ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

السويداء تحت الحصار: الجوع يلوح في الأفق وأزمة إنسانيّة خانقة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
"درج"

بدأ الحصار على السويداء منذ اندلاع الأحداث الأخيرة يوم الأحد 13 تموز الحالي، وشمل عزل المدينة وقطع الطرق الرئيسية التي تربطها بدرعا ودمشق، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء واستهداف آبار المياه، وتدمير صوامع الحبوب والمطحنة في قرية أم الزيتون على يد القوات الحكومية والعشائرية، ما يهدد المدينة بمجاعة بعد قطع إمدادات الطحين، التي تبلغ حاجتها اليومية إليها 100 طن.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل ثلاثة أيام، انتشر فيديو يُظهِر مقاتلين يعلنون انتماءهم إلى “جيش العشائر”، وهم يتمركزون على تخوم قرية أم الزيتون القريبة من مدينة شهبا في السويداء، ويتوعدون بمنع دخول أي مساعدات أو مواد غذائية إلى المدينة. في الفيديو، الذي يُوثّق يوم 24 تموز/ يوليو 2025، يظهر بعض المقاتلين جالسين على سيارة مكشوفة، فيما يقول المقاتل الذي يصوّر: “مسكرين الدرب على الهجري، لا فول، لا خاثر، لا لبنة، لا جبنة، ممنوع منعاً باتاً، إلا تاكل لحم بساس”.

هذا الوضع ليس استثناءً، إذ لا يزال طريق دمشق – السويداء مغلقاً، إذ يسيطر مقاتلون من العشائر على معظم القرى الواقعة على هذا الخط، بينما تمكنت الفصائل الدرزية من التصدي لهم وإجبارهم على التراجع حتى تخوم قرية أم الزيتون.

أسبوعان على حصار السويداء

بدأ الحصار على السويداء منذ اندلاع الأحداث الأخيرة يوم الأحد 13 تموز الحالي، وشمل عزل المدينة وقطع الطرق الرئيسية التي تربطها بدرعا ودمشق، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء واستهداف آبار المياه، وتدمير صوامع الحبوب والمطحنة في قرية أم الزيتون على يد القوات الحكومية والعشائرية، ما يهدد المدينة بمجاعة بعد قطع إمدادات الطحين، التي تبلغ حاجتها اليومية إليها 100 طن.

وتمّ تدمير البنية التحتية للمياه بشكل ممنهج، إذ دُمّرت آبار رئيسية تزود المدينة بنسبة كبيرة من مياه الشرب، إضافة إلى تفجير الخزانات ونهب معداتها. يُذكر أن التحويلات المالية إلى المدينة متوقفة، كما تسببت العمليات العسكرية في تدمير أكثر من 30 قرية ونزوح نحو 100 ألف شخص داخلياً.

ووثق موقع “السويداء 24” أضراراً فادحة في أحد مستودعات الهلال الأحمر في مدينة السويداء، إثر قصف صاروخي في 16 تموز، خلال اقتحام قوات الحكومة الانتقالية المحافظة، ما أدى إلى تدمير كميات كبيرة من السلل الغذائية وضعف كبير في قدرة الاستجابة الإغاثية.

على منصات التواصل الاجتماعي، انتشر وسم يطالب بفك الحصار عن السويداء، فيما ظهرت دعوات في مجموعات داعمة للحكومة تحثّ أهالي درعا على منع دخول أي مساعدات إلى المدينة، ما يزيد من تعقيد الأزمة.

وانتشر وسم #انقذوا_السويداء، لكنّه ترافق مع صور شماتة نشرها بعض السوريين، يظهرون فيها وجباتهم أو أنفسهم وهم يأكلون، في مشهد يعيد إلى الأذهان حصار نظام الأسد وحزب الله بلدات مضايا والغوطة الشرقية، حين قام مؤيدون بالأمر نفسه، موثّقين طعامهم وسط معاناة المحاصرين.

في المقابل، تنكر سلطات دمشق وجود الحصار، وتدّعي أن المساعدات تدخل المدينة يومياً وبكميات كبيرة. إلا أن شهادات الأهالي والمتطوعين والأطباء تنفي صحة هذه الادعاءات، مؤكدين أن الواقع مختلف تماماً.

