على بُعد نحو كيلومترين شرق بلدة “الرحى”، الواقعة جنوب مركز مدينة السويداء، ترتفع سواتر ترابية على محيط أرض تقدر مساحتها بـ800 متر مربع (ضمن محيط أرض أوسع يقدر بـ8 دونمات)، لترسم حدود المقبرة الجماعية، أو كما يفضّل أهالي السويداء تسميتها بالمدفن الجماعي، الذي خُصص لضحايا المجازر الطائفية التي شهدتها محافظة السويداء في تموز/ يوليو 2025، إثر اجتياح عسكري نفّذه مسلحون من العشائر وعناصر من وزارة الدفاع والأمن العام في سوريا، عقب صدامهم مع مسلحين من السويداء، وبلغ الهجوم ذروته على مدى ثلاثة أيام (بدءاً من 13 حتى 16 تموز)، ما أسفر عن مقتل حوالى 1700 شخص حسب لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا، وتهجير أكثر من 190 ألف شخص داخل المحافظة وخارجها.

السويداء… بيوت فارغة وقبور مزدحمة
مع مرور العام الأول على أحداث تموز الدامية، تعيش السويداء حالة من الحداد المفتوح، إذ لا تزال المأساة ممتدة بدءاً من الـ 35 قرية التي تعرضت للتدمير والتهجير، مروراً بالعائلات التي تبحث عن مفقوديها، وصولاً الى المقابر التي تغصّ بجثث أهالي المحافظة.
بدأت هذه الوقائع تتكشف فور توقّف المعارك، فبعد انسحاب قوات وزارة الدفاع والعشائر، جُمعت جثامين الضحايا من الشوارع والمنازل والقرى المستهدفة بجهود مجتمعية ولجنة تخصصية من الطب الشرعي، ونُقلت إلى ساحة مستشفى السويداء الوطني، وبقيت مكشوفة في العراء أياماً عدة.
وأوضح رئيس لجنة وقف الرحى (ي.أ) لـ”درج”، أن المستشفى الوطني اقترح دفن الجثامين في جوار البلدة، وقد أبدى المجتمع المحلي بالتعاون مع اللجنة ومجلس البلدية، استجابة لهذا المقترح عبر تخصيص قطعة أرض كانت معسكراً أمنياً قبل سقوط نظام الأسد.
تكفّلت البلدية بأعمال الحفر الأولية بواسطة آلة “التركس”، بينما تحمّل الوقف تكاليف آلة “الباكر” وباقي النفقات من ماله الخاص ومن تبرعات مغتربي البلدة، من دون تلقي أي دعم أو مساعدات من جهات رسمية أو منظمات إنسانية وفقاً لما رواه رئيسه.
وأضاف رئيس الوقف: “تم تأبين الشهداء ودفنهم في 23 تموز 2025 بإشراف مشايخ المنطقة وبالتنسيق مع الجهات المعنية، وقد صُممت المدافن بطريقة تستوعب أعداداً إضافية في حال ورودها الى المستشفى”.
وحتى الآن، لا تزال القبور عبارة عن تسوية ترابية من دون شواهد أو مصاطب إسمنتية، تحيط بها قضبان معدنية وشرائط تحدّد الموقع.
عمل أهالي الرحى على تمهيد مدخل المقبرة ورصفه وزراعة جوانبه ببعض الأشجار، وأشار رئيس الوقف أنهم قدموا للجهات المعنية مقترحات للمساعدة في تجهيز المقبرة بشكل لائق وتثبيت شواهد للضحايا المعروفين، وأُخرى مؤقتة للضحايا المجهولين الى حين التعرف عليهم، إلا أنهم لم يلقوا استجابة، فيما تظلّ التكلفة المادية فوق طاقتهم المحلية.
وفي أول أيام عيد الأضحى، في 27 تموز الماضي، توجهت العائلات والجهات المعنية ووضعوا أكاليل زهور وصوراً وعبارات لاستذكار ذويهم، ولا يزال بعضها معلّقاً على الأشجار حول المقبرة كتفاصيل شاهدة على هذه الفاجعة.

هندسة المقبرة
وفقاً لبيانات سجلّ الطب الشرعي في مستشفى السويداء الوطني، بلغ عدد الجثامين في مدفن الرحى 213، بينها أطفال، دُفنوا على ثلاث دفعات متتالية. وقد توزعت على مساحة 800 متر مربع ضمن صفوف متوازية ومتسلسلة (بين 20 – 25 صفاً)، يضم كل صف منها 7 الى 10 جثث، وقد دفنت كل جثة على حدة على عمق يقارب المترين تحت سطح التربة.
يشير مصدر طبي من مستشفى السويداء إلى أن الجثث لم تكن جميعها كاملة، بل كان بعضها عبارة عن أشلاء وبقايا عظام نتيجة تفسخ الأجساد والطرق العنيفة التي قُتلوا بها. كما يكشف عن وجود 12 جثة جديدة حالياً، هي حصيلة جمع الأشهر الستة الماضية، ستُدفن خلال الأسبوع المقبل في المقبرة ذاتها.

وفي ما يخصّ الضحايا المجهولين، أفاد المصدر لـ”درج “بأن 89 جثة مجهولة دُفنت في مقبرة الرحى، قبل أن يتم التأكد من هوية بعضهم من قِبل عائلاتهم عبر مراجعة السجلات، لينخفض العدد المحدّث إلى 76 جثة حتى الآن.
على جانب المقبرة الجماعية المقابل، حُفر عددٌ من القبور بمساحة مقاربة، خُصصت لجثث نازحين هُجروا من قراهم ولم يستطيعوا العودة إليها، فتوفّوا بشكل طبيعي أو قضوا متأثرين بمضاعفات إصاباتهم.
يوضح رئيس لجنة الوقف في هذا السياق: “لقد خصصنا مدافن للنازحين من المقرن الغربي والشمالي بجانب المقبرة الجماعية”. وفي مفارقة إنسانية قاسية، توفي لاحقاً أهالٍ لضحايا من المقبرة الجماعية، فدُفنوا بجانب أولادهم، لتضم هذه البقعة رفاة عائلات كاملة.

مقابر خاصة
على صعيد المحافظة، تُظهر سجلات الطب الشرعي أن العدد الكلي الموثّق لضحايا المجزرة في السويداء بلغ 1439 قتيلاً، في حصيلة غير نهائية وقابلة للارتفاع. وقد أُحضر منها 785 جثة إلى المستشفى، فيما استرجعت العائلات المقيمة في المناطق الآمنة جثامين ضحاياها ودفنتهم في أفنية المنازل أو في مدافن خاصة. لذلك، تعود النسبة الأكبر من جثامين مقبرة الرحى إلى سكان القرى المهجّرة، الذين لم يتبقَّ لهم أراضٍ ولا منازل ولا مدافن خاصة.
إقرأوا أيضاً:
وفرضت ظروف التهجير واكتظاظ المقابر على بعض العائلات الوافدة خيارات تمثلت في دفن ذويها في مدافن خاصة بعد الحصول على إذن من أصحابها، كما حدث في قرية “الهيت”، عقب نزوح سيدة من آل عامر من قريتها “المتونة”. وحين تعذّر على ذويها دفنها في مسقط رأسها، دُفنت في اليوم نفسه في مدفن مشترك مع متوفٍّ من أهالي قرية “الهيت”.
ضحايا السويداء يُقتلون مرتين
تواجه عائلات الضحايا صعوبات إدارية تفرضها مؤسسات حكومة دمشق وممثلها مصطفى البكور، محافظ السويداء المعيّن في مركز قرية “الصورة الكبيرة”، التي هُجر منها سكانها لتسيطر عليها قوات الأمن العام وتصبح مقراً لمعظم مؤسسات المحافظة. تشمل هذه الصعوبات محاولات تعديل وتغيير أسباب الوفاة الحقيقية في الوثائق الرسمية كشرط لإتمام الإجراءات المطلوبة واستلام الأوراق الرسمية.
تروي أحلام أبو عجرم، وهي مصوّرة من مدينة شهبا نشطت في توثيق الاحتجاجات في السويداء، قصة أخيها قائلة: “أُعدم أخي إياد أبو عجرم (51 عاماً) أمام ابنه البكر الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة، بعدما أوقف على دوار العمران، وقد قُتل بلباسه المدني بعد التحقق من هويته الدينية على الرغم من عدم حيازته سلاحاً، ثم سُلبت سيارته وممتلكاته وتُرك ولده وحيداً أمام جثة أبيه”.
وعقب نقل جثة إياد إلى قريته الأساسية “الجنينية” ودفنه هناك، قررت العائلة أن يسافر أولاده الى الخارج لحمايتهم. ولإصدار جوازات سفر لهم، تطلب الأمر استخراج شهادة وفاة رسمية من دائرة النفوس المركزية في دمشق، فوكّلت العائلة محامياً لمتابعة الإجراءات.
وعلى الرغم من تقديم تقرير الطب الشرعي الصادر عن السويداء، اشترطت دائرة النفوس في دمشق تغيير سبب الوفاة وتثبيته كوفاة طبيعية، مع حظر ذكر أي تفاصيل تتعلق بالإعدام الميداني، وهو ما رفضته العائلة رفضاً قاطعاً لما فيه من تزوير للحقائق وإنكار لحق الضحية.
تتطابق هذه الشهادة مع شهادات عدة لعائلات في السويداء حاول أفرادها إصدار وثائق رسمية من مؤسسات دمشق والصورة الكبيرة، إذ تروي أم حيدر (اسم مستعار)، وهي سيدة خمسينية قُتل زوجها وابنها في المدينة أثناء عمليات الاقتحام: “عند مطالبتي بالحصول على تعويض نهاية الخدمة لزوجي الذي تقاعد عام 2025، اشترطت الدوائر الرسمية في الصورة الكبيرة تعديل سبب وفاته إلى الموت بطلق طائش أو وفاة طبيعية كشرط لتسليم رواتبه التقاعدية، كما اشترطت تغيير تاريخ الوفاة لتجنّب ربطه بفترة حدوث المجازر”.
وتضيف: “أكثر من 30 سنة خدمة راحت عالفاضي، ما عم اقدر استلم مستحقات التقاعد، وحالياً مهجرة من بيتي وما عندي حدا معيل”، مؤكدة رفضها التام التوجه مجدداً نحو الدوائر الرسمية للحكومة، والتفاوض على ما تعتبره حقوقاً أساسية أو الخضوع لاشتراطات لا تعترف بتقارير الطب الشرعي الصادرة عن مستشفى السويداء الوطني، قائلة: “لن أسامح بدم زوجي وابني”.
أهالي السويداء داخل الرهان السياسي
يرفض عدد كبير من ذوي الضحايا اليوم الإجراءات الرسمية الخاصة بالتوفية، ويعتبرونها إنكاراً علنياً لمجازر عايشوها بأنفسهم، وسبباً يضاعف الشرخ بين عائلات السويداء وحكومة دمشق، وحصاراً معنوياً يضاف الى الحصار المكاني الذي فُرض على العائلات، إذ تعيش في مراكز إيواء تفتقر الى أدنى مقومات الإنسانية، وسط غياب شبه تام للمساعدات الغذائية والطبية منذ أشهر طويلة.
يجد مهجرو السويداء أنفسهم عالقين بين طرفين، حكومة دمشق التي تطمس الحقائق وتغطي جرائمها من جهة، ومن جهة أخرى الطرف الداخلي في السويداء الذي يحتكر القرار في غياب أي تعامل جدّي مع احتياجاتهم وطلباتهم.
وقد عمّق هذا الانسداد في الأفق قناعة الأهالي بعدم القدرة على الثقة بحكومة دمشق، إذ يرى معظمهم أن بناء هذه الثقة يستحيل ما لم يبدأ بخطوات حقيقية على أرض الواقع، تتضمن استعادة القرى، وتقديم تعويضات عادلة عن جميع الخسائر والأرزاق التي نُهبت، والتكفّل بترميم المنازل المدمرة، إلى جانب محاسبة جميع مرتكبي المجازر بشكل علني وصريح، والاعتراف الرسمي بالانتهاكات الطائفية التي ارتكبتها عناصرها بحق أبناء المحافظة.
ملاحظة: “تختلف الإحصاءات الكلية لضحايا المجزرة تبعاً لجهة التوثيق، وحتى الآن لا يوجد إحصاء نهائي شامل. لكن، تشير بعض مصادر التوثيق الإعلامي في السويداء إلى تجاوز عدد الضحايا الـ1600، فيما لا يزال الإحصاء قيد العمل”.
إقرأوا أيضاً:











