ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

السيسي إذ يطلق العنان لـ”الدراما الإيجابيّة” 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

جاء موسم رمضان الحالي، محمّلًا بمفارقة غير متوقعة: وسط هذه البيئة المحكمة، خرجت أعمال بدت كأنها تنتمي إلى زمن آخر. مسلسلات مثل “النُص”، “لام شمسية”، “ولاد الشمس” قلبي ومفتاحه”” إخواتي” و” ظلم المصطبة”… قدّمت ما يشبه الإجابة عن سؤال: هل ما زال بالإمكان تقديم دراما ذات مضمون، من دون الدخول في صدام مباشر مع الرقيب؟ في ما يبدو، نعم – ولو مؤقتاً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في منتصف موسم رمضان 2025، كان من المفترض أن تتجه الأنظار إلى الشاشة. بدلاً من ذلك، خطفها تصريح سياسي. إذ دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إنتاج “دراما إيجابية”، عبارة قصيرة كافية لإعادة إشعال نقاش قديم: من يكتب الحكاية؟ الفنان أم الدولة؟

الرد لم يتأخر. بعد أيام، ظهر حزب الجبهة الوطنية في المشهد معلناً عن دراسة لضبط ما سمّاه “المشاهد غير اللائقة”، بينما أعلن رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني عن مؤتمر مرتقب تحت عنوان “مستقبل الدراما في مصر”، ضمن مشروع أوسع لاستعادة نفوذ ماسبيرو. لم تكن مصادفة. كان المشهد محسوباً، ومألوفاً: توجيه سياسي، غلافه أخلاقي، وهدفه السيطرة.

ليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها السلطة الدراما كأداة ضبط. فهو أمر يعود إلى عهد جمال عبد الناصر، مرت العقود، وتبدلت الأساليب، لكن النتيجة لم تتغير كثيراً. 

في عام 2014، ومع صعود السيسي إلى السلطة، استُبدلت أساليب الرقابة القديمة بنسخة أكثر احترافية: شركات إنتاج ذات صلة بالأجهزة السيادية، استحواذات مدروسة، ومشهد درامي يُعاد تشكيله من الأعلى. “المتحدة للخدمات الإعلامية” وذراعها الإنتاجي “سينرجي”، التي احتكرت السوق تقريباً في موسم رمضان 2019 بإنتاج 15 من أصل 23 مسلسلاً. لم يكن ذلك مجرد نجاح تجاري. كان إعادة توزيع للسلطة داخل الصناعة.

أما النتيجة، فكانت موسماً درامياً وُصف بالأضعف منذ 2011. غابت الأصوات المستقلة، واختفت المساحات التي كانت تسمح بمواجهة الواقع. على الشاشة، تحولت السياسة إلى ملحمة أمنية، والمجتمع إلى صورة مؤطرة. مسلسل “الاختيار” لم يكن مجرد سرد لوقائع، بل إعادة كتابة لروايات الدولة عن لحظات فارقة كفض اعتصام رابعة. بينما تلاشت الأعمال التي اعتادت التقاط التوترات الحقيقية في الشارع، لم يبقَ سوى الصوت الواحد.

رمضان 2025

جاء موسم رمضان الحالي، محمّلًا بمفارقة غير متوقعة: وسط هذه البيئة المحكمة، خرجت أعمال بدت كأنها تنتمي إلى زمن آخر. مسلسلات مثل “النُص”، “لام شمسية”، “ولاد الشمس”  قلبي ومفتاحه”” إخواتي” و” ظلم المصطبة”… قدّمت ما يشبه الإجابة عن سؤال: هل ما زال بالإمكان تقديم دراما ذات مضمون، من دون الدخول في صدام مباشر مع الرقيب؟ في ما يبدو، نعم – ولو مؤقتاً.

وراء هذه الأعمال يقف مخرجون يعرفون كيف يناورون: شاكر خضير، تامر محسن، كريم الشناوي، حسام علي وغيرهم ممن لم ينتظروا مساحة حرية كاملة، بل انتزعوا ما يمكنهم انتزاعه. يساندهم ممثلون من أجيال مختلفة، من محمود حميدة ودياب إلى دنيا سامي وطه دسوقي، الذين أعادوا شيئاً من العفوية والبساطة إلى أداء طالما خنقته القوالب.

لكن التفاؤل الحذر لا يُخفي المعضلة الكبرى: هل هذا التحول استثناء؟ فترة سماح؟ أم بداية مسار جديد؟ لا أحد يعرف يقيناً. لكن المؤكد أن السلطة لا تزال تمسك بالمفتاح الرئيسي لغرفة التحكم.

السؤال لم يعد: هل هناك رقابة؟ بل: إلى أي مدى بإمكان الدراما أن تلتف حولها من دون أن تفقد معناها؟ وهل بإمكان صنّاع الفن في مصر أن يعيدوا تعريف حدود المسموح به، بدلاً من انتظار تعليمات من فوق؟ الدراما، في النهاية إذا كُتبت بالكامل من جهة واحدة، فقدت قدرتها على قول الحقيقة.

تدخّل السلطة في المشهد الفني المصري

لم تبدأ الدولة المصرية في الإمساك بخيوط الدراما من فراغ، بل ورثت تقليداً ترسخ منذ منتصف القرن الماضي، حين قرر النظام أن الثقافة ليست مرآة للمجتمع، بل أداة لتشكيله.

عام 1960، لم يكن قرار تأميم الإعلام مجرد خطوة اقتصادية. كان لحظة فاصلة، أُعيد فيها تعريف وظيفة الكلمة والصورة. الصحف لم تعد تكتب للناس، بل نيابة عنهم. الإذاعة لم تعد تنقل الواقع، بل تصنعه. والتلفزيون، الذي كان في مهده، حُسمت ولادته تحت عين الدولة.

الرسائل كانت دقيقة. مجلة تنشر قصة جريئة تُعدَّل فوراً. مذيع ينهي حديثه بـ”تصبحوا على حب” يُطلب منه استبدالها بـ”المحبة”. لا أحد فوق التصويب. لا رواية تمرّ من دون مراجعة. لم تكن هذه رقابة بالمعنى التقليدي، بل إعادة صياغة للغة العامة. ما يُقال، كيف يُقال، ولمن.

لكل قرار قصة تكشف أبعاده، وحادثة “كفر البطيخ” جاءت لتوضح ما يحصل وراء الكواليس. ففي إحدى المناسبات، عبّر الرئيس جمال عبد الناصر عن انزعاجه من تركيز الصحافة على حياة الأثرياء في النوادي الأرستقراطية، متسائلاً علناً: “لماذا لا تكتب الصحافة عن حياة الناس العاديين، مثل أهل كفر البطيخ؟”. لم يكن هذا التساؤل عفوياً أو بريئاً، بل كان بداية لتحول كبير في المشهد الإعلامي المصري. فسرعان ما فرضت الدولة سيطرة محكمة على الإعلام، امتدت لتشمل الفن أيضاً باعتباره وسيلة يمكن أن تساهم في “تشويه الصورة” أو “تشويش الوعي”، ما أدى إلى تأميم الصحافة ووضعها تحت إدارة الدولة بالكامل.

هكذا تحوّل الفن إلى مساحة مراقبة لا اختبار. وكل محاولة للاختلاف تُواجه إما بالتعديل، أو الإقصاء، أو الإهمال المتعمد. وعلى رغم لحظات انفراجة نسبية خلال السبعينات والثمانينات، فإن الخط العام ظل ثابتاً: الإبداع لا يُترك لمزاج الفنان، بل يُدار حسب مزاج السلطة.

وبينما تبدو هذه الممارسات من حقبة بعيدة، فإن صداها لا يزال حاضراً. البنية لم تتغير كثيراً، بل فقط الأدوات.
في العقد الأول من الألفية، بدا وكأن الدراما المصرية وجدت لنفسها متنفساً. شركات خاصة، أصوات جديدة، مواضيع جريئة، وحتى اختلاف في الشكل البصري. لكن ما إن تبدل المشهد السياسي في 2014، حتى عادت الدولة إلى مقعد القيادة، هذه المرة بأدوات أشد فاعلية من الرقابة المباشرة.

شاشة الدولة: من يكتب السيناريو… الفنان أم الجنرال؟

في إفطار القوات المسلحة خلال رمضان 2025، لم تكن الكلمة المقتضبة التي ألقاها الرئيس عبد الفتاح السيسي مجرد نصيحة عابرة لصنّاع الفن، بل كانت بمثابة إعلان عن توجه جديد. دعا السيسي إلى إنتاج “دراما إيجابية” تتجنب المحتوى الذي وصفه بـ”الغث والترفيه الفارغ”، وتلتزم بما يخدم “بناء الأمة” وترسيخ القيم الأخلاقية. الرسالة كانت واضحة: المطلوب من الفن ليس أن يثير التساؤلات أو يدهش الجمهور، بل أن يلتزم بسقف الدولة ويساهم في تحقيق أهدافها، بما في ذلك تعزيز الهوية الوطنية ومواجهة ما يعتبره النظام مظاهر سلبية مثل العنف والانحراف السلوكي.

في دولة تُعامَل فيها الثقافة كمسألة أمن قومي، لم تمرّ الكلمات مرور الكرام. بعد أيام، أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام عن مؤتمر بعنوان “مستقبل الدراما في مصر”، هدفه – بحسب البيان الرسمي – صياغة استراتيجية إنتاج فني يتماشى مع قيم الدولة. من حيث الشكل، تبدو خطوة تنظيمية. لكن بين السطور، يظهر القلق القديم: هل تعود الدراما إلى زمن الشعارات المعلّبة والبطولات المصنوعة في مكاتب التحرير، لا في غرف الكتّاب؟

منطق “تهذيب الذوق العام” ليس جديداً، لكن الجديد هو غلافه الأخلاقي الطاغي، الذي يُستخدم لتمرير أجندة توجيه سياسي ناعم. الرسائل الأخلاقية تُقدَّم اليوم كبديل عن التسلية، لا كجزء منها. ومع كل تصريح عن “رفع مستوى الوعي”، يعود طيف دراما الستينات والثمانينات، حين كانت الشاشة ساحة تعبئة، لا مساحة فن.

 هذه التوجهات بـ”ترويض الفن”، تشير إلى نمط متزايد من الأعمال التي لا تهدف إلا الى تلميع صورة السلطة وتقديم رؤية أحادية للواقع. هي أشبه بمحاولة لـ”الطمس على أعين المصريين”، الخطورة هنا لا تتعلق بجودة العمل الفني، بل بالمنطق الذي يُدار به: وظيفة الفن أن يخدم، لا أن يعارض، أن يُجمّل، لا أن يُربك.

لكن، في المقابل، يرى مؤيدو هذا التوجه أن الفن ليس نقيضاً للمسؤولية. من وجهة نظرهم، بإمكان الدراما أن تلتزم بقيم المجتمع من دون أن تنجرّ إلى الابتذال أو الفوضى. الهدف، كما يقولون، ليس كتم الأفواه بل ضبط الإيقاع العام، وتصفية المحتوى من مظاهر العنف والإسفاف التي باتت شائعة.

المشكلة لم تكن يوماً في وجود رؤية، بل في فرضها من أعلى. فعندما تُعامل الأخلاق كأوامر، يتحول كل اجتهاد فردي إلى تهديد، وكل اختلاف إلى مشكلة يجب ترويضها. قد تملك الدولة مفاتيح الإنتاج، لكنها لا تملك ذوق الجمهور. هذه معادلة تكرّرت مراراً، وكان موسم 2019 الدليل الأكثر وضوحاً: إنتاج ضخم، احتكار شبه كامل لشركة واحدة، وناتج فني بارد لم يصمد أمام انتقادات النقاد ولا أمام الريموت كونترول.

انخفضت نسب المشاهدة، وبدأت الخسائر تظهر في تقارير الإنتاج. عندها فقط، أدرك صنّاع القرار أن الرسالة وحدها لا تصنع جمهوراً. لا أحد يشاهد مسلسلاً لأن الدولة تعتبره وطنياً. الناس تشاهد ما يحرّكها، يضحكها، أو حتى يغضبها.

في 2020، ظهر تعديل في الاستراتيجية. فُتح الباب أمام بعض المنتجين، لكن بشروط. أعمال متنوعة بدأت تجد طريقها إلى الشاشة، لا لأنها تمردت، بل لأنها قدمت شيئاً بإمكان المشاهد أن يصدّقه. القصص عادت، وإن جزئياً. وبدا أن السوق – لا السلطة – هو من يحدد إلى أين تتجه الكاميرا.

المشاهد المصري ليس أسير القنوات المحلية. في زمن المنصات الرقمية، البدائل موجودة دائماً. إن ضاق الخيال في القاهرة، فاسطنبول مستعدة، ونتفليكس تنتظر. والمفارقة أن الجمهور لا يحتاج الى تبرير انصرافه، ولا الى إعلان عصيانه. كل ما عليه أن يفعل هو أن يغيّر القناة.

نجاح بعض الأعمال في ظل القيود الحالية يشير إلى ذلك: بالإمكان صناعة دراما جاذبة، لكن هذا يتطلب عقلاً إنتاجياً يعرف الفارق بين “المحتوى الملتزم” و”المحتوى المعلّب”.

في النهاية، لا أحد يشاهد الفن ليُلقّن، بل ليُصدَم، يُدهَش، ليفكر أو حتى ليتسلى.


تحالفات على الشاشة: كيف تُدار الدراما في الإقليم كملف أمني

ليست مصر وحدها من تُحكم قبضتها على الشاشة. ما يحدث في القاهرة يجد أصداءً متفاوتة في دمشق، الرياض، أبو ظبي، وحتى أنقرة. الفارق فقط في النبرة، لا في الهدف: كل سلطة تعرف جيداً أن المسلسل الجيد قد يحقق ما لا تقدر عليه الخطب ولا المؤتمرات.

في سوريا بشار الأسد، تحوّلت الدراما إلى أداة حرب. منذ اندلاع الصراع الأهلي، باتت المسلسلات أقرب إلى نشرات دعائية مطوّلة. في موسم رمضان 2018، ظهرت أعمال تمجّد “بطولات” الجيش السوري، وتُشيطن المعارضة بوصفها عصابات إرهابية. المهجّرون يُصوَّرون كضحايا “الإرهاب”، لا كناجين من براميل النظام. ليست مبالغات درامية بل سياسة تحرير تُكتب في المكاتب الأمنية، حيث أصبح كبار المنتجين على اتصال مباشر بأجهزة المخابرات. النتيجة: مساحة النقد الاجتماعي تقلّصت، ومساحة التبرير السياسي تمددت.

في الخليج، الأسلوب مختلف. الدراما هناك ليست عن الداخل، بل عن الخارج. مسلسل “ممالك النار” (2019) لم يكن مجرد إنتاج تاريخي، بل رد استراتيجي على الهيمنة الدرامية التركية. بتمويل إماراتي، وعرض سعودي، وترويج إعلامي مصري، وُلد العمل كتحالف ثقافي – سياسي هدفه كسر صورة العثمانيين البطولية التي رسّختها مسلسلات مثل قيامة أرطغرل. الرسالة لم تكن خفية: التاريخ يُكتب مجدداً، ولكن من الجهة الأخرى للمتاريس. وبهذا، دخلت المنطقة مرحلة صراع سرديات تُدار فيها المعارك بأدوات الترفيه نفسها.

تركيا، في المقابل، تلعب اللعبة بطريقتين. تترك للسوق حرية إنتاج الدراما الاجتماعية والرومانسية التي اجتاحت الشاشات العربية، وتحتفظ لنفسها بمساحة خاصة لإنتاج ملحمي موجه. مسلسلات مثل “المؤسس عثمان” و”أرطغرل” لم تأتِ من فراغ، بل بدعم رسمي ضمني يصبّ في مشروع “استعادة الذاكرة العثمانية” كجزء من الهوية القومية الجديدة. ما فعلته أنقرة بذكاء هو الفصل بين الخط التجاري والخط الإيديولوجي: الأول يخاطب الجمهور، والثاني يخاطب التاريخ – وكلاهما يخدم السياسة.

المقارنة هنا لا تهدف إلى التفضيل، بل إلى التفكيك. في كل هذه النماذج، يتقاطع الفن بالسلطة، لكن بدرجات. في سوريا، الرقابة فظة. في الخليج، الاستثمار مدروس. في تركيا، الانقسام واضح بين السوق والدولة. أما في مصر، فالمعادلة مختلّة أصلاً: الرؤية القيمية لا تُطرح للنقاش، بل تُفرَض من أعلى، وما يُمنَح من حرية ليس سوى استثناء مشروط، سرعان ما يُسحب إذا تجاوز حدوده. ما تكشفه هذه المقاربات أن التحكم في الدراما ليس استثناءً، بل القاعدة في الإقليم. السؤال الحقيقي ليس: هل تتدخل الدولة؟ بل: كيف؟ وبأي كلفة؟ ومن يدفع الثمن؟ الجمهور؟ أم الحقيقة؟ أم الفن نفسه؟

ما بين القاهرة ودمشق، اسطنبول وأبو ظبي، لم تعد الدراما مجرد خيال تُروى فيه الحكايات. صارت أداة سيادية، تُدار بالهوى السياسي، وتُكتب تحت عيون لا ترى في الفن إلا وسيلة لبناء الرواية الرسمية.

السلطة قد تملك المنصات، لكن الجمهور لا يُشترى بسهولة. والتاريخ – كما علمتنا كل تجارب المنطقة – لا يُكتب فقط بمن حضر، بل بمن تجرأ على أن يحكي ما لا يُقال.

28.03.2025
زمن القراءة: 8 minutes

جاء موسم رمضان الحالي، محمّلًا بمفارقة غير متوقعة: وسط هذه البيئة المحكمة، خرجت أعمال بدت كأنها تنتمي إلى زمن آخر. مسلسلات مثل “النُص”، “لام شمسية”، “ولاد الشمس” قلبي ومفتاحه”” إخواتي” و” ظلم المصطبة”… قدّمت ما يشبه الإجابة عن سؤال: هل ما زال بالإمكان تقديم دراما ذات مضمون، من دون الدخول في صدام مباشر مع الرقيب؟ في ما يبدو، نعم – ولو مؤقتاً.

في منتصف موسم رمضان 2025، كان من المفترض أن تتجه الأنظار إلى الشاشة. بدلاً من ذلك، خطفها تصريح سياسي. إذ دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إنتاج “دراما إيجابية”، عبارة قصيرة كافية لإعادة إشعال نقاش قديم: من يكتب الحكاية؟ الفنان أم الدولة؟

الرد لم يتأخر. بعد أيام، ظهر حزب الجبهة الوطنية في المشهد معلناً عن دراسة لضبط ما سمّاه “المشاهد غير اللائقة”، بينما أعلن رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني عن مؤتمر مرتقب تحت عنوان “مستقبل الدراما في مصر”، ضمن مشروع أوسع لاستعادة نفوذ ماسبيرو. لم تكن مصادفة. كان المشهد محسوباً، ومألوفاً: توجيه سياسي، غلافه أخلاقي، وهدفه السيطرة.

ليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها السلطة الدراما كأداة ضبط. فهو أمر يعود إلى عهد جمال عبد الناصر، مرت العقود، وتبدلت الأساليب، لكن النتيجة لم تتغير كثيراً. 

في عام 2014، ومع صعود السيسي إلى السلطة، استُبدلت أساليب الرقابة القديمة بنسخة أكثر احترافية: شركات إنتاج ذات صلة بالأجهزة السيادية، استحواذات مدروسة، ومشهد درامي يُعاد تشكيله من الأعلى. “المتحدة للخدمات الإعلامية” وذراعها الإنتاجي “سينرجي”، التي احتكرت السوق تقريباً في موسم رمضان 2019 بإنتاج 15 من أصل 23 مسلسلاً. لم يكن ذلك مجرد نجاح تجاري. كان إعادة توزيع للسلطة داخل الصناعة.

أما النتيجة، فكانت موسماً درامياً وُصف بالأضعف منذ 2011. غابت الأصوات المستقلة، واختفت المساحات التي كانت تسمح بمواجهة الواقع. على الشاشة، تحولت السياسة إلى ملحمة أمنية، والمجتمع إلى صورة مؤطرة. مسلسل “الاختيار” لم يكن مجرد سرد لوقائع، بل إعادة كتابة لروايات الدولة عن لحظات فارقة كفض اعتصام رابعة. بينما تلاشت الأعمال التي اعتادت التقاط التوترات الحقيقية في الشارع، لم يبقَ سوى الصوت الواحد.

رمضان 2025

جاء موسم رمضان الحالي، محمّلًا بمفارقة غير متوقعة: وسط هذه البيئة المحكمة، خرجت أعمال بدت كأنها تنتمي إلى زمن آخر. مسلسلات مثل “النُص”، “لام شمسية”، “ولاد الشمس”  قلبي ومفتاحه”” إخواتي” و” ظلم المصطبة”… قدّمت ما يشبه الإجابة عن سؤال: هل ما زال بالإمكان تقديم دراما ذات مضمون، من دون الدخول في صدام مباشر مع الرقيب؟ في ما يبدو، نعم – ولو مؤقتاً.

وراء هذه الأعمال يقف مخرجون يعرفون كيف يناورون: شاكر خضير، تامر محسن، كريم الشناوي، حسام علي وغيرهم ممن لم ينتظروا مساحة حرية كاملة، بل انتزعوا ما يمكنهم انتزاعه. يساندهم ممثلون من أجيال مختلفة، من محمود حميدة ودياب إلى دنيا سامي وطه دسوقي، الذين أعادوا شيئاً من العفوية والبساطة إلى أداء طالما خنقته القوالب.

لكن التفاؤل الحذر لا يُخفي المعضلة الكبرى: هل هذا التحول استثناء؟ فترة سماح؟ أم بداية مسار جديد؟ لا أحد يعرف يقيناً. لكن المؤكد أن السلطة لا تزال تمسك بالمفتاح الرئيسي لغرفة التحكم.

السؤال لم يعد: هل هناك رقابة؟ بل: إلى أي مدى بإمكان الدراما أن تلتف حولها من دون أن تفقد معناها؟ وهل بإمكان صنّاع الفن في مصر أن يعيدوا تعريف حدود المسموح به، بدلاً من انتظار تعليمات من فوق؟ الدراما، في النهاية إذا كُتبت بالكامل من جهة واحدة، فقدت قدرتها على قول الحقيقة.

تدخّل السلطة في المشهد الفني المصري

لم تبدأ الدولة المصرية في الإمساك بخيوط الدراما من فراغ، بل ورثت تقليداً ترسخ منذ منتصف القرن الماضي، حين قرر النظام أن الثقافة ليست مرآة للمجتمع، بل أداة لتشكيله.

عام 1960، لم يكن قرار تأميم الإعلام مجرد خطوة اقتصادية. كان لحظة فاصلة، أُعيد فيها تعريف وظيفة الكلمة والصورة. الصحف لم تعد تكتب للناس، بل نيابة عنهم. الإذاعة لم تعد تنقل الواقع، بل تصنعه. والتلفزيون، الذي كان في مهده، حُسمت ولادته تحت عين الدولة.

الرسائل كانت دقيقة. مجلة تنشر قصة جريئة تُعدَّل فوراً. مذيع ينهي حديثه بـ”تصبحوا على حب” يُطلب منه استبدالها بـ”المحبة”. لا أحد فوق التصويب. لا رواية تمرّ من دون مراجعة. لم تكن هذه رقابة بالمعنى التقليدي، بل إعادة صياغة للغة العامة. ما يُقال، كيف يُقال، ولمن.

لكل قرار قصة تكشف أبعاده، وحادثة “كفر البطيخ” جاءت لتوضح ما يحصل وراء الكواليس. ففي إحدى المناسبات، عبّر الرئيس جمال عبد الناصر عن انزعاجه من تركيز الصحافة على حياة الأثرياء في النوادي الأرستقراطية، متسائلاً علناً: “لماذا لا تكتب الصحافة عن حياة الناس العاديين، مثل أهل كفر البطيخ؟”. لم يكن هذا التساؤل عفوياً أو بريئاً، بل كان بداية لتحول كبير في المشهد الإعلامي المصري. فسرعان ما فرضت الدولة سيطرة محكمة على الإعلام، امتدت لتشمل الفن أيضاً باعتباره وسيلة يمكن أن تساهم في “تشويه الصورة” أو “تشويش الوعي”، ما أدى إلى تأميم الصحافة ووضعها تحت إدارة الدولة بالكامل.

هكذا تحوّل الفن إلى مساحة مراقبة لا اختبار. وكل محاولة للاختلاف تُواجه إما بالتعديل، أو الإقصاء، أو الإهمال المتعمد. وعلى رغم لحظات انفراجة نسبية خلال السبعينات والثمانينات، فإن الخط العام ظل ثابتاً: الإبداع لا يُترك لمزاج الفنان، بل يُدار حسب مزاج السلطة.

وبينما تبدو هذه الممارسات من حقبة بعيدة، فإن صداها لا يزال حاضراً. البنية لم تتغير كثيراً، بل فقط الأدوات.
في العقد الأول من الألفية، بدا وكأن الدراما المصرية وجدت لنفسها متنفساً. شركات خاصة، أصوات جديدة، مواضيع جريئة، وحتى اختلاف في الشكل البصري. لكن ما إن تبدل المشهد السياسي في 2014، حتى عادت الدولة إلى مقعد القيادة، هذه المرة بأدوات أشد فاعلية من الرقابة المباشرة.

شاشة الدولة: من يكتب السيناريو… الفنان أم الجنرال؟

في إفطار القوات المسلحة خلال رمضان 2025، لم تكن الكلمة المقتضبة التي ألقاها الرئيس عبد الفتاح السيسي مجرد نصيحة عابرة لصنّاع الفن، بل كانت بمثابة إعلان عن توجه جديد. دعا السيسي إلى إنتاج “دراما إيجابية” تتجنب المحتوى الذي وصفه بـ”الغث والترفيه الفارغ”، وتلتزم بما يخدم “بناء الأمة” وترسيخ القيم الأخلاقية. الرسالة كانت واضحة: المطلوب من الفن ليس أن يثير التساؤلات أو يدهش الجمهور، بل أن يلتزم بسقف الدولة ويساهم في تحقيق أهدافها، بما في ذلك تعزيز الهوية الوطنية ومواجهة ما يعتبره النظام مظاهر سلبية مثل العنف والانحراف السلوكي.

في دولة تُعامَل فيها الثقافة كمسألة أمن قومي، لم تمرّ الكلمات مرور الكرام. بعد أيام، أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام عن مؤتمر بعنوان “مستقبل الدراما في مصر”، هدفه – بحسب البيان الرسمي – صياغة استراتيجية إنتاج فني يتماشى مع قيم الدولة. من حيث الشكل، تبدو خطوة تنظيمية. لكن بين السطور، يظهر القلق القديم: هل تعود الدراما إلى زمن الشعارات المعلّبة والبطولات المصنوعة في مكاتب التحرير، لا في غرف الكتّاب؟

منطق “تهذيب الذوق العام” ليس جديداً، لكن الجديد هو غلافه الأخلاقي الطاغي، الذي يُستخدم لتمرير أجندة توجيه سياسي ناعم. الرسائل الأخلاقية تُقدَّم اليوم كبديل عن التسلية، لا كجزء منها. ومع كل تصريح عن “رفع مستوى الوعي”، يعود طيف دراما الستينات والثمانينات، حين كانت الشاشة ساحة تعبئة، لا مساحة فن.

 هذه التوجهات بـ”ترويض الفن”، تشير إلى نمط متزايد من الأعمال التي لا تهدف إلا الى تلميع صورة السلطة وتقديم رؤية أحادية للواقع. هي أشبه بمحاولة لـ”الطمس على أعين المصريين”، الخطورة هنا لا تتعلق بجودة العمل الفني، بل بالمنطق الذي يُدار به: وظيفة الفن أن يخدم، لا أن يعارض، أن يُجمّل، لا أن يُربك.

لكن، في المقابل، يرى مؤيدو هذا التوجه أن الفن ليس نقيضاً للمسؤولية. من وجهة نظرهم، بإمكان الدراما أن تلتزم بقيم المجتمع من دون أن تنجرّ إلى الابتذال أو الفوضى. الهدف، كما يقولون، ليس كتم الأفواه بل ضبط الإيقاع العام، وتصفية المحتوى من مظاهر العنف والإسفاف التي باتت شائعة.

المشكلة لم تكن يوماً في وجود رؤية، بل في فرضها من أعلى. فعندما تُعامل الأخلاق كأوامر، يتحول كل اجتهاد فردي إلى تهديد، وكل اختلاف إلى مشكلة يجب ترويضها. قد تملك الدولة مفاتيح الإنتاج، لكنها لا تملك ذوق الجمهور. هذه معادلة تكرّرت مراراً، وكان موسم 2019 الدليل الأكثر وضوحاً: إنتاج ضخم، احتكار شبه كامل لشركة واحدة، وناتج فني بارد لم يصمد أمام انتقادات النقاد ولا أمام الريموت كونترول.

انخفضت نسب المشاهدة، وبدأت الخسائر تظهر في تقارير الإنتاج. عندها فقط، أدرك صنّاع القرار أن الرسالة وحدها لا تصنع جمهوراً. لا أحد يشاهد مسلسلاً لأن الدولة تعتبره وطنياً. الناس تشاهد ما يحرّكها، يضحكها، أو حتى يغضبها.

في 2020، ظهر تعديل في الاستراتيجية. فُتح الباب أمام بعض المنتجين، لكن بشروط. أعمال متنوعة بدأت تجد طريقها إلى الشاشة، لا لأنها تمردت، بل لأنها قدمت شيئاً بإمكان المشاهد أن يصدّقه. القصص عادت، وإن جزئياً. وبدا أن السوق – لا السلطة – هو من يحدد إلى أين تتجه الكاميرا.

المشاهد المصري ليس أسير القنوات المحلية. في زمن المنصات الرقمية، البدائل موجودة دائماً. إن ضاق الخيال في القاهرة، فاسطنبول مستعدة، ونتفليكس تنتظر. والمفارقة أن الجمهور لا يحتاج الى تبرير انصرافه، ولا الى إعلان عصيانه. كل ما عليه أن يفعل هو أن يغيّر القناة.

نجاح بعض الأعمال في ظل القيود الحالية يشير إلى ذلك: بالإمكان صناعة دراما جاذبة، لكن هذا يتطلب عقلاً إنتاجياً يعرف الفارق بين “المحتوى الملتزم” و”المحتوى المعلّب”.

في النهاية، لا أحد يشاهد الفن ليُلقّن، بل ليُصدَم، يُدهَش، ليفكر أو حتى ليتسلى.


تحالفات على الشاشة: كيف تُدار الدراما في الإقليم كملف أمني

ليست مصر وحدها من تُحكم قبضتها على الشاشة. ما يحدث في القاهرة يجد أصداءً متفاوتة في دمشق، الرياض، أبو ظبي، وحتى أنقرة. الفارق فقط في النبرة، لا في الهدف: كل سلطة تعرف جيداً أن المسلسل الجيد قد يحقق ما لا تقدر عليه الخطب ولا المؤتمرات.

في سوريا بشار الأسد، تحوّلت الدراما إلى أداة حرب. منذ اندلاع الصراع الأهلي، باتت المسلسلات أقرب إلى نشرات دعائية مطوّلة. في موسم رمضان 2018، ظهرت أعمال تمجّد “بطولات” الجيش السوري، وتُشيطن المعارضة بوصفها عصابات إرهابية. المهجّرون يُصوَّرون كضحايا “الإرهاب”، لا كناجين من براميل النظام. ليست مبالغات درامية بل سياسة تحرير تُكتب في المكاتب الأمنية، حيث أصبح كبار المنتجين على اتصال مباشر بأجهزة المخابرات. النتيجة: مساحة النقد الاجتماعي تقلّصت، ومساحة التبرير السياسي تمددت.

في الخليج، الأسلوب مختلف. الدراما هناك ليست عن الداخل، بل عن الخارج. مسلسل “ممالك النار” (2019) لم يكن مجرد إنتاج تاريخي، بل رد استراتيجي على الهيمنة الدرامية التركية. بتمويل إماراتي، وعرض سعودي، وترويج إعلامي مصري، وُلد العمل كتحالف ثقافي – سياسي هدفه كسر صورة العثمانيين البطولية التي رسّختها مسلسلات مثل قيامة أرطغرل. الرسالة لم تكن خفية: التاريخ يُكتب مجدداً، ولكن من الجهة الأخرى للمتاريس. وبهذا، دخلت المنطقة مرحلة صراع سرديات تُدار فيها المعارك بأدوات الترفيه نفسها.

تركيا، في المقابل، تلعب اللعبة بطريقتين. تترك للسوق حرية إنتاج الدراما الاجتماعية والرومانسية التي اجتاحت الشاشات العربية، وتحتفظ لنفسها بمساحة خاصة لإنتاج ملحمي موجه. مسلسلات مثل “المؤسس عثمان” و”أرطغرل” لم تأتِ من فراغ، بل بدعم رسمي ضمني يصبّ في مشروع “استعادة الذاكرة العثمانية” كجزء من الهوية القومية الجديدة. ما فعلته أنقرة بذكاء هو الفصل بين الخط التجاري والخط الإيديولوجي: الأول يخاطب الجمهور، والثاني يخاطب التاريخ – وكلاهما يخدم السياسة.

المقارنة هنا لا تهدف إلى التفضيل، بل إلى التفكيك. في كل هذه النماذج، يتقاطع الفن بالسلطة، لكن بدرجات. في سوريا، الرقابة فظة. في الخليج، الاستثمار مدروس. في تركيا، الانقسام واضح بين السوق والدولة. أما في مصر، فالمعادلة مختلّة أصلاً: الرؤية القيمية لا تُطرح للنقاش، بل تُفرَض من أعلى، وما يُمنَح من حرية ليس سوى استثناء مشروط، سرعان ما يُسحب إذا تجاوز حدوده. ما تكشفه هذه المقاربات أن التحكم في الدراما ليس استثناءً، بل القاعدة في الإقليم. السؤال الحقيقي ليس: هل تتدخل الدولة؟ بل: كيف؟ وبأي كلفة؟ ومن يدفع الثمن؟ الجمهور؟ أم الحقيقة؟ أم الفن نفسه؟

ما بين القاهرة ودمشق، اسطنبول وأبو ظبي، لم تعد الدراما مجرد خيال تُروى فيه الحكايات. صارت أداة سيادية، تُدار بالهوى السياسي، وتُكتب تحت عيون لا ترى في الفن إلا وسيلة لبناء الرواية الرسمية.

السلطة قد تملك المنصات، لكن الجمهور لا يُشترى بسهولة. والتاريخ – كما علمتنا كل تجارب المنطقة – لا يُكتب فقط بمن حضر، بل بمن تجرأ على أن يحكي ما لا يُقال.