علماً أن قافلة للهلال الأحمر، دخلت اليوم الى المدينة محمّلة بـ200 طن من الطحين وسلل غذائية ومستلزمات طبية، وهي القافلة الثالثة منذ بدء الحصار، والتي تعتبر صغيرة إلى حد كبير.

وتتبادل الأطراف الاتهامات، فتقول الحكومة إن أطرافاً داخلية تمنع دخول المساعدات، فيما صدر سابقاً بيان عن الرئاسة الروحية رحّب بدخول المساعدات، مع رفض دخول أي وفد حكومي، والذي اعتبرته مصادر مطلعة نابعاً من الخوف من محاولة الهجوم على الوفد من بعض الفصائل، ما قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع أكثر.

طوابير الخبز واستحالة العودة

منذ ساعات الصباح الباكر، يتوافد الآلاف من المدنيين في مدينة السويداء إلى مدخل الفرن الآلي، لانتظار دورهم في الحصول على بضعة أرغفة من الخبز. نسمة (اسم مستعار)، واحدة من مئات المنتظرين، تقول: “انتظرت ثلاث ساعات أمام أحد أفران مدينة شهبا حتى تمكنت من الحصول على تسعة أرغفة”.

في قرية أخرى، تبرّع شخص بسلة خبز كاملة للقرية، وبعد تزويد الأهالي السيارة بالمازوت لشحّه، توقّفت في ساحة القرية، وجاءت العائلات لاستلام أربع أرغفة لكل منزل.

يأتي هذا في ظل تأكيد مصادر إعلامية لموقع “السويداء 24” أن حاجز “الأمن العام” في منطقة بصرى الشام منع فرقاً صحافية أجنبية من الدخول إلى محافظة السويداء لتغطية الأحداث يوم أمس الأحد “لأسباب أمنية”، بعدما كان الدخول مسموحاً خلال الأيام الأخيرة. بينما قالت مصادر أخرى لـ”درج” إن وزارة الإعلام أخبرت بعض صحافيين أجانب أن تصريح دخولهم إلى السويداء سيكون الأخير، ولن يُمدد لأكثر من يومين.

نسمة، وهي متطوعة مع فرق عدة تحاول مساعدة الأهالي النازحين، تقول: “تذهب الصهاريج للتزود بالمياه من بئر في المنطقة الصناعية، ثم تُوزّع. لكن مع تدفق أعداد كبيرة من الناس القادمين من القرى إلى هذه المنطقة، زادت الاحتياجات بشكل كبير”.

ويُستخدم الوقود القليل في تشغيل المنشآت الأساسية كالمستشفيات والآبار وسيارات نقل الجثث. وقد وصل منذ يومين صهريجان من الوقود إلى المحافظة، لكنهما لا يشكّلان سوى نقطة في بحر احتياجات الناس.

ولا تزال الكهرباء مقطوعة عن معظم قرى المحافظة. وقد وصلت التغذية لمدة ساعة ونصف الساعة فقط بعد انقطاع دام نحو عشرة أيام، لكن في بعض القرى فقط، بحسب شهادات الأهالي. وقال مدير شركة الكهرباء: “الأعطال كبيرة والإمكانات متواضعة”.

تبدو الأزمة الإنسانية في السويداء طويلة الأمد، في ظل استحالة عودة السكان إلى أكثر من ثلاثين قرية دُمّرت بالكامل. فبعد نهبها، أُحرقت منازلها، وتعرضت بناها التحتية للتدمير، فيما اضطر كثر من الأهالي إلى النزوح.

من جهة أخرى، يزداد القلق من انتشار الأمراض والأوبئة، خصوصاً مع بقاء جثث كثيرة في الطرقات، ولا سيما في القرى التي لم يتمكن السكان من دخولها حتى الآن.

تقول نسمة: “رأيت طفلين، كانت أيديهما تعاني من التهابات شديدة وتحسس واضح. لا نعرف إن كان السبب هو المياه، أو الفُرُش، أو الغبار، أو حتى الحرّ الشديد والضغط النفسي. في اليوم الأول، ظهر التحسس على يد أحد الأطفال، وفي اليوم التالي، ظهرت الأعراض ذاتها على شقيقه. نخاف كثيراً من أن يتطور الأمر إلى حالات وبائية وانتشار واسع للأمراض”.

صيدليات توزّع الأدوية بالظرف الواحد

قال الصيدلاني رامي عوّاد من مدينة شهبا في تصريح لـ”درج”: “نوزِّع الأدوية علبةً علبة، وأحياناً نمنح المريض ظرفاً واحداً، يكفي المريض لنحو عشرة أيام، ليعود بعدها ويطلب المزيد”.

وأوضح رامي أن أزمة الأدوية في محافظة السويداء عموماً، ومدينة شهبا بخاصة، شديدة التعقيد، فالاعتماد الأساسي قائم على التوريدات القادمة من دمشق، والتي تشهد بدورها نقصاً كبيراً من الشركات الدوائية الرئيسية. ويتعامل الصيادلة اليوم مع ما يتوافر في المستودعات، لكن الكثير منها تعرّض للحرق أو السرقة.

ويشير رامي إلى أن انعدام الوقود فاقم الأزمة، إذ أصبح تبادل الأدوية بين المخازن والصيدليات شبه مستحيل: لا الدواء يصلهم، ولا هم قادرون على الذهاب لجلبه. وتابع: “لا توجد لدينا أي أدوية لمرضى السرطان. ثلاثة مرضى يراجعونني يومياً على أمل أن نؤمّن علاجهم، لكن لا جدوى”.

وفي ما يخصّ حليب الأطفال، قال رامي إن الكميات كادت أن تنفد تماماً، قبل أن يهبّ الأهالي من مختلف مناطق السويداء لإرسال ما توافر، فتم توزيع الكميات المحدودة مجاناً عبر مراكز مخصصة، لكنها لن تصمد طويلاً.

كما واجهت المدينة نقصاً حاداً في الأنسولين، إذ بُذلت جهود عدّة لتوفيره، لكن الكميات كانت محدودة وسرعان ما نفدت. لاحقاً، ساهمت كمية صغيرة وردت من الهلال الأحمر في تخفيف الضغط قليلاً.

رامي، كغيره من صيادلة المدينة، يوزّع الأدوية مجاناً. لكن الضغط بات يتزايد يومياً، بعدما لجأ إليهم نازحون من القرى المجاورة التي تعرّضت للهجمات، ما شكّل عبئاً كبيراً على موارد المدينة من أدوية ومواد أساسية أخرى.

وختم رامي بالقول: “إذا استمر الوضع كما هو، فلا أظن أن مدينة شهبا قادرة على الصمود لأكثر من أسبوع. حتى لو خفّ الضغط أو وصلت بعض التوريدات، لا أدري إن كان ذلك سيغيّر شيئاً”.

لا تتوقّف أزمة الرعاية الصحية عند هذا الحد، إذ تواجه المستشفيات التي لا تزال تعمل، ظروفاً خانقة. واضطرت الكوادر الطبية إلى استخدام الخلّ المركّز لتعقيم الجروح في ظلّ شحّ المواد الطبية.

يقول الطبيب حيان العربيد: “حالياً، النقص الأهم هو في مواد التثبيت العظمي، التي نحتاجها لإجراء العمليات الجراحية للإصابات. هذه المواد كانت تُستورد من دمشق عن طريق شركات ومندوبين، لكنها انقطعت اليوم، في حين أن النسبة العظمى من الإصابات هي إصابات عظمية وتتطلب سياخاً وصفائح وبراغيَ للتثبيت”.

كما أن هناك شحّاً في مواد الغسيل الكلوي. أما بالنسبة إلى باقي المواد الإسعافية، فيقول إنها وصلت بتوريدات من الهلال الأحمر، ويُتوقّع أن تكون كافية للفترة المقبلة.

وفي ظلّ انقطاع الكهرباء حتى عن المستشفيات، دعم المجتمع المدني في شهبا المستشفى الوحيد فيها، فجهّزه بطاقة شمسية خاصة به، بسبب الخوف من توقّف مولد الكهرباء نتيجة شحّ الوقود.

يختتم حيان: “لا يوجد جهاز قوسي، وهو أساسي في إزالة الشظايا وفي العمليات الجراحية العظمية، إلا في المستشفى الوطني، لأنه كبير ومكلف. وحتى في السويداء، لا يمكن استخدامه حالياً، لأن المواد اللازمة له غير متوافرة. لذلك نضطر إلى تأجيل علاج المريض لأسبوعين على أمل أن تُحلّ الأمور. يُجبَر الكسر، وتُثبّت وضعيته مؤقتاً، ثم ينتظر”.

"درج"
لبنان
28.07.2025
زمن القراءة: 6 minutes

بدأ الحصار على السويداء منذ اندلاع الأحداث الأخيرة يوم الأحد 13 تموز الحالي، وشمل عزل المدينة وقطع الطرق الرئيسية التي تربطها بدرعا ودمشق، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء واستهداف آبار المياه، وتدمير صوامع الحبوب والمطحنة في قرية أم الزيتون على يد القوات الحكومية والعشائرية، ما يهدد المدينة بمجاعة بعد قطع إمدادات الطحين، التي تبلغ حاجتها اليومية إليها 100 طن.

قبل ثلاثة أيام، انتشر فيديو يُظهِر مقاتلين يعلنون انتماءهم إلى “جيش العشائر”، وهم يتمركزون على تخوم قرية أم الزيتون القريبة من مدينة شهبا في السويداء، ويتوعدون بمنع دخول أي مساعدات أو مواد غذائية إلى المدينة. في الفيديو، الذي يُوثّق يوم 24 تموز/ يوليو 2025، يظهر بعض المقاتلين جالسين على سيارة مكشوفة، فيما يقول المقاتل الذي يصوّر: “مسكرين الدرب على الهجري، لا فول، لا خاثر، لا لبنة، لا جبنة، ممنوع منعاً باتاً، إلا تاكل لحم بساس”.

هذا الوضع ليس استثناءً، إذ لا يزال طريق دمشق – السويداء مغلقاً، إذ يسيطر مقاتلون من العشائر على معظم القرى الواقعة على هذا الخط، بينما تمكنت الفصائل الدرزية من التصدي لهم وإجبارهم على التراجع حتى تخوم قرية أم الزيتون.

أسبوعان على حصار السويداء

بدأ الحصار على السويداء منذ اندلاع الأحداث الأخيرة يوم الأحد 13 تموز الحالي، وشمل عزل المدينة وقطع الطرق الرئيسية التي تربطها بدرعا ودمشق، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء واستهداف آبار المياه، وتدمير صوامع الحبوب والمطحنة في قرية أم الزيتون على يد القوات الحكومية والعشائرية، ما يهدد المدينة بمجاعة بعد قطع إمدادات الطحين، التي تبلغ حاجتها اليومية إليها 100 طن.

وتمّ تدمير البنية التحتية للمياه بشكل ممنهج، إذ دُمّرت آبار رئيسية تزود المدينة بنسبة كبيرة من مياه الشرب، إضافة إلى تفجير الخزانات ونهب معداتها. يُذكر أن التحويلات المالية إلى المدينة متوقفة، كما تسببت العمليات العسكرية في تدمير أكثر من 30 قرية ونزوح نحو 100 ألف شخص داخلياً.

ووثق موقع “السويداء 24” أضراراً فادحة في أحد مستودعات الهلال الأحمر في مدينة السويداء، إثر قصف صاروخي في 16 تموز، خلال اقتحام قوات الحكومة الانتقالية المحافظة، ما أدى إلى تدمير كميات كبيرة من السلل الغذائية وضعف كبير في قدرة الاستجابة الإغاثية.

على منصات التواصل الاجتماعي، انتشر وسم يطالب بفك الحصار عن السويداء، فيما ظهرت دعوات في مجموعات داعمة للحكومة تحثّ أهالي درعا على منع دخول أي مساعدات إلى المدينة، ما يزيد من تعقيد الأزمة.

وانتشر وسم #انقذوا_السويداء، لكنّه ترافق مع صور شماتة نشرها بعض السوريين، يظهرون فيها وجباتهم أو أنفسهم وهم يأكلون، في مشهد يعيد إلى الأذهان حصار نظام الأسد وحزب الله بلدات مضايا والغوطة الشرقية، حين قام مؤيدون بالأمر نفسه، موثّقين طعامهم وسط معاناة المحاصرين.

في المقابل، تنكر سلطات دمشق وجود الحصار، وتدّعي أن المساعدات تدخل المدينة يومياً وبكميات كبيرة. إلا أن شهادات الأهالي والمتطوعين والأطباء تنفي صحة هذه الادعاءات، مؤكدين أن الواقع مختلف تماماً.

علماً أن قافلة للهلال الأحمر، دخلت اليوم الى المدينة محمّلة بـ200 طن من الطحين وسلل غذائية ومستلزمات طبية، وهي القافلة الثالثة منذ بدء الحصار، والتي تعتبر صغيرة إلى حد كبير.

وتتبادل الأطراف الاتهامات، فتقول الحكومة إن أطرافاً داخلية تمنع دخول المساعدات، فيما صدر سابقاً بيان عن الرئاسة الروحية رحّب بدخول المساعدات، مع رفض دخول أي وفد حكومي، والذي اعتبرته مصادر مطلعة نابعاً من الخوف من محاولة الهجوم على الوفد من بعض الفصائل، ما قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع أكثر.

طوابير الخبز واستحالة العودة

منذ ساعات الصباح الباكر، يتوافد الآلاف من المدنيين في مدينة السويداء إلى مدخل الفرن الآلي، لانتظار دورهم في الحصول على بضعة أرغفة من الخبز. نسمة (اسم مستعار)، واحدة من مئات المنتظرين، تقول: “انتظرت ثلاث ساعات أمام أحد أفران مدينة شهبا حتى تمكنت من الحصول على تسعة أرغفة”.

في قرية أخرى، تبرّع شخص بسلة خبز كاملة للقرية، وبعد تزويد الأهالي السيارة بالمازوت لشحّه، توقّفت في ساحة القرية، وجاءت العائلات لاستلام أربع أرغفة لكل منزل.

يأتي هذا في ظل تأكيد مصادر إعلامية لموقع “السويداء 24” أن حاجز “الأمن العام” في منطقة بصرى الشام منع فرقاً صحافية أجنبية من الدخول إلى محافظة السويداء لتغطية الأحداث يوم أمس الأحد “لأسباب أمنية”، بعدما كان الدخول مسموحاً خلال الأيام الأخيرة. بينما قالت مصادر أخرى لـ”درج” إن وزارة الإعلام أخبرت بعض صحافيين أجانب أن تصريح دخولهم إلى السويداء سيكون الأخير، ولن يُمدد لأكثر من يومين.

نسمة، وهي متطوعة مع فرق عدة تحاول مساعدة الأهالي النازحين، تقول: “تذهب الصهاريج للتزود بالمياه من بئر في المنطقة الصناعية، ثم تُوزّع. لكن مع تدفق أعداد كبيرة من الناس القادمين من القرى إلى هذه المنطقة، زادت الاحتياجات بشكل كبير”.

ويُستخدم الوقود القليل في تشغيل المنشآت الأساسية كالمستشفيات والآبار وسيارات نقل الجثث. وقد وصل منذ يومين صهريجان من الوقود إلى المحافظة، لكنهما لا يشكّلان سوى نقطة في بحر احتياجات الناس.

ولا تزال الكهرباء مقطوعة عن معظم قرى المحافظة. وقد وصلت التغذية لمدة ساعة ونصف الساعة فقط بعد انقطاع دام نحو عشرة أيام، لكن في بعض القرى فقط، بحسب شهادات الأهالي. وقال مدير شركة الكهرباء: “الأعطال كبيرة والإمكانات متواضعة”.

تبدو الأزمة الإنسانية في السويداء طويلة الأمد، في ظل استحالة عودة السكان إلى أكثر من ثلاثين قرية دُمّرت بالكامل. فبعد نهبها، أُحرقت منازلها، وتعرضت بناها التحتية للتدمير، فيما اضطر كثر من الأهالي إلى النزوح.

من جهة أخرى، يزداد القلق من انتشار الأمراض والأوبئة، خصوصاً مع بقاء جثث كثيرة في الطرقات، ولا سيما في القرى التي لم يتمكن السكان من دخولها حتى الآن.

تقول نسمة: “رأيت طفلين، كانت أيديهما تعاني من التهابات شديدة وتحسس واضح. لا نعرف إن كان السبب هو المياه، أو الفُرُش، أو الغبار، أو حتى الحرّ الشديد والضغط النفسي. في اليوم الأول، ظهر التحسس على يد أحد الأطفال، وفي اليوم التالي، ظهرت الأعراض ذاتها على شقيقه. نخاف كثيراً من أن يتطور الأمر إلى حالات وبائية وانتشار واسع للأمراض”.

صيدليات توزّع الأدوية بالظرف الواحد

قال الصيدلاني رامي عوّاد من مدينة شهبا في تصريح لـ”درج”: “نوزِّع الأدوية علبةً علبة، وأحياناً نمنح المريض ظرفاً واحداً، يكفي المريض لنحو عشرة أيام، ليعود بعدها ويطلب المزيد”.

وأوضح رامي أن أزمة الأدوية في محافظة السويداء عموماً، ومدينة شهبا بخاصة، شديدة التعقيد، فالاعتماد الأساسي قائم على التوريدات القادمة من دمشق، والتي تشهد بدورها نقصاً كبيراً من الشركات الدوائية الرئيسية. ويتعامل الصيادلة اليوم مع ما يتوافر في المستودعات، لكن الكثير منها تعرّض للحرق أو السرقة.

ويشير رامي إلى أن انعدام الوقود فاقم الأزمة، إذ أصبح تبادل الأدوية بين المخازن والصيدليات شبه مستحيل: لا الدواء يصلهم، ولا هم قادرون على الذهاب لجلبه. وتابع: “لا توجد لدينا أي أدوية لمرضى السرطان. ثلاثة مرضى يراجعونني يومياً على أمل أن نؤمّن علاجهم، لكن لا جدوى”.

وفي ما يخصّ حليب الأطفال، قال رامي إن الكميات كادت أن تنفد تماماً، قبل أن يهبّ الأهالي من مختلف مناطق السويداء لإرسال ما توافر، فتم توزيع الكميات المحدودة مجاناً عبر مراكز مخصصة، لكنها لن تصمد طويلاً.

كما واجهت المدينة نقصاً حاداً في الأنسولين، إذ بُذلت جهود عدّة لتوفيره، لكن الكميات كانت محدودة وسرعان ما نفدت. لاحقاً، ساهمت كمية صغيرة وردت من الهلال الأحمر في تخفيف الضغط قليلاً.

رامي، كغيره من صيادلة المدينة، يوزّع الأدوية مجاناً. لكن الضغط بات يتزايد يومياً، بعدما لجأ إليهم نازحون من القرى المجاورة التي تعرّضت للهجمات، ما شكّل عبئاً كبيراً على موارد المدينة من أدوية ومواد أساسية أخرى.

وختم رامي بالقول: “إذا استمر الوضع كما هو، فلا أظن أن مدينة شهبا قادرة على الصمود لأكثر من أسبوع. حتى لو خفّ الضغط أو وصلت بعض التوريدات، لا أدري إن كان ذلك سيغيّر شيئاً”.

لا تتوقّف أزمة الرعاية الصحية عند هذا الحد، إذ تواجه المستشفيات التي لا تزال تعمل، ظروفاً خانقة. واضطرت الكوادر الطبية إلى استخدام الخلّ المركّز لتعقيم الجروح في ظلّ شحّ المواد الطبية.

يقول الطبيب حيان العربيد: “حالياً، النقص الأهم هو في مواد التثبيت العظمي، التي نحتاجها لإجراء العمليات الجراحية للإصابات. هذه المواد كانت تُستورد من دمشق عن طريق شركات ومندوبين، لكنها انقطعت اليوم، في حين أن النسبة العظمى من الإصابات هي إصابات عظمية وتتطلب سياخاً وصفائح وبراغيَ للتثبيت”.

كما أن هناك شحّاً في مواد الغسيل الكلوي. أما بالنسبة إلى باقي المواد الإسعافية، فيقول إنها وصلت بتوريدات من الهلال الأحمر، ويُتوقّع أن تكون كافية للفترة المقبلة.

وفي ظلّ انقطاع الكهرباء حتى عن المستشفيات، دعم المجتمع المدني في شهبا المستشفى الوحيد فيها، فجهّزه بطاقة شمسية خاصة به، بسبب الخوف من توقّف مولد الكهرباء نتيجة شحّ الوقود.

يختتم حيان: “لا يوجد جهاز قوسي، وهو أساسي في إزالة الشظايا وفي العمليات الجراحية العظمية، إلا في المستشفى الوطني، لأنه كبير ومكلف. وحتى في السويداء، لا يمكن استخدامه حالياً، لأن المواد اللازمة له غير متوافرة. لذلك نضطر إلى تأجيل علاج المريض لأسبوعين على أمل أن تُحلّ الأمور. يُجبَر الكسر، وتُثبّت وضعيته مؤقتاً، ثم ينتظر”.