اقتربت من الخمسة آلاف دولار في مدارس أخرى، من دون أن يكون لمجالس الأهل دور يُذكر في القرار.
ولم تعد المشكلة محصورة بالقسط وحده. فمع اقتراب بدء العام الدراسي، سجّلت أسعار القرطاسية زيادات وصلت إلى نحو 20 في المئة، فيما ارتفعت أسعار الكتب الأجنبية بنسبة تراوحت بين 2 و3 في المئة، لتضاف هذه الكلفة إلى فاتورة الزي والنقل المدرسيين، فيما لا تزال الكتب الوطنية وحدها محافظة على أسعارها. وبالتالي، باتت الأسرة اللبنانية مضطرة كل صيف إلى إعادة ترتيب أولوياتها بالكامل لتأمين مقعد دراسي لأولادها، بينما لا تملك في المقابل أي أداة ضغط حقيقية أمام إدارات مدارس تفرض شروطها بمعزل عن موافقة الأهل.
تقول ميراي (44 عاماً) إحدى السيدات التي التقاها “درج”: “عندي بنت وحدة وأنجأ قادرة علّما فكيف بالأحرى يلو عندو ولدين و3”. وتضيف: “دفعت حق الكتب ورحت عالمدرسة لإدفع قرطاسية والـcostume طلبت الإدارة مني إدفع جزء من القسط وإلا ما بتفوت بنتي على المدرسة، مع إنو ولا مرة انكسرت على القسط.
أما السيدة ميشلا (46 عاماً)، فقد أكدت أن مدرسة أولادها فرضت زيادة على الأقساط تعدت الـ15 في المئة، فيما ارتفع بدل النقل السنوي من 1050 دولاراً الى 1350 دولاراً للولد الواحد”.
سلّة الأسعار تتضخم
وإذا كان البنزين والمدرسة عنوانَين بارزَين للغلاء، فإن سلّة الأسعار اليومية لا تقل قسوة، وفق البيانات الرسمية نفسها. فبحسب إدارة الإحصاء المركزي، الجهة الرسمية المخوّلة بقياس التضخم في لبنان، سجّل مؤشر أسعار الاستهلاك تغيراً سنوياً بلغ 17.25 في المئة في حزيران/ يونيو 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بعدما كان قد سجّل ارتفاعاً شهرياً حاداً بلغ 4.91 في المئة في آذار/ مارس وحده. وتتقاطع هذه الأرقام الرسمية مع مؤشر أصدرته جمعية حماية المستهلك عن النصف الأول من عام 2026، رصد ارتفاعاً بلغ 19.05 في المئة في أسعار 140 سلعة وخدمة أساسية لا يستغني عنها أي منزل لبناني، مبيّناً أن وطأة الغلاء تتركز بشكل أكبر في بنود الاستهلاك اليومي: فقد ارتفعت أسعار الفاكهة 22.8 في المئة بين الفصلين الأول والثاني من العام، تلتها الألبان والأجبان بنسبة 11.5 في المئة، ثم اللحوم بـ7 في المئة، والخضار بـ2 في المئة، وهي سلع أساسية تحتاجها العائلة بشكل يومي. وبذلك كله، تكتمل حلقة الغلاء التي تضرب كل بند تقريباً في موازنة الأسرة اللبنانية الشهرية.
تقول سهام (47 عاماً)، إن الأسعار تختلف بين يوم وآخر وتطرأ عليها ارتفاعات مستمرة، وتضيف: “كنت جيب غراض الشهر الأساسية بـ200 دولار، هلأ ما بقا تجبلك ربع الغراض”. وتتابع: “أوقات كتير بستغني عن مواد أساسية لخفف من الفاتورة، ما في غير حل بظل هالغلا الفاحش”.
الحد الأدنى مجمّد والغلاء في أوجه
في مقابل هذا السيل من الزيادات، يبقى الحد الأدنى الرسمي للأجور على حاله، عند نحو 28 مليون ليرة لبنانية، رقم صيغ في ظروف اقتصادية كارثية. وتشير دراسات أولية استند إليها رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر إلى أن الحد الأدنى المفترض لعائلة مؤلفة من أربعة أشخاص يجب أن يلامس الـ1200 دولار شهرياً كي يواكب كلفة المعيشة الفعلية، أي أضعاف الرقم المعتمد رسمياً حين يُحتسب وفق سعر صرف السوق. كما دعا الاتحاد العمالي إلى إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور، وصرف زيادة غلاء معيشة، ورفع بدل النقل اليومي بما يتناسب مع غلاء المحروقات الذي يطاول كل فئات العمال في مختلف القطاعات.
غير أن هذا المطلب يصطدم عند كل محطة بجدار الواقع الاقتصادي: فموازنة عام 2026 التي أُقرّت لم تتضمن أي اعتمادات تلحظ زيادات على الأجور، فيما لا تزال الهيئات الاقتصادية متمسكة برفض أي تعديل على الحد الأدنى أو على شطور غلاء المعيشة التي يخضع لها نحو 450 ألف عامل مشمولين بقانون العمل. وبين مطلب نقابي محق في ظل تراجع القدرة الشرائية، وواقع اقتصادي يفرض قيوده على المؤسسات، يبقى العامل اللبناني الحلقة الأضعف في هذه المعادلة: ارتفاع أسبوعي يتكبده في محطة الوقود، وارتفاع سنويّ ينتظره على باب المدرسة، فيما يبقى أجره ثابتاً في مكانه، وكأنه وُضع في الثلاجة وتم نسيانه.
الفقر يتمدد
وسط هذا الغلاء، لم يعد الحديث عن الفقر في لبنان حديثاً عن استثناء، هو حديث عن واقع يطاول شريحة واسعة من المواطنين. ووفق أحدث تقييم للبنك الدولي، ارتفع الفقر في لبنان إلى 44 في المئة في عام 2022، مقارنة بـ12 في المئة عام 2012، أي أنه ارتفع بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال عقد. ويستند الرقم إلى مسح للأسر شمل خمس محافظات ومعظم مناطق جبل لبنان.
وفي تحديثه الأخير، يشير البنك الدولي إلى أن الفقر بين اللبنانيين ظل مرتفعاً لكنه استقر في 2025 بعد بلوغه ذروته في 2024 نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالصراع والانكماش الاقتصادي. كما تراجع انعدام الأمن الغذائي من ذروته البالغة 24 في المئة في أواخر 2024 إلى نحو 13 في المئة في أوائل 2026، قبل اندلاع الصراع الأخير، وإن بقي مرتفعاً مقارنة بالمستويات التاريخية.
لكن استمرار الصراع والاضطرابات الاقتصادية يعيدان الضغط على الأسر، وسط تحذيرات من تفاقم أوضاع الفئات الأكثر هشاشة.
ما يجمع بين هذه الملفات أنها لا تستنزف جيب اللبناني فقط، وإنما تكشف أيضاً غياب أي آلية فعلية تربط الأجور بكلفة المعيشة المتحركة. فبينما تُعدَّل أسعار المحروقات أسبوعياً بحسب تقلبات السوق العالمية، وتُرفع الأقساط المدرسية سنوياً بقرارات إدارية منفردة، وترتفع أسعار السلع الغذائية باستمرار من دون رقيب أو حسيب، يبقى النقاش حول تصحيح الأجور معلّقاً بين دراسات أولية ووعود بمقاربته “في المرحلة المقبلة”. أما الدولة فغائبة تماماً عن هموم المواطن ومشاكله المعيشية، فيما الفواتير تحاصره من كل حدب وصوب.
إقرأوا أيضاً:










