ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

السودان… عندما تصبح الهويّة مصيدة للقتل

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم تكتفِ الحرب في السودان بتقويض قدرة الدولة على البقاء موحّدة؛ حيث توجد حالياً حكومتان، بل أنهت إمكانية التعايش بين المجتمعات بسبب الاستهداف القائم على الهويّة، وهو استهداف سيتحوّل في نهاية المطاف إلى خوف يُنقل إلى الأجيال الجديدة، بمفهوم أن الآخر خطر يتوجّب قتاله واضطهاده.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يقوَ سالم أبكر على الصمت أمام الإهانة التي تعرّضت لها والدته في نقطة التفتيش، عندما أطلق عليها أحد عناصر “الدعم السريع” كلمة “خادم”؛ وهي مفردة تُستخدم في السودان كوصف عنصري للنساء ذوات البشرة الداكنة، تعبيراً عن الاستعلاء العرقي، حيث حاول توبيخ الجندي بأن سنّ والدته يستحقّ الاحترام.  

طوّق زملاء الجندي أبكر وجلدوه بالسياط قبل أن يعتقلوه، طالبين من الأمّ إكمال طريقها إلى نيالا وحدها، حيث كانا ذاهبين إلى المدينة التي اتّخذتها “الدعم السريع” وحلفاؤها عاصمة للحكومة الموازية، بغرض العلاج.  

تقول خديجة لـ “درج” إنها لا تعرف مصير ابنها، رغم مرور ثلاثة أشهر على الواقعة، ودون أيّ أمل في عودته، إذ تملك يقيناً راسخاً أنه قُتل فور مغادرة السيارة التي أقلّها من نقطة التفتيش، في الطريق الرابط بين نيالا وقريضة حيث أتت.  

وتُرجع هذا اليقين إلى عدم تورّع مقاتلي “الدعم السريع” عن تعذيب كلّ فرد يعترض على أساليبهم وإخفائه واغتياله، بخاصّة إذا كان منحدراً من القبائل الإفريقية في دارفور، بذريعة التعاون مع الجيش، ومن يكون محظوظاً يُودع في سجن دقريس قرب نيالا، الذي يُحتجز فيه حالياً 5 آلاف مدني من جملة 19 ألف معتقل.  

بالمقابل، يُجري جنود الجيش ومقاتلو الجماعات المتحالفة معه، تفتيشاً دقيقاً لجميع المسافرين في نقاط الارتكاز داخل المدن وخارجها، بحثاً عن متعاونين مع الطرف الآخر، حيث يُقدَّم بعض الأشخاص إلى المحاكمة، وآخرون يلقون حتفهم في مراكز الاحتجاز.  

إصرار على الأذى  

يعتمد الجيش و”الدعم السريع” في نقاط التفتيش على الهويّة لتجريم الأشخاص مسبقاً، فإذا كنت من القبائل العربية في دارفور وغرب كردفان أو جنوبه فأنت مدان عند الأوّل، فيما تصبح متعاوناً عند الثاني إذا كنت منحدراً من شمال السودان أو وسطه.  

ورغم أن تجريم الأشخاص بناءً على الهويّة أمر معتاد في حروب السودان خاصّة في دارفور، فقد توسّع في سياق النزاع الحالي حتى بلغ مرحلة إبادة جماعية بحقّ عرقية المساليت.  

وارتكبت “الدعم السريع” جرائم قتل جماعي وعنف جنسي، عند اجتياح مخيّم زمزم قرب الفاشر في شمال دارفور في نيسان/ أبريل الماضي، بدافع الهويّة والانتماء، وواصلت اقتراف هذه الانتهاكات بعد سيطرتها على المدينة في 26 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، كما قتلت 200 مدني بالدافع ذاته في الهجمات التي نفّذتها في غرب دارفور وشماله.  

وشنّ الجيش وحلفاؤه هجمات بدافع الهويّة، في ولاية الجزيرة وسط البلاد، وفي العاصمة الخرطوم راح ضحيّتها مدنيون.  

وإذا كان “الدعم السريع” يحتجز في سجن دقريس 5 آلاف مدني بذريعة التعاون، فإن السلطات قدّمت في يوم واحد 950 شخصاً إلى القضاء في ولاية الجزيرة بتهم التعاون، وهذا في محلّيتين من جملة 185 محلّية تقع في 18 ولاية.  

وفي هذا الشهر، تحدّثت الأمم المتّحدة عن تزايد حالات احتجاز المدنيين الذين يتّهمهم أحد الطرفين بالتعاون مع الآخر، ووثّقت المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اعتقال 93 مدنياً واحتجازهم في منطقة كردفان، بتهمة التعاون.  

وغالباً ما يحدث الاعتقال بتهم التعاون بدوافع عرقية، ومن المعتقلين طارق عبد السلام الذي أُوقف في شمال السودان، فور وصوله إليه قادماً من شرق دارفور، في طريقه إلى الخرطوم لإكمال إجراءات استلام شهادته الجامعية.  

تقول شقيقته وصال لـ “درج” إن الأسرة فقدت التواصل مع طارق عند وصوله إلى الدبّة، ممّا استدعى سفر والدتها للبحث عنه، دون أن تعثر عليه في مراكز الشرطة والمرافق الصحّية.  

الهويّة ذريعة قمع  

تقول المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان رحاب المبارك إن “الهويّة أصبحت مدعاة للخوف وعدم الإحساس بالأمان، نظراً لارتباطها بممارسة العنف والوحشية، خاصّة بعد ارتكاب الطرفين جرائم تدلّ على الاضطهاد بسبب مفاهيم الحواضن الاجتماعية”.  

وبرز مصطلح الحواضن؛ الذي يُقصد به القاعدة الاجتماعية، بعد استنفار القبائل، خاصّة في دارفور وكردفان، أبناءها للقتال مع “الدعم السريع”.  

وأشارت المبارك في حديثها لـ”درج” إلى أن “الجيش يحاكم المنحدرين من دارفور وكردفان والنيل الأزرق بتهم التعاون مع الدعم، فيما يُحاسب الأخير أبناء الشمال والوسط والخرطوم بتهم التعاون مع الجيش، إلى درجة أن الذين نجوا من نيران الحرب لم ينجوا من سجون الطرفين، خاصّة أن كلا الطرفين يجد من يدعمه”.  

ولفتت إلى أن “السلطات ترفض استخراج وثائق السفر لبعض أبناء دارفور”، لذلك فضّلوا المكوث في مناطقهم خشية الاستهداف، ممّا يحرمهم من التعليم والعلاج.  

ويبيّن الخبير القانوني آدم المدثّر أن “القانون السوداني يمنع التمييز العرقي، فيما يحظر القانون الدولي الإنساني التمييز القائم على العرق أو الدين أو الانتماء القومي، حيث يصف الانتهاكات التي تُرتكب لاستهداف جماعات بعينها؛ إن كانت واسعة النطاق أو منهجية، بأنها جرائم ضدّ الإنسانية”.  

ويشدّد على أن “السودان يملك تاريخاً واسعاً من الإفلات من العقاب، خاصّة أثناء القتال، إذ يتعذّر مع استمراره جمع الأدلّة وحماية الشهود والوصول إلى أماكن ارتكاب الجرائم، كما أن غياب سلطة مركزية موحّدة يجعل توقيف الجناة مستحيلاً، ممّا يستدعي تحقيقات دولية مستقلّة”.  

من جهته، يؤكّد الناشط محمّد مختار أن “الهويّة تحوّلت إلى ذريعة يُقمع بها الأشخاص، بدلاً من أن تكون مصدراً للتعايش، حيث يجد من يعتقد كلّ طرف أنه من الحواضن الاجتماعية للطرف الثاني نفسه تحت طائلة الشكّ والريبة، وصولاً إلى الاعتقال والإخفاء القسري والقتل”.  

ويشير إلى أن “بعض الأشخاص الذين يعتقلهم الجيش، يُقدَّمون إلى محاكمة رغم الشكوك حول القضاء، الذي قضى بإعدام زعيم قبلي تعدّى الثمانين من عمره، حيث يمنع القانون السوداني إعدام الشخص الذي تجاوز 70 عاماً، وكذلك قضى بسجن آخر دون تمثيل قانوني، وهذان نموذجان فقط، لكنّ هذا الترف لا يوجد عند الدعم السريع”.  

ويتحدّث مختار عن نشر المقاتلين مقاطع فيديو لعمليّات تعذيب واغتيال مدنيين، استناداً إلى مفاهيم الحواضن الاجتماعية، ممّا يعمّق الانقسام الأهلي في البلاد.  

وتسبّب النزاع في السودان في انقسام أهلي يترسّخ يوماً بعد يوم، نتيجة لموقف القبائل من طرفي النزاع، واعتماد الجماعات المتحالفة مع الطرفين على التجنيد على أساس عرقي، ولذلك يُجري الجنود والمقاتلون في نقاط التفتيش تدقيقاً للأشخاص بناءً على ملامح وجوههم، حيث لم تعد الهويّة في السودان مجرّد انتماء اجتماعي أو ثقافي، بل تحوّلت في سياق الحرب إلى عامل خطر قد يحدّد مصير الفرد في الارتكازات، أو أثناء محاولات الفرار من مناطق القتال.  

هذا الوضع بدأ يزعزع الثقة الاجتماعية حتى داخل الأحياء السكنية في المدن، حيث تتحوّل تدريجياً إلى عزل الآخر، في ظلّ الاعتقالات والإعدامات الميدانية التي تصاحب عمليّة تبادل السيطرة، كما أنه يقود إلى نزوح دائم وتغيير ديموغرافي خاصّة في دارفور.  

يُنذر اعتماد أطراف النزاع على التجنيد القبلي المتزايد، بصراع طويل الأمد بين المجتمعات، يصعب حلّه بواسطة الترتيبات السياسية، ممّا قد يدفع إلى الانفصال.  

لم تكتفِ الحرب بتقويض قدرة الدولة على البقاء موحّدة؛ حيث توجد حالياً حكومتان، بل أنهت إمكانية التعايش بين المجتمعات بسبب الاستهداف القائم على الهويّة، وهو استهداف سيتحوّل في نهاية المطاف إلى خوف يُنقل إلى الأجيال الجديدة، بمفهوم أن الآخر خطر يتوجّب قتاله واضطهاده.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
07.01.2026
زمن القراءة: 5 minutes

لم تكتفِ الحرب في السودان بتقويض قدرة الدولة على البقاء موحّدة؛ حيث توجد حالياً حكومتان، بل أنهت إمكانية التعايش بين المجتمعات بسبب الاستهداف القائم على الهويّة، وهو استهداف سيتحوّل في نهاية المطاف إلى خوف يُنقل إلى الأجيال الجديدة، بمفهوم أن الآخر خطر يتوجّب قتاله واضطهاده.

لم يقوَ سالم أبكر على الصمت أمام الإهانة التي تعرّضت لها والدته في نقطة التفتيش، عندما أطلق عليها أحد عناصر “الدعم السريع” كلمة “خادم”؛ وهي مفردة تُستخدم في السودان كوصف عنصري للنساء ذوات البشرة الداكنة، تعبيراً عن الاستعلاء العرقي، حيث حاول توبيخ الجندي بأن سنّ والدته يستحقّ الاحترام.  

طوّق زملاء الجندي أبكر وجلدوه بالسياط قبل أن يعتقلوه، طالبين من الأمّ إكمال طريقها إلى نيالا وحدها، حيث كانا ذاهبين إلى المدينة التي اتّخذتها “الدعم السريع” وحلفاؤها عاصمة للحكومة الموازية، بغرض العلاج.  

تقول خديجة لـ “درج” إنها لا تعرف مصير ابنها، رغم مرور ثلاثة أشهر على الواقعة، ودون أيّ أمل في عودته، إذ تملك يقيناً راسخاً أنه قُتل فور مغادرة السيارة التي أقلّها من نقطة التفتيش، في الطريق الرابط بين نيالا وقريضة حيث أتت.  

وتُرجع هذا اليقين إلى عدم تورّع مقاتلي “الدعم السريع” عن تعذيب كلّ فرد يعترض على أساليبهم وإخفائه واغتياله، بخاصّة إذا كان منحدراً من القبائل الإفريقية في دارفور، بذريعة التعاون مع الجيش، ومن يكون محظوظاً يُودع في سجن دقريس قرب نيالا، الذي يُحتجز فيه حالياً 5 آلاف مدني من جملة 19 ألف معتقل.  

بالمقابل، يُجري جنود الجيش ومقاتلو الجماعات المتحالفة معه، تفتيشاً دقيقاً لجميع المسافرين في نقاط الارتكاز داخل المدن وخارجها، بحثاً عن متعاونين مع الطرف الآخر، حيث يُقدَّم بعض الأشخاص إلى المحاكمة، وآخرون يلقون حتفهم في مراكز الاحتجاز.  

إصرار على الأذى  

يعتمد الجيش و”الدعم السريع” في نقاط التفتيش على الهويّة لتجريم الأشخاص مسبقاً، فإذا كنت من القبائل العربية في دارفور وغرب كردفان أو جنوبه فأنت مدان عند الأوّل، فيما تصبح متعاوناً عند الثاني إذا كنت منحدراً من شمال السودان أو وسطه.  

ورغم أن تجريم الأشخاص بناءً على الهويّة أمر معتاد في حروب السودان خاصّة في دارفور، فقد توسّع في سياق النزاع الحالي حتى بلغ مرحلة إبادة جماعية بحقّ عرقية المساليت.  

وارتكبت “الدعم السريع” جرائم قتل جماعي وعنف جنسي، عند اجتياح مخيّم زمزم قرب الفاشر في شمال دارفور في نيسان/ أبريل الماضي، بدافع الهويّة والانتماء، وواصلت اقتراف هذه الانتهاكات بعد سيطرتها على المدينة في 26 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، كما قتلت 200 مدني بالدافع ذاته في الهجمات التي نفّذتها في غرب دارفور وشماله.  

وشنّ الجيش وحلفاؤه هجمات بدافع الهويّة، في ولاية الجزيرة وسط البلاد، وفي العاصمة الخرطوم راح ضحيّتها مدنيون.  

وإذا كان “الدعم السريع” يحتجز في سجن دقريس 5 آلاف مدني بذريعة التعاون، فإن السلطات قدّمت في يوم واحد 950 شخصاً إلى القضاء في ولاية الجزيرة بتهم التعاون، وهذا في محلّيتين من جملة 185 محلّية تقع في 18 ولاية.  

وفي هذا الشهر، تحدّثت الأمم المتّحدة عن تزايد حالات احتجاز المدنيين الذين يتّهمهم أحد الطرفين بالتعاون مع الآخر، ووثّقت المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اعتقال 93 مدنياً واحتجازهم في منطقة كردفان، بتهمة التعاون.  

وغالباً ما يحدث الاعتقال بتهم التعاون بدوافع عرقية، ومن المعتقلين طارق عبد السلام الذي أُوقف في شمال السودان، فور وصوله إليه قادماً من شرق دارفور، في طريقه إلى الخرطوم لإكمال إجراءات استلام شهادته الجامعية.  

تقول شقيقته وصال لـ “درج” إن الأسرة فقدت التواصل مع طارق عند وصوله إلى الدبّة، ممّا استدعى سفر والدتها للبحث عنه، دون أن تعثر عليه في مراكز الشرطة والمرافق الصحّية.  

الهويّة ذريعة قمع  

تقول المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان رحاب المبارك إن “الهويّة أصبحت مدعاة للخوف وعدم الإحساس بالأمان، نظراً لارتباطها بممارسة العنف والوحشية، خاصّة بعد ارتكاب الطرفين جرائم تدلّ على الاضطهاد بسبب مفاهيم الحواضن الاجتماعية”.  

وبرز مصطلح الحواضن؛ الذي يُقصد به القاعدة الاجتماعية، بعد استنفار القبائل، خاصّة في دارفور وكردفان، أبناءها للقتال مع “الدعم السريع”.  

وأشارت المبارك في حديثها لـ”درج” إلى أن “الجيش يحاكم المنحدرين من دارفور وكردفان والنيل الأزرق بتهم التعاون مع الدعم، فيما يُحاسب الأخير أبناء الشمال والوسط والخرطوم بتهم التعاون مع الجيش، إلى درجة أن الذين نجوا من نيران الحرب لم ينجوا من سجون الطرفين، خاصّة أن كلا الطرفين يجد من يدعمه”.  

ولفتت إلى أن “السلطات ترفض استخراج وثائق السفر لبعض أبناء دارفور”، لذلك فضّلوا المكوث في مناطقهم خشية الاستهداف، ممّا يحرمهم من التعليم والعلاج.  

ويبيّن الخبير القانوني آدم المدثّر أن “القانون السوداني يمنع التمييز العرقي، فيما يحظر القانون الدولي الإنساني التمييز القائم على العرق أو الدين أو الانتماء القومي، حيث يصف الانتهاكات التي تُرتكب لاستهداف جماعات بعينها؛ إن كانت واسعة النطاق أو منهجية، بأنها جرائم ضدّ الإنسانية”.  

ويشدّد على أن “السودان يملك تاريخاً واسعاً من الإفلات من العقاب، خاصّة أثناء القتال، إذ يتعذّر مع استمراره جمع الأدلّة وحماية الشهود والوصول إلى أماكن ارتكاب الجرائم، كما أن غياب سلطة مركزية موحّدة يجعل توقيف الجناة مستحيلاً، ممّا يستدعي تحقيقات دولية مستقلّة”.  

من جهته، يؤكّد الناشط محمّد مختار أن “الهويّة تحوّلت إلى ذريعة يُقمع بها الأشخاص، بدلاً من أن تكون مصدراً للتعايش، حيث يجد من يعتقد كلّ طرف أنه من الحواضن الاجتماعية للطرف الثاني نفسه تحت طائلة الشكّ والريبة، وصولاً إلى الاعتقال والإخفاء القسري والقتل”.  

ويشير إلى أن “بعض الأشخاص الذين يعتقلهم الجيش، يُقدَّمون إلى محاكمة رغم الشكوك حول القضاء، الذي قضى بإعدام زعيم قبلي تعدّى الثمانين من عمره، حيث يمنع القانون السوداني إعدام الشخص الذي تجاوز 70 عاماً، وكذلك قضى بسجن آخر دون تمثيل قانوني، وهذان نموذجان فقط، لكنّ هذا الترف لا يوجد عند الدعم السريع”.  

ويتحدّث مختار عن نشر المقاتلين مقاطع فيديو لعمليّات تعذيب واغتيال مدنيين، استناداً إلى مفاهيم الحواضن الاجتماعية، ممّا يعمّق الانقسام الأهلي في البلاد.  

وتسبّب النزاع في السودان في انقسام أهلي يترسّخ يوماً بعد يوم، نتيجة لموقف القبائل من طرفي النزاع، واعتماد الجماعات المتحالفة مع الطرفين على التجنيد على أساس عرقي، ولذلك يُجري الجنود والمقاتلون في نقاط التفتيش تدقيقاً للأشخاص بناءً على ملامح وجوههم، حيث لم تعد الهويّة في السودان مجرّد انتماء اجتماعي أو ثقافي، بل تحوّلت في سياق الحرب إلى عامل خطر قد يحدّد مصير الفرد في الارتكازات، أو أثناء محاولات الفرار من مناطق القتال.  

هذا الوضع بدأ يزعزع الثقة الاجتماعية حتى داخل الأحياء السكنية في المدن، حيث تتحوّل تدريجياً إلى عزل الآخر، في ظلّ الاعتقالات والإعدامات الميدانية التي تصاحب عمليّة تبادل السيطرة، كما أنه يقود إلى نزوح دائم وتغيير ديموغرافي خاصّة في دارفور.  

يُنذر اعتماد أطراف النزاع على التجنيد القبلي المتزايد، بصراع طويل الأمد بين المجتمعات، يصعب حلّه بواسطة الترتيبات السياسية، ممّا قد يدفع إلى الانفصال.  

لم تكتفِ الحرب بتقويض قدرة الدولة على البقاء موحّدة؛ حيث توجد حالياً حكومتان، بل أنهت إمكانية التعايش بين المجتمعات بسبب الاستهداف القائم على الهويّة، وهو استهداف سيتحوّل في نهاية المطاف إلى خوف يُنقل إلى الأجيال الجديدة، بمفهوم أن الآخر خطر يتوجّب قتاله واضطهاده.