أسفرت الهجمة المسلّحة والمجازر التي تعرّض لها سكّان السويداء منتصف تمّوز/ يوليو الماضي، على يد مسلّحين من البدو وعناصر من الأمن العامّ، عن بقاء نحو ثلاثين قرية في الريفين الغربي والشمالي للسويداء، تحت سيطرة حكومة دمشق.
إثر المجزرة، نزح نحو تسعين ألف شخص داخلياً، لم يجد سوى2078 منهم مكاناً في مراكز استضافة متواضعة، فيما اضطرّ الباقون إلى مغادرة المحافظة أو اللجوء إلى منازل أقارب، أو الإقامة في بيوت لا تصلح للسكن. يعيش هؤلاء وسط نقص حادّ في الماء والغذاء والدواء، وتتفاقم معاناتهم مع غياب أبسط مقوّمات الحياة.
تعمّق انقسام المحافظة جغرافياً إثر وضعية الحصار، التي تخضع لها الأجزاء الخاضعة للجماعات المحلّية المسلّحة، ودعوات الاستقلال والانفصال عن سوريا، ناهيك بالتهجير الذي تعرّض له سكّان المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، إذ لا يعرف الكثيرون شيئاً عن مصير بيوتهم وممتلكاتهم في هذه القرى، فيما يرفض معظمهم العودة إليها رغم سوء أوضاعهم المعيشية،بسبب القتل والانتهاكات والدمار الذي رافق الهجمة، وانعدام الأمان والثقة بالسلطة الجديدة.
مركز “جديد” للمحافظة!
تحاول الحكومة الانتقالية تسويق رواية للمجتمع الدولي عن “تعافي السويداء”، عبر استعراض قرى خاضعة لسيطرتها لكنّ أهلها مهجّرون، بوصفها بديلاً عن محافظة كاملة منكوبة. شيئاً فشيئاً، تعمل السلطة على سحب رمزية مدينة السويداء التي كانت قلب المحافظة ومركزها، فيما يُطمس حضور عشرات القرى والبلدات المدمّرة والمهجّرة لصالح المزرعة والصَورَتين، وعدد محدود من القرى التي جرى تحويلها إلى استديوهات جاهزة.
بدأت هذه الاستراتيجية عبر محاولات السلطة نقل مركز الثقل الإداري للمحافظة إلى القرى التي تسيطر عليها، فأحكمت قبضتها على محروقات المحافظة،وربطت رواتب الموظّفين بها، وجعلت كلّ مساعدة أو تعويض يمرّ عبر قنواتها أو “بتوجيه“منها، في محاولة لفرض “سويداء مطواعة” داخل رقعة نفوذها، لكنّ هذه التجربة سرعان ما اصطدمت بواقعٍ إداري وأمني واجتماعي لا يمكن الالتفاف عليه. فالحكومة السورية لم تتمكّن من تأمين الطريق بين مناطق نفوذها، الأمر الذي أدّى إلى سقوط ضحايا وحدوث العديد من حالات الخطف، فيما رفض الأهالي بدورهم الخضوع لهذا الشكل المبتور من الإدارة. ومع تهاوي محاولات فرض النفوذ، اضطرّت السلطة إلى إعادة الدفّة إلى دمشق.
استراتيجية نقل المركز هذه، أخذت شكلاً آخر مع افتتاح مكتبين للمحافظ في بلدتي المزرعة والصورى الصغيرة، اللتين أُحرقتا ونُهِبتا وهُجّر سكّانهما في بداية الهجمة، ليُقدَّما فجأة كموقعين يوفّران للمراجع المفجوع “أفضل الخدمات وأكثرها تطوّراً وراحة”.
كانت هاتان القريتان من أوائل القرى التي اقتُحمت في السويداء لقربهما الجغرافي من دمشق، وفي بلدة المزرعة كان يتمركز فصيل “تجمّع رجال الكرامة” بقيادة ليث البلعوس، الذي يُعدّ من أوائل الشخصيّات المحلّية التي دخلت في تعاون مع القوّات الحكومية. لاحقاً، وإلى جانب سليمان عبد الباقي، القائد السابق لـ”تجمّع أحرار الجبل”، برز الاثنان كواجهتين سياسيتين وأمنيتين، تولّتا التحدّث باسم السويداءوإدارة شؤونها عن بُعد أيضاً.
التركيز على المزرعة والصورى لم يكن اختياراً عشوائياً، فالبلدتان كانتا من أوائل المناطق التي أُفرغت من سكّانها، ما سهّل تمركز مجموعات بدوية فيهما عقب الاقتحام، والاستفادة من الوجود التاريخي لهذه التجمّعات في محيطيهما، إضافة إلى موقعيهما الهامشيين اللذين أتاحا تحويلهما إلى واجهتين إداريتين وإعلاميتين، بعيداً عن أيّ احتكاك مباشر مع الفصائل المسلّحة المحلّية.
المفارقة، أن الأهالي المهجّرين يطّلعون على أوضاع بيوتهم وممتلكاتهم حصراً عبرمقاطع الفيديو والصور، التي ينشرها مسؤولون رسميون وإداريون تابعون للسلطة، خلال جولات تفقّدية للقرى الخاضعة لسيطرتها،يتقدّمهم فيها المحافظ مصطفى بكّور.
تُعرض هذه الجولات بوصفها خطوات “إعادة تأهيل”،حيث تُرمَّم المنشآت بنظام الدفع “الآجل” لضمان ما يصفه بـ”نظافة الشغل”، بل ويطالب بكّور باستلام “قرى كاملة” من المتعهّدين من دون أيّ خدش.
تتولّى الحكومة السورية إدارة نحو 15 مليون دولار، يُفترض أن حملة “السويداء منّا وفينا” قد جمعتها، وهو رقم لا يقلّ التباساً عن الحملة نفسها، ولا يبدو أنها تنشغل بحقيقة أنه تفرض نفسها على ثلاثين قرية فارغة فقط، مقابل أكثر من 100 منطقة مأهولة في عموم المحافظة.
تذهب الأموال المجمّعة نحو ترميم ما يمكن الوصول إليه من القرى، لكن فضّل بعض أهالي هذه القرى، التي تزعم السلطة أنها تعتني حتى بـ”خلّاطات حمّاماتهم”،النزوح إلى المجهول وافتراش العراء، تاركين خلفهم بيوتهم وحقولهم، على العودة إلى أماكن لم يتمكّنوا فيها حتى اليوم من انتشال معظم جثامين أبنائهم وأقاربهم.
ضمن سياق الإعمار، لم يُسلَّم ملفّ التأهيل والصيانة لأبناء المحافظة، بل أُسند إلى شركات خارجية، في مقدّمتها شركة “الراقي” التي سبق أن عملت في إدلب، والتي يديرها عبد الرحمن سلامة” أمير في “جبهة النصرة”، والقيادي في “هيئة تحرير الشام” سابقاً.
راكمت الشركة نفوذها في الشمال السوري عبر الاستحواذ على المناقصات، واستثمار الردم وبقايا الدمار، وتنفيذ مشاريع كبرى في غياب المنافسة والرقابة، ما يدلّ على خبرة متراكمة في العمل داخل فراغ قانوني ومؤسّسي. وتعيد الشركة تدوير نفوذها في سوريا الجديدة بعدّة استثمارات، أحدثها شراكة في عقود صيانة وإعادة تأهيل شبكة طرق بتكلفة 12 مليون دولار.
في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، عبّر بكّور عبر منصّة “إكس” عن استنكاره لـ”صندوق اللجنة القانونية العليا”، مقدّماً اعتراضه على أنه دفاع عن جيوب الأهالي المكلومين؛ ورفض للجباية باسمهم، مع أن الحكومة السورية المؤقّتة كانت سبّاقة إلى الفكرة في مهرجان “السويداء منّا وفينا” الذي نظّمته للغرض ذاته، في قرية الصورى الكبرى، وتحديداً في موقف العزاء، المكان الذي كان يُفترض أن يتلقّى فيه الأهالي العزاء بذويهم الذين لم يتمكّنوا من انتشالهم حتى اليوم، ولا يعرفون عن مصيرهم شيئاً.
إقرأوا أيضاً:
يعكس هذا الاستقدام تبنّي نموذج سياسي– اقتصادي لإدارة ما بعد العنف، يُعيد تدوير موارد الإعمار داخل شبكات نفوذ تشكّلت في مرحلة “هيئة تحرير الشام”، حيث يُدار الحيّز العامّ بمنطق “السوق”، ويُحوَّل الدمار إلى أصل اقتصادي ضمن ديناميات تسليع ممنهجة.
أن تشاهد بيتك عبر الشاشة!
اطّلاع المهجّرين على أحوال قراهم ومنازلهم يتمّ عبر ما ينشره عناصر من وزارة الدفاع على وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً. باتت الصور والمقاطع التي تُظهر عناصر يقيمون داخل المنازل المستولى عليها، ويستغلّون أراضي أصحابها، ويحوّلون الحيّز الخاصّ إلى فضاء مفتوح للاستعراض العسكري والتدريبات اليومية، مصدراً أساسياً يعتمد عليه السكّان لمعرفة ما آلت إليه ممتلكاتهم.
هذا الظهور العلني داخل الأملاك الخاصّة لم يكن مجرّد استعراض، بل تحوّل إلى نِكاية وخطاب موازٍ يروّج لواقع مغاير لما يعيشه السكّان. ففي الوقت الذي تحاصَر فيه باقي المحافظة وتُمنَع فيه العائلات من التنقّل بحرّية، تُنشَر مقاطع تُظهر مسلّحين وهم يلمّحون إلى امتلاكهم سلطة تقريرية، بل فضلاً حتى في دخول المساعدات الأممية.
تعمد السلطة إلى دهن الجدران التي شهدت موت ساكنيها بذريعة “حسن النيّة”، ما يراه المهجّرون كعمليّة محوٍ ممنهج تقطع صلة الناس بذاكرتهم المكانية، كي تُعيد فهرسة الواقع بما يناسب روايتها، إذ يُنظر إلى دخول السلطة إلى هذه البيوت، قبل عودة أصحاب الأرض ومن دونهم، وبالرغم عنهم، بوصفه انتهاكاً مضاعفاً، إذ إن المساس بالمكان هنا ينال من الذاكرة والهويّة معاً.
تروي السيدة ن. الحلبي، التي غادرت وزوجها بلدة المزرعة (السجن سابقاً) فور دخول قوّات السلطة لـ”فضّ النزاع”: “حتى لو بيفرشوها ذهب، ما منرجع نعيش معهم عليها، هلق رجع اسمها السجن براسنا”، تصف لحظات هروبهم من البلدة: “إجت أفواج ورا بعضها، يعفشوا شقا عمرنا اني وزوجي شوي شوي. بليلة 14 تموز، وأنا وزوجي هربانين من حاكورة بيتنا، وقفنا واحد أول البلد وقال: إذا بدكن تطلعوا عايشين… طلعوا أسرع من الطلقة”، ومنذ تلك اللحظة، كما تقول: “ما شفنا حيطان بيتنا إلا بصور وفيديوهات المحافظ وجماعته”.
من القرى التي انتزعتها السلطة في ريفي السويداء الغربي والشمالي، انطلقت الاقتحامات الأولى، تلتها مجازر موثّقةوسلسلة نهب منظّم، ثم حرق متعمّد لمنازل الأهالي استمرّ أمام الحضور الأمني في هذه القرى. ومنذ 13 تمّوز/ يوليو الماضييعيش السكّان في نزوح مفتوح، لا يعرفون شيئاً عن بيوتهم سوى ما يصلهم من لقطات مبعثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تواصل محدود مع عدد لا يذكر مع من بقوا قسراً، لعدم توفّر أي خيارات أخرى لديهم.
تقول أ. الحمود وهي نازحة من قرية الصورى الصغيرة: “ضل واحد من معارفنا بالصورى، ما عندو مكان يروح عليه وعندو ولاد صغار، أني بعرف أنو غصباً عنو وبعذره وبنتواصل معو دائماً. هالعصابة استغلوا ضعفه وحاجته وطالعوه مرتين بالفيديوهات، مشان يقولوا للمُشاهد أنو الأهالي متعايشين وراضيين”، وتضيف قائلة: “صورلنا بيتنا من يومين، ماعرفته!، هاد مو بيتي وما بتخيل فوته بعد ما نظفوا ومسحوا دم ابن خيي عن الحيط ودهنوا فوقه”.
في هذا السياق، تتحوّل “العودة” من خيار حرّ وحقّ طبيعي لأصحاب البيوت إلى امتحان يخضع لشروط القوّة وموازين القسر. ويُقرأ هذا الواقع محلّياً كنوع من الرجوع المُهين واختبار للإذعان، لأن السلطة تراهن على حاجة الأهالي لإعادتهم إلى المكان بشروطها. لكنّه رجوع لا يصون كرامة ولا يحقّق عدالة، بل يُعيد الضحيّة إلى مسرح الجريمة. ومن منظور الأهالي، تصبح العودة هنا أداة ضغط لا حقّاً مستردّاً، وتُقدَّم تحت تهديد الحاجة.
صمتُ السلطة، أو تواطؤها المباشر، يوسّع الجرح ويُعيد تشكيل المكان على صورة لا تشبه أصحابه، ولا تحترم مصابهم. ومع تضافر هذه العوامل، تتحوّل المسافة بين الأهالي وبيوتهم التي هجّروا منها، من بضعة كيلومترات إلى هوّة تتعمّق كلما تغيّر شكل القرى، وتراكمت عليها آثار السطوة. ومع إعادة إنتاج القرى بما يخدم إرادة السلطة، يُفقد أهالي السويداء القدرة على استعادة صلتهم بجذورهم، بل ربما على الانتماء إلى سوريا نفسها.
إقرأوا أيضاً:












