ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

السياسة الدفاعيّة الأوروبيّة المشتركة: خلفيّات تاريخيّة وتحديات مستقبليّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على رغم أن الحرب الروسية – الأوكرانية لم تضع أوزارها بعد، بدأ الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء باستخلاص الدروس منها. الحرب المذكورة كشفت حجم الخلل البنيوي الذي تعاني منه أوروبا على صعيد قدراتها الدفاعية، مع سعي دونالد ترامب إلى وضع حد لهذه الحرب بمعزل عن الأوروبيين: إزاء رئيس أميركي لا يعترف إلا بالقوة الذاتية للدول، اتضح افتقاد الأوروبيين (ككتلة إقليمية ممثلة بالاتحاد الأوروبي وكدول مستقلة) الثقل اللازم للجلوس على طاولة المحادثات. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مراكز الأبحاث والدراسات الفرنسية اعتبرتها نتيجة طبيعية للتبعية الدفاعية للولايات المتحدة، والتي ترجع جذورها إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. 

وفقاً للضابط الفرنسي السابق والباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والدفاعية جان مارك فيجيلان، لم يكن الأوروبيون والأميركيون على الموجة ذاتها خلال الحرب الباردة

واشنطن اعتبرت أن دعمها الفعلي لأوروبا يتلخص في مساعدتها على النهوض الاقتصادي من خلال خطة مارشال. في المقابل، رأت العواصم الأوروبية في المظلة العسكرية الأميركية “تعويضاً عادلاً بعد تخلّيها عن طموحها لتزعّم العالم”. تمسك الأوروبيون بهذه المظلة التي جسدتها منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإن تعددت مقارباتهم لشكل العلاقة مع الناتو لتتراوح بين اعتماد شبه مطلق وضرورة بلورة هامش من الاستقلالية. 

التدقيق في لائحة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من جهة وأعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، يبين أن 24 دولة من دول الاتحاد الأوروبي أعضاء أيضاً في حلف الناتو، تُضاف إليها خمس دول أوروبية أعضاء في الناتو فقط. 

بحسب دراسة لمجمع التفكير الأوروبي “جاك ديلور”، إطلاق الاتحاد الأوروبي سياسة أمنية ودفاعية مشتركة في العام 1999 لم يقوض مكانة الناتو في أوروبا بل تم تأكيد أولوية الشراكة الأورو – أميركية  وهو ما اتضح عند وضع هذه السياسة موضع التنفيذ

برأي فيجيلان، يخلط الأوروبيون بين الناتو وواشنطن، ما يؤدي إلى فهم مشوّه لشبكة العلاقات تلك: فالجنرال الأميركي الذي يتولى القيادة العليا لقوات الحلفاء في أوروبا، هو في الوقت ذاته قائد القوات الأميركية في أوروبا التي يقع مقرها الرئيسي في شتوتغارت، ما يوحي بأن مصالح واشنطن تتماهى بالكامل مع توجهات الناتو. 

يضيف فيجيلان: “أوروبا تحظى بجزء من الاهتمام العسكري الأميركي وليس باهتمام كامل، كون القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا واحدة من ست قيادات إقليمية أميركية منتشرة في العالم”، ما يجعل الناتو حاجة لأوروبا أكثر منها للولايات المتحدة.: فالجنرال الأميركي المذكور يمضي أسبوعياً يوماً واحداً في بروكسل (مقر الناتو كما عاصمة الاتحاد الأوروبي)، فيما يكون في شتوتغارت خلال الأيام الستة الأخرى.

الحرب الروسية – الأوكرانية ضاعفت تبعية الأوروبيين للولايات المتحدة. وفقاً للبروفيسور في معهد العلوم السياسية سيلفان كان، واشنطن هي التي وضعت معايير المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا من دبابات وصواريخ وطائرات مقاتلة، كما رسمت الإدارة الأميركية الإطار السياسي لتلك المساعدات: منع هزيمة كييف من دون السماح بانتصارها على موسكو. 

إخفاق الأوروبيين لم يتجلّ فقط في عجزهم عن فرض إيقاعهم الخاص، وفقاً لسيلفان كان، بل تجلى أيضاً في لجوء بعضهم إلى شراء معدات عسكرية أميركية إن لإرسالها إلى أوكرانيا أو لتعويض النقص في مخزونهم العسكري بسبب دعمهم المقدم لكييف. 

التبعية الدفاعية للولايات المتحدة جعلت الدول الأوروبية عاجزة عن التصدي بمفردها “للخطر الروسي الذي يستهدفها”، ما دفعها للمراهنة على النفوذ الأميركي. مراهنة ارتدت عليها مع انفتاح ترامب المنفرد على روسيا، خطوة ولّدت ذعراً في الأوساط الأوروبية التي تخشى استبعادها من أي اتفاق أميركي – روسي محتمل، استبعاد سيمنعها من عرض هواجسها وفرض شروطها للجم “رغبات بوتين التوسعية”. 

التهديد الروسي الذي يخشاه الأوروبيون لم يبدأ مع غزو أوكرانيا في شباط/ فبراير 2022، بل تعتبر الدول الأوروبية أنها لم تكن أصلاً في حالة سلم مع موسكو. بحسب الجنرالين الأميركيين فرانك هوفمان وجايمس ماتيس، لم تعد الحروب التقليدية الوسيلة الوحيدة لإضعاف الخصم، بعدما بات بالإمكان اللجوء إلى مروحة متعددة من الخيارات كالضغوط الاقتصادية والهجوم السيبراني والتضليل الإعلامي، ما يصطلح على تسميته بـ “الحرب الهجينة”. 

وفقاً للباحث المتخصص في الشؤون الدفاعية الأوروبية فريديريك مورو، شنت روسيا حرباً هجينة استهدفت الدول الأوروبية أقله منذ العام 2003 وهو ما تجسد في محاولتها التأثير على مسار الاستحقاقات الانتخابية، الأوروبية والوطنية (المجر، رومانيا، سلوفاكيا، النمسا)، من خلال دعم مرشحين وقوى تناهض الشراكة الأوروبية. كما لجأت موسكو، وفقاً لمورو، إلى استهداف البنى التحتية (كابلات الاتصال البحري في بحر البلطيق) والتضييق على مصالح الدول (النفوذ الفرنسي في إفريقيا) وشن هجمات سيبرانية على المنشآت المدنية الحيوية (مستشفيات، شبكة المواصلات). وإلى جانب “الخطر الروسي” تضاف جملة من الصراعات التي تزيد من تهميش الأوروبيين (الشرق الأوسط، الحرب التجارية الأميركية – الصينية…).

لهذه الأسباب مجتمعة، يرى الأوروبيون ضرورة التكاتف في إطار الاتحاد الأوروبي لفرض ثقل جيوسياسي: التحدي الفعلي ليس استمرار توفير الدعم لأوكرانيا على المدى المنظور، الأهم هو الارتقاء بقدراتهم العسكرية على المدى البعيد وبمعزل عن المظلة الأميركية. ملف تحمله فرنسا بشكل رئيسي، وهي التي نادت طوال سنوات بضرورة بلورة رؤية دفاعية أوروبية.  

كثفت الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة مشاوراتها واجتماعاتها وقممها السياسية والعسكرية، والتي أفضت إلى تبني خطة “إعادة تسليح أوروبا”، خلال قمة المجلس الأوروبي الاستثنائية في 6 آذار/ مارس، والتي ستبلغ قيمتها الإجمالية 800 مليار يورو. كما تم التطرق إلى آليات تطبيقها خلال القمة الدورية للمجلس الأوروبي في 20 و21 آذار. بموجب هذه الخطة، ستقترض المفوضية الأوروبية 150 مليار يورو لتعود وتقرضها للدول الأعضاء حتى تمول نفقات التسلح في عدد من المجالات (الدفاع الجوي والصاروخي، المدفعية، الصواريخ، المسيرات، الأمن السيبراني …). 

للاستفادة من هذه القروض اشترطت المفوضية إطلاق استثمارات ومشاريع دفاعية مشتركة يجمع كل منها ما لا يقل عن دولتين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وبالإمكان أيضاً توسيع هذه المشاريع والاستثمارات المشتركة لتشمل دولاً أوروبية غير أعضاء في الاتحاد (النرويج، المملكة المتحدة) أو دولاً مرشحة لعضوية الاتحاد (أوكرانيا، تركيا) أو حتى دول غير أوروبية أبرمت معها اتفاقيات شراكة دفاعية (اليابان، كوريا الجنوبية). كما ستشترط المفوضية منح الأولوية للمعدات الأوروبية، وفي حال كان التوجه لشراء معدات غير أوروبية، طالبت المفوضية أن تكون محررة من أي قيود تسمح للمصدر إما بفرض شروط حول وجهة استخدامها أو حتى إمكانية تعطيلها عن بعد. 

بالتوازي، ستسمح المفوضية الأوروبية للحكومات بتجاوز سقف عجز الموازنة المسموح به حاليا ( 3% من الناتج المحلي)، وذلك خلال السنوات الأربع المقبلة بما يتيح زيادة الاستثمار الدفاعي عبر الاستدانة، على ألا تتخطى قيمة هذه الاستثمارات الإضافية الـ 1.5 في المئة من الناتج المحلي لكل دولة، خطوة ستوفر الـ 650 مليار يورو المتبقية. 

وتم التداول أيضاً بعدد من الاقتراحات التي لا تزال تفتقر إلى بلورة عملية، كتوسيع مظلة الردع النووي الفرنسية لتشمل القارة الأوروبية. 

الهدف من هذه الخطة جعل أوروبا مستقلة دفاعياً بحلول العام 2030 لمواجهة أي تهديد روسي محتمل. لبلوغ هذه الأهداف سيبادر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى مراجعة للسياسة الصناعية، لا سيما في شقّها الدفاعي. 

وفقاً لرئيس وحدة الأبحاث الأمنية والاستراتيجية الأوروبية في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية الأوروبية فيديريكو سانتوبينتو، انصب اهتمام الأوروبيين على توحيد معاييرهم الصناعية عوضاً عن انتهاج سياسة اندماجية – تكاملية، يضاف إلى ذلك عدم حماسة الدول الأعضاء لبذل جهد مشترك في هذا القطاع السيادي. 

واقع قيّد “الصلاحيات الصناعية” للمفوضية الأوروبية لصالح السياسات الوطنية، لتفتقد بذلك دول الاتحاد الأوروبي قاعدة صناعية متينة خاصة في المجال الدفاعي. لا يعني ذلك غياب الاتحاد الأوروبي عن المشهد، إذ تمكن من إيجاد موطئ قدم له في مجال الصناعات الدفاعية عبر “صندوق الدفاع الأوروبي” الذي تأسس في العام 2016، وإن انحصر دوره في تمويل الأبحاث والدراسات. 

جائحة كوفيد جعلت الأوروبيين يدركون ضعف بنيتهم التحتية الصناعية بعدما اتضح حجم اعتمادهم على الواردات الخارجية، وهو ما عاد وتأكد مع الغزو الروسي لأوكرانيا. وعليه خلصت الدول الأوروبية الى أنها بلغت أقصى ما بوسعها على صعيد توحيد المعايير، ما يستلزم وضع سياسة إقليمية ترقى إلى مستوى التحديات الجيوسياسية.

لذا أُطلِقَت مشاريع دفاعية مشتركة عدة منذ العام 2022، أبرزها برنامج ASAP لدعم إنتاج الذخائر، برنامج EDIRPA لدعم شراء مشترك لمعدات عسكرية وبرنامج  EPF – Track 2 لتمويل عمليات توريد المعدات العسكرية للشركاء. دور إقليمي سيتعزز مستقبلاً مع برنامج EDIP الخاص بتطوير القدرات الدفاعية الأوروبية عبر الاستثمار في الصناعات الدفاعية، بما يشكل امتداداً لبرنامجي ASAP  و EDIRPA. 

الاتحاد الأوروبي ليس بوارد إنشاء جيش إقليمي ولا دخول سوق السلاح العالمي كزبون جديد، كل ما في الأمر أن دوره سيتعزز على صعيد تقديم المشورة والتنسيق بين الدول الأعضاء وبلورة أهداف مشتركة. 

التكاتف الأوروبي عموماً وفي إطار الشراكة الأوروبية بخاصة، لم يكن قراراً اعتباطياً: لطالما كانت الأطر الأوروبي بديلاً عن الأطر الوطنية عندما يتضح عجزها أو قصورها، تعزيز دور الاتحاد الأوروبي في المجال الدفاعي يندرج إذاً في سياق هذه الرؤية. فدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة تمثل ثاني قوة اقتصادية عالمية، ومثلما تمكنت من فرض نفسها على الخارطة الاقتصادية العالمية عبر أدوات عدة (اليورو …) لا ترى ما يمنعها من الاضطلاع بالدور ذاته على الصعيد الدفاعي، بخاصة مع وجود نواة يمكن المراكمة عليها. 

في هذا السياق، يوضح فيجيلان أن آليات عمل سوق السلاح العالمي هي ذات خصوصية تميزه عن الأسواق التجارية التقليدية: إبرام صفقة لشراء معدات عسكرية لا يخضع بالضرورة لمعايير الجودة والنوعية التي يطرحها “الباعة”، الأمر رهن بقرار سياسي من “الزبائن”. 

علاوة على ذلك، تعتبر الدول الأوروبية أن تصديها للتهديدات الروسية وتعزيز حضورها الجيوسياسي سيتيحان لها الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام التي تحملها أوروبا، قيم باتت مهددة بفعل الأفكار الشعبوية وأنظمة حكم الفرد المطلق. بمعنى آخر، الجهود الأوروبية هي لتحصين “نموذج تقدمي” في نظام عالمي قيد التشكيل.

لكن إذا جردنا المسألة من الانفعال الأوروبي الناتج من الإحساس بالخذلان، بخاصة بعد مشادة البيت الأبيض بين ترامب وزيلينسكي، نجد أن طموح أوروبا دونه عقبات. 

أبرز العوائق التي قد تعرقل هذا المسار الاندماجي كما تطوير “قاعدة صناعية دفاعية أوروبية مشتركة”، هو روح المنافسة بين الدول الأوروبية. وفقاً لبيانات شركة Statista الصادرة في آذار 2025 ، من أصل 13 دولة تتصدر قائمة مصدري الأسلحة بين عامي 2020 و2024، نجد 6 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، هولندا، بولندا). تضاف إليها المملكة المتحدة، فعلى رغم خروج لندن من الاتحاد الأوروبي إلا أن خطوط التواصل والتنسيق الدفاعي بينها وبين بروكسل في أعلى مستوياتها أخيراً.  

من جهة أخرى، لن تتمكن الدول الأوروبية من حصد ثمار استثماراتها في الصناعات الدفاعية في ظل افتقادها سياسة خارجية مشتركة تتيح تشخيصاً موحداً للمخاطر والتهديدات، نقطة ضعف تجلت خلال قمة المجلس الأوروبي في 20 و21 آذار. 

خلال القمة المذكورة، ظهرت تباينات وانقسامات بين الدول الأعضاء بفعل موقعها الجغرافي: دول البلطيق والدول الاسكندينافية ودول أوروبا الشرقية هي أكثر عرضة “للخطر الروسي”، ما دفع رئيس الوزراء الدنماركي للمطالبة بأن تُمنح الكلمة العليا “لدول المواجهة” نظراً الى احتكاكها التاريخي بروسيا وقدرتها على فهم أهداف روسيا وتشخيصها أكثر من “الدول البعيدة”. 

على الضفة المقابلة، نجد الدول الواقعة جنوب القارة الأوروبية الأقل خشية من الخطر الروسي. فرئيس الوزراء الإسباني لم يخفِ اطمئنانه النسبي من عجز بوتين عن اجتياز سلسلة جبال البيرينييه للوصول إلى بلاده، موضحاً أن تحدياتهم وأولوياتهم المتوسطة والبعيدة المدى مختلفة عن أقرانهم (التغير المناخي…)، ناهيك بدولة مثل المجر المتماهية مع سياسات ترامب وبوتين. 

في سياق متصل، أدت الاعتراضات على منهجية التمويل إلى إجهاض الاتفاق على خطة كايا كالاس الرامية إلى توفير دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة 40 مليار يورو، ما يثير تساؤلات حول المطبات التي قد تعترض خطة “إعادة تسليح أوروبا” بملياراتها الـ 800. 

الانقسام حيال منح المفوضية الأوروبية صلاحية الاقتراض لم يكن سراً، بين مؤيدين (إيطاليا، إسبانيا، فرنسا، دول البلطيق، الدنمارك، فنلندا) ومعارضين (هولندا، السويد). المؤيدون لا يجدون إلا هذا السبيل لتوفير التمويل اللازم، بخاصة وأن بعضهم يعاني من تضخم في حجم مديونيته، فيما يرى المعارضون أن الدول الوطنية هي التي ستسدد هذه القروض في نهاية المطاف بصورة أو بأخرى. انقسام حاد لن يحسمه إلا الموقف الألماني الرمادي، والذي سيبقى على هذا الحال بانتظار تولي المستشار الجديد مهامه. 

حتى رئيسة المفوضية الأوروبية التي تعد عرابة خطة “إعادة تسليح أوروبا” ترغب في التروي، لا سيما وأن الاقتراض على المستوى الإقليمي يعد خطوة استثنائية ولم تقدم عليها المفوضية إلا مرة واحدة بهدف مساعدة الدول الأعضاء في إطار “خطة التعافي ما بعد كورونا”. وعلى سبيل التوضيح، سداد هذا القرض سيبدأ في العام 2028 ويمتد لثلاثين عاماً، وقد يشكل كل استحقاق بين 10 و20 في المئة من مجمل ميزانية الإتحاد الأوروبي، ما يعني أعباء إضافية.  

ولا يمكن تجاهل التحديات الداخلية لا سيما في الدول التي تشهد صعوداً لأحزاب اليمين المتطرف المعارضة أي “تفريط في السيادة الوطنية”. فأحزاب اليمين المتطرف تعارض أي دور دفاعي للاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، كما يستند بعضها إلى المادة 4 من معاهدة الاتحاد الأوروبي التي تنص على أن كل دولة مسؤولة عن أمنها الوطني، ما يعني إمكانية وضع عراقيل داخلية أمام الحكومات الوطنية سينتج منها كباشاً سياسياً داخلياً قد يدفع بحكومات إلى مراجعة توجهاتها أو حتى إلى تراجع دول عن التزاماتها في حال تولّي أحزاب معارضة السلطة.

02.04.2025
زمن القراءة: 9 minutes

على رغم أن الحرب الروسية – الأوكرانية لم تضع أوزارها بعد، بدأ الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء باستخلاص الدروس منها. الحرب المذكورة كشفت حجم الخلل البنيوي الذي تعاني منه أوروبا على صعيد قدراتها الدفاعية، مع سعي دونالد ترامب إلى وضع حد لهذه الحرب بمعزل عن الأوروبيين: إزاء رئيس أميركي لا يعترف إلا بالقوة الذاتية للدول، اتضح افتقاد الأوروبيين (ككتلة إقليمية ممثلة بالاتحاد الأوروبي وكدول مستقلة) الثقل اللازم للجلوس على طاولة المحادثات. 

مراكز الأبحاث والدراسات الفرنسية اعتبرتها نتيجة طبيعية للتبعية الدفاعية للولايات المتحدة، والتي ترجع جذورها إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. 

وفقاً للضابط الفرنسي السابق والباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والدفاعية جان مارك فيجيلان، لم يكن الأوروبيون والأميركيون على الموجة ذاتها خلال الحرب الباردة

واشنطن اعتبرت أن دعمها الفعلي لأوروبا يتلخص في مساعدتها على النهوض الاقتصادي من خلال خطة مارشال. في المقابل، رأت العواصم الأوروبية في المظلة العسكرية الأميركية “تعويضاً عادلاً بعد تخلّيها عن طموحها لتزعّم العالم”. تمسك الأوروبيون بهذه المظلة التي جسدتها منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإن تعددت مقارباتهم لشكل العلاقة مع الناتو لتتراوح بين اعتماد شبه مطلق وضرورة بلورة هامش من الاستقلالية. 

التدقيق في لائحة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من جهة وأعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، يبين أن 24 دولة من دول الاتحاد الأوروبي أعضاء أيضاً في حلف الناتو، تُضاف إليها خمس دول أوروبية أعضاء في الناتو فقط. 

بحسب دراسة لمجمع التفكير الأوروبي “جاك ديلور”، إطلاق الاتحاد الأوروبي سياسة أمنية ودفاعية مشتركة في العام 1999 لم يقوض مكانة الناتو في أوروبا بل تم تأكيد أولوية الشراكة الأورو – أميركية  وهو ما اتضح عند وضع هذه السياسة موضع التنفيذ

برأي فيجيلان، يخلط الأوروبيون بين الناتو وواشنطن، ما يؤدي إلى فهم مشوّه لشبكة العلاقات تلك: فالجنرال الأميركي الذي يتولى القيادة العليا لقوات الحلفاء في أوروبا، هو في الوقت ذاته قائد القوات الأميركية في أوروبا التي يقع مقرها الرئيسي في شتوتغارت، ما يوحي بأن مصالح واشنطن تتماهى بالكامل مع توجهات الناتو. 

يضيف فيجيلان: “أوروبا تحظى بجزء من الاهتمام العسكري الأميركي وليس باهتمام كامل، كون القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا واحدة من ست قيادات إقليمية أميركية منتشرة في العالم”، ما يجعل الناتو حاجة لأوروبا أكثر منها للولايات المتحدة.: فالجنرال الأميركي المذكور يمضي أسبوعياً يوماً واحداً في بروكسل (مقر الناتو كما عاصمة الاتحاد الأوروبي)، فيما يكون في شتوتغارت خلال الأيام الستة الأخرى.

الحرب الروسية – الأوكرانية ضاعفت تبعية الأوروبيين للولايات المتحدة. وفقاً للبروفيسور في معهد العلوم السياسية سيلفان كان، واشنطن هي التي وضعت معايير المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا من دبابات وصواريخ وطائرات مقاتلة، كما رسمت الإدارة الأميركية الإطار السياسي لتلك المساعدات: منع هزيمة كييف من دون السماح بانتصارها على موسكو. 

إخفاق الأوروبيين لم يتجلّ فقط في عجزهم عن فرض إيقاعهم الخاص، وفقاً لسيلفان كان، بل تجلى أيضاً في لجوء بعضهم إلى شراء معدات عسكرية أميركية إن لإرسالها إلى أوكرانيا أو لتعويض النقص في مخزونهم العسكري بسبب دعمهم المقدم لكييف. 

التبعية الدفاعية للولايات المتحدة جعلت الدول الأوروبية عاجزة عن التصدي بمفردها “للخطر الروسي الذي يستهدفها”، ما دفعها للمراهنة على النفوذ الأميركي. مراهنة ارتدت عليها مع انفتاح ترامب المنفرد على روسيا، خطوة ولّدت ذعراً في الأوساط الأوروبية التي تخشى استبعادها من أي اتفاق أميركي – روسي محتمل، استبعاد سيمنعها من عرض هواجسها وفرض شروطها للجم “رغبات بوتين التوسعية”. 

التهديد الروسي الذي يخشاه الأوروبيون لم يبدأ مع غزو أوكرانيا في شباط/ فبراير 2022، بل تعتبر الدول الأوروبية أنها لم تكن أصلاً في حالة سلم مع موسكو. بحسب الجنرالين الأميركيين فرانك هوفمان وجايمس ماتيس، لم تعد الحروب التقليدية الوسيلة الوحيدة لإضعاف الخصم، بعدما بات بالإمكان اللجوء إلى مروحة متعددة من الخيارات كالضغوط الاقتصادية والهجوم السيبراني والتضليل الإعلامي، ما يصطلح على تسميته بـ “الحرب الهجينة”. 

وفقاً للباحث المتخصص في الشؤون الدفاعية الأوروبية فريديريك مورو، شنت روسيا حرباً هجينة استهدفت الدول الأوروبية أقله منذ العام 2003 وهو ما تجسد في محاولتها التأثير على مسار الاستحقاقات الانتخابية، الأوروبية والوطنية (المجر، رومانيا، سلوفاكيا، النمسا)، من خلال دعم مرشحين وقوى تناهض الشراكة الأوروبية. كما لجأت موسكو، وفقاً لمورو، إلى استهداف البنى التحتية (كابلات الاتصال البحري في بحر البلطيق) والتضييق على مصالح الدول (النفوذ الفرنسي في إفريقيا) وشن هجمات سيبرانية على المنشآت المدنية الحيوية (مستشفيات، شبكة المواصلات). وإلى جانب “الخطر الروسي” تضاف جملة من الصراعات التي تزيد من تهميش الأوروبيين (الشرق الأوسط، الحرب التجارية الأميركية – الصينية…).

لهذه الأسباب مجتمعة، يرى الأوروبيون ضرورة التكاتف في إطار الاتحاد الأوروبي لفرض ثقل جيوسياسي: التحدي الفعلي ليس استمرار توفير الدعم لأوكرانيا على المدى المنظور، الأهم هو الارتقاء بقدراتهم العسكرية على المدى البعيد وبمعزل عن المظلة الأميركية. ملف تحمله فرنسا بشكل رئيسي، وهي التي نادت طوال سنوات بضرورة بلورة رؤية دفاعية أوروبية.  

كثفت الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة مشاوراتها واجتماعاتها وقممها السياسية والعسكرية، والتي أفضت إلى تبني خطة “إعادة تسليح أوروبا”، خلال قمة المجلس الأوروبي الاستثنائية في 6 آذار/ مارس، والتي ستبلغ قيمتها الإجمالية 800 مليار يورو. كما تم التطرق إلى آليات تطبيقها خلال القمة الدورية للمجلس الأوروبي في 20 و21 آذار. بموجب هذه الخطة، ستقترض المفوضية الأوروبية 150 مليار يورو لتعود وتقرضها للدول الأعضاء حتى تمول نفقات التسلح في عدد من المجالات (الدفاع الجوي والصاروخي، المدفعية، الصواريخ، المسيرات، الأمن السيبراني …). 

للاستفادة من هذه القروض اشترطت المفوضية إطلاق استثمارات ومشاريع دفاعية مشتركة يجمع كل منها ما لا يقل عن دولتين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وبالإمكان أيضاً توسيع هذه المشاريع والاستثمارات المشتركة لتشمل دولاً أوروبية غير أعضاء في الاتحاد (النرويج، المملكة المتحدة) أو دولاً مرشحة لعضوية الاتحاد (أوكرانيا، تركيا) أو حتى دول غير أوروبية أبرمت معها اتفاقيات شراكة دفاعية (اليابان، كوريا الجنوبية). كما ستشترط المفوضية منح الأولوية للمعدات الأوروبية، وفي حال كان التوجه لشراء معدات غير أوروبية، طالبت المفوضية أن تكون محررة من أي قيود تسمح للمصدر إما بفرض شروط حول وجهة استخدامها أو حتى إمكانية تعطيلها عن بعد. 

بالتوازي، ستسمح المفوضية الأوروبية للحكومات بتجاوز سقف عجز الموازنة المسموح به حاليا ( 3% من الناتج المحلي)، وذلك خلال السنوات الأربع المقبلة بما يتيح زيادة الاستثمار الدفاعي عبر الاستدانة، على ألا تتخطى قيمة هذه الاستثمارات الإضافية الـ 1.5 في المئة من الناتج المحلي لكل دولة، خطوة ستوفر الـ 650 مليار يورو المتبقية. 

وتم التداول أيضاً بعدد من الاقتراحات التي لا تزال تفتقر إلى بلورة عملية، كتوسيع مظلة الردع النووي الفرنسية لتشمل القارة الأوروبية. 

الهدف من هذه الخطة جعل أوروبا مستقلة دفاعياً بحلول العام 2030 لمواجهة أي تهديد روسي محتمل. لبلوغ هذه الأهداف سيبادر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى مراجعة للسياسة الصناعية، لا سيما في شقّها الدفاعي. 

وفقاً لرئيس وحدة الأبحاث الأمنية والاستراتيجية الأوروبية في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية الأوروبية فيديريكو سانتوبينتو، انصب اهتمام الأوروبيين على توحيد معاييرهم الصناعية عوضاً عن انتهاج سياسة اندماجية – تكاملية، يضاف إلى ذلك عدم حماسة الدول الأعضاء لبذل جهد مشترك في هذا القطاع السيادي. 

واقع قيّد “الصلاحيات الصناعية” للمفوضية الأوروبية لصالح السياسات الوطنية، لتفتقد بذلك دول الاتحاد الأوروبي قاعدة صناعية متينة خاصة في المجال الدفاعي. لا يعني ذلك غياب الاتحاد الأوروبي عن المشهد، إذ تمكن من إيجاد موطئ قدم له في مجال الصناعات الدفاعية عبر “صندوق الدفاع الأوروبي” الذي تأسس في العام 2016، وإن انحصر دوره في تمويل الأبحاث والدراسات. 

جائحة كوفيد جعلت الأوروبيين يدركون ضعف بنيتهم التحتية الصناعية بعدما اتضح حجم اعتمادهم على الواردات الخارجية، وهو ما عاد وتأكد مع الغزو الروسي لأوكرانيا. وعليه خلصت الدول الأوروبية الى أنها بلغت أقصى ما بوسعها على صعيد توحيد المعايير، ما يستلزم وضع سياسة إقليمية ترقى إلى مستوى التحديات الجيوسياسية.

لذا أُطلِقَت مشاريع دفاعية مشتركة عدة منذ العام 2022، أبرزها برنامج ASAP لدعم إنتاج الذخائر، برنامج EDIRPA لدعم شراء مشترك لمعدات عسكرية وبرنامج  EPF – Track 2 لتمويل عمليات توريد المعدات العسكرية للشركاء. دور إقليمي سيتعزز مستقبلاً مع برنامج EDIP الخاص بتطوير القدرات الدفاعية الأوروبية عبر الاستثمار في الصناعات الدفاعية، بما يشكل امتداداً لبرنامجي ASAP  و EDIRPA. 

الاتحاد الأوروبي ليس بوارد إنشاء جيش إقليمي ولا دخول سوق السلاح العالمي كزبون جديد، كل ما في الأمر أن دوره سيتعزز على صعيد تقديم المشورة والتنسيق بين الدول الأعضاء وبلورة أهداف مشتركة. 

التكاتف الأوروبي عموماً وفي إطار الشراكة الأوروبية بخاصة، لم يكن قراراً اعتباطياً: لطالما كانت الأطر الأوروبي بديلاً عن الأطر الوطنية عندما يتضح عجزها أو قصورها، تعزيز دور الاتحاد الأوروبي في المجال الدفاعي يندرج إذاً في سياق هذه الرؤية. فدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة تمثل ثاني قوة اقتصادية عالمية، ومثلما تمكنت من فرض نفسها على الخارطة الاقتصادية العالمية عبر أدوات عدة (اليورو …) لا ترى ما يمنعها من الاضطلاع بالدور ذاته على الصعيد الدفاعي، بخاصة مع وجود نواة يمكن المراكمة عليها. 

في هذا السياق، يوضح فيجيلان أن آليات عمل سوق السلاح العالمي هي ذات خصوصية تميزه عن الأسواق التجارية التقليدية: إبرام صفقة لشراء معدات عسكرية لا يخضع بالضرورة لمعايير الجودة والنوعية التي يطرحها “الباعة”، الأمر رهن بقرار سياسي من “الزبائن”. 

علاوة على ذلك، تعتبر الدول الأوروبية أن تصديها للتهديدات الروسية وتعزيز حضورها الجيوسياسي سيتيحان لها الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام التي تحملها أوروبا، قيم باتت مهددة بفعل الأفكار الشعبوية وأنظمة حكم الفرد المطلق. بمعنى آخر، الجهود الأوروبية هي لتحصين “نموذج تقدمي” في نظام عالمي قيد التشكيل.

لكن إذا جردنا المسألة من الانفعال الأوروبي الناتج من الإحساس بالخذلان، بخاصة بعد مشادة البيت الأبيض بين ترامب وزيلينسكي، نجد أن طموح أوروبا دونه عقبات. 

أبرز العوائق التي قد تعرقل هذا المسار الاندماجي كما تطوير “قاعدة صناعية دفاعية أوروبية مشتركة”، هو روح المنافسة بين الدول الأوروبية. وفقاً لبيانات شركة Statista الصادرة في آذار 2025 ، من أصل 13 دولة تتصدر قائمة مصدري الأسلحة بين عامي 2020 و2024، نجد 6 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، هولندا، بولندا). تضاف إليها المملكة المتحدة، فعلى رغم خروج لندن من الاتحاد الأوروبي إلا أن خطوط التواصل والتنسيق الدفاعي بينها وبين بروكسل في أعلى مستوياتها أخيراً.  

من جهة أخرى، لن تتمكن الدول الأوروبية من حصد ثمار استثماراتها في الصناعات الدفاعية في ظل افتقادها سياسة خارجية مشتركة تتيح تشخيصاً موحداً للمخاطر والتهديدات، نقطة ضعف تجلت خلال قمة المجلس الأوروبي في 20 و21 آذار. 

خلال القمة المذكورة، ظهرت تباينات وانقسامات بين الدول الأعضاء بفعل موقعها الجغرافي: دول البلطيق والدول الاسكندينافية ودول أوروبا الشرقية هي أكثر عرضة “للخطر الروسي”، ما دفع رئيس الوزراء الدنماركي للمطالبة بأن تُمنح الكلمة العليا “لدول المواجهة” نظراً الى احتكاكها التاريخي بروسيا وقدرتها على فهم أهداف روسيا وتشخيصها أكثر من “الدول البعيدة”. 

على الضفة المقابلة، نجد الدول الواقعة جنوب القارة الأوروبية الأقل خشية من الخطر الروسي. فرئيس الوزراء الإسباني لم يخفِ اطمئنانه النسبي من عجز بوتين عن اجتياز سلسلة جبال البيرينييه للوصول إلى بلاده، موضحاً أن تحدياتهم وأولوياتهم المتوسطة والبعيدة المدى مختلفة عن أقرانهم (التغير المناخي…)، ناهيك بدولة مثل المجر المتماهية مع سياسات ترامب وبوتين. 

في سياق متصل، أدت الاعتراضات على منهجية التمويل إلى إجهاض الاتفاق على خطة كايا كالاس الرامية إلى توفير دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة 40 مليار يورو، ما يثير تساؤلات حول المطبات التي قد تعترض خطة “إعادة تسليح أوروبا” بملياراتها الـ 800. 

الانقسام حيال منح المفوضية الأوروبية صلاحية الاقتراض لم يكن سراً، بين مؤيدين (إيطاليا، إسبانيا، فرنسا، دول البلطيق، الدنمارك، فنلندا) ومعارضين (هولندا، السويد). المؤيدون لا يجدون إلا هذا السبيل لتوفير التمويل اللازم، بخاصة وأن بعضهم يعاني من تضخم في حجم مديونيته، فيما يرى المعارضون أن الدول الوطنية هي التي ستسدد هذه القروض في نهاية المطاف بصورة أو بأخرى. انقسام حاد لن يحسمه إلا الموقف الألماني الرمادي، والذي سيبقى على هذا الحال بانتظار تولي المستشار الجديد مهامه. 

حتى رئيسة المفوضية الأوروبية التي تعد عرابة خطة “إعادة تسليح أوروبا” ترغب في التروي، لا سيما وأن الاقتراض على المستوى الإقليمي يعد خطوة استثنائية ولم تقدم عليها المفوضية إلا مرة واحدة بهدف مساعدة الدول الأعضاء في إطار “خطة التعافي ما بعد كورونا”. وعلى سبيل التوضيح، سداد هذا القرض سيبدأ في العام 2028 ويمتد لثلاثين عاماً، وقد يشكل كل استحقاق بين 10 و20 في المئة من مجمل ميزانية الإتحاد الأوروبي، ما يعني أعباء إضافية.  

ولا يمكن تجاهل التحديات الداخلية لا سيما في الدول التي تشهد صعوداً لأحزاب اليمين المتطرف المعارضة أي “تفريط في السيادة الوطنية”. فأحزاب اليمين المتطرف تعارض أي دور دفاعي للاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، كما يستند بعضها إلى المادة 4 من معاهدة الاتحاد الأوروبي التي تنص على أن كل دولة مسؤولة عن أمنها الوطني، ما يعني إمكانية وضع عراقيل داخلية أمام الحكومات الوطنية سينتج منها كباشاً سياسياً داخلياً قد يدفع بحكومات إلى مراجعة توجهاتها أو حتى إلى تراجع دول عن التزاماتها في حال تولّي أحزاب معارضة السلطة.