ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الشتيمة كرأسمال رمزي لشخصيّات تيم حسن!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

منذ سنوات، بتّ أشعر بأن هناك فجوة بيني وبين من حولي، ولا أدّعي الطهرانية هنا، فأنا أيضاً أسيء وأشتم، لكن في دوائري الضيّقة جدّاً، وفي لحظات الغضب الذي لا أستطيع السيطرة عليه. تلك الفجوة ازدادت عمقاً مع انفجار البذاءة على مواقع التواصل الاجتماعي

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في بيت جدّتي أمّ علي، البيت العربي الفسيح الذي تتوسّطه شجرة نارنج كبيرة نصبنا عليها أرجوحة، والذي يلاصق الجامع الصغير في القرية، يُنهي الشيخ أذان الفجر، ويأتي صوت جدّتي وكأنه مربوط أوتوماتيكياً بنهاية الأذان، تقول لنا: “قولوا يا بنتي: نويت صيام، قدّر الله وعان، إن شاء الله بكرا بكون من الصايمين”، ثم تُسبّح جدّتي قليلاً وتصلّي على النبي، وتردّد علينا كما تفعل كلّ فجر: “الصيام يا بنتي مو بس ع الأكل والشرب، عن الأذى والكلام العيب”، فنهز برؤوسنا جميعاً نحن الأحفاد العشرين، نحن وأولاد عمومي وبناتهم، بكلّ جدّية وحزم، ثم يقول أحدنا: “ستّي كمان ما بيصير نقول جحش؟”، فتردّ جدّتي: “لا ما بيصير، إذا عصبتوا من حدا قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل فيك”.

ومنذ ذاك الحين حتى اليوم، أهزّ برأسي بداية كلّ رمضان، وكأن ذلك طقس مقدّس، وأعد نفسي ألّا أقول كلمة بذيئة خلال الشهر. حقيقةً أحاول الالتزام ما بعده، لكنّني دائماً أفشل، حتى يأتي رمضان الذي يليه فأجدّد العهد، وهكذا دواليك. 

وعلى هذا بنيت منظومتي القيمية، على طريقة جدّتي التقليدية، دون أن أتعلّم ما المنطوق الشفوي المقبول مجتمعياً أو تحليل الخطاب ومفاعيله، وارتباط اللغة بالطبقة والبنية المجتمعية، وحينما درست ذلك لاحقاً، كنت أصمت كلّ مرّة وأقول في نفسي: “الله يرحمك يا أمّ علي”.

منذ سنوات، بتّ أشعر بأن هناك فجوة بيني وبين من حولي، ولا أدّعي الطهرانية هنا، فأنا أيضاً أسيء وأشتم، لكن في دوائري الضيّقة جدّاً، وفي لحظات الغضب الذي لا أستطيع السيطرة عليه. تلك الفجوة ازدادت عمقاً مع انفجار البذاءة على مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدت نفسي في كثير من النقاشات غير قادرة على مجاراة تلك اللغة، وفي كلّ مرّة كنت أفضّل الانسحاب. إلا أن أشدّ ما لفت نظري هو استسهال استخدام الشتائم الجنسية المرتبطة بالنساء تحديداً، وربما لا ذنب لمن يستخدمها، فهذا هو قاموس الشتائم في لغتنا المحكية، “من وين نجبلكن شتائم؟”.

لكن أن يكون ذلك في مسلسل تلفزيوني يُعرض على الشاشة ويشاهده ملايين النساء، ومن ممثّلين مشهورين يراهم الكثير قدوة، فهذا تحوّل جديد في تاريخ الشتائم. 

والأهمّ من ذلك أن الجمهور، وحتى النخب المثقّفة، كانت وما زالت تحتفي بالأعمال، وتقدّم شروحاً عن الجمالية الفنّية فيها، وموهبة الأبطال والموسيقى التصويرية والديكور، وكأن أحداً لم يسترعِ انتباهه كلّ تلك الشتائم التي تشير جهاراً إلى النساء، لكن بقالب طريف ومضحك. ومربط الفرس هنا هو النكتة بحدّ ذاتها، لأنها هي التي تخلق مناخاً يشعر فيه الناس أن التعبير عن التحيّز المعياري تجاه النساء مسموح ومقبول، ولعلّها الشرط اللازم والكافي للتطبيع مع الشتيمة، فعندما تأتي الشتيمة في سياق نكتة يحدث انزلاق صغير، لأن النكتة تخلق مسافة بين الفعل ومعناه، وتمهّد الطرق لمرور الإهانة على أنها طرافة مجتمعية عادية أو تندّر، ثم يبدو من يعترض عليها ثقيل الدم أو غير قادر على فهم روح الدعابة، كما أتوقّع أن يعلّق أحدهم على هذه المقالة مثلاً.

كما أن التطبيع يستمدّ شرعيته من فكرة الواقعية، فيُقال مثلاً إن هذا هو كلام الشارع، وإن الفنّ أو النقاش العامّ يجب أن يعكس الواقع كما هو، لكن من قال إن الواقع مقبول أصلاً؟!

في مسلسل “الهيبة”، أطلّ علينا الممثّل السوري تيم حسن بدور جبل شيخ الجبل، وكان من الواضح أنه يستخدم الشتائم كجزء من الكاريزما الفنّية، وبغية خلق ميزة تنافسية ترفعه عن بقيّة زملائه، رغم أنه ليس بحاجة إلى ذلك، فهو ممثّل بارع ومشهور ومحبوب، لا يحتاج إلى ابتكار مفردات من أجل حصد المزيد من التفاعل والشهرة. 

ثم أطلّ في العام التالي في مسلسل “الزند – ذئب العاصي”، حيث رفع من وتيرة الشتائم والكلمات النابية، التي كان قد تعوّد عليها في مسلسل “الهيبة”، واستخدم عدّة مصطلحات اعتبرها البعض مبالغة، وشتائم بذيئة مثل “ابن المتسطحة، ابن المبطوحة، ابن المفرشخة، ابن العاهرة، ابن الزانية، بدي أفلح أمك يا ابن المفقوعة، فلطة”، ثم في العام الذي تلاه، في مسلسل “تحت سابع أرض” ابتكر شتيمة جديدة، هي “ابن الأحبّة”، في استمرار لاستخدام العنف الرمزي ضدّ النساء بإطار خفّة الدم و”الإيفيه”.

المشكلة في العنف الرمزي أنه يعمل بهدوء، بلا دم، بلا ضجيج، لكنّه يغيّر شكل الوعي ببطء، فهو يتسلّل إلى المزاح، إلى “الإيفيه”، إلى “الكلمة اللي بتنقال وبتمشي”، ثم يستقرّ في اللاوعي الجمعي كحقيقة غير قابلة للنقاش. والمفارقة أن هذا النوع من العنف غالباً لا يُرى، لأن الجميع يشارك في إنتاجه دون قصد، رجالاً ونساءً، ضحايا وجلادين في آن واحد.

وإذا أردنا أن نأخذ النقاش خطوة أبعد، فعلينا أن ننظر إلى من يستفيد من هذا النمط اللغوي، فحين تُبنى الكاريزما الذكورية الدرامية على القدرة على الإهانة، فإن الشتيمة تتحوّل إلى رأس مال رمزي. 

هي أداة لإنتاج الهيبة، لترسيخ التفوّق، لفرض الهيمنة على النساء، حيث تمرّ المرأة بوصفها أقصر طريق إلى الإذلال، لأن الثقافة منحت جسدها قيمة تمثيلية عالية في معادلة الشرف، واللافت أن هذا الاستدعاء لا يُقابل عادةً بوعي نقدي موازٍ، فالنقّاد عادةً يناقشون الحبكة أو تطوّر الشخصيّة أو أداء الممثّل، لكنّ اللغة تُترك خارج المساءلة، كأنها تفصيل غير ذي شأن، وهنا يتشكّل نوع من التواطؤ غير المقصود، أي أن الاحتفاء الجمالي يغطّي على البنية الرمزية التي تعمل في الخلفية.

أما هذا العام، فالسياق مختلف تماماً. لسنا أمام عمل يُعرض في فراغ ثقافي، بل في لحظة سورية مشحونة بالاستقطاب، وبنقاشات حادّة حول موقع النساء في الفضاء العامّ، وحول الأدوار التي يُسمح لهن، أو يُطلب منهن الالتزام بها. 

في هذا المناخ، لا تكون الكلمة تفصيلاً، بل تصبح إعلان موقف، تعمل كمكبّر صوت، وتمنح شرعية مضاعفة لازدراء النساء، وتنضوي تحت المشهد الأوسع الذي تتصارع فيه تصوّرات متباينة عن النساء: هل هن مواطنات كاملات؟ أم حوامل شرف؟ أم حدود يجب حراستها؟

في مسلسل “مولانا”، حين يخاطب البطل جابر أخته شهلا قائلاً إنه حاصل على شهادة من “UK”، في إشارة ساخرة تُفهم ضمنياً على أنها اختصار لعبارة مهينة، نحن لا نكون أمام ابتكار لغوي طريف فحسب، بل أمام إعادة تدوير للإهانة في قالب أكثر ذكاءً. والمرعب أن المُخاطَب في هذا المشهد هي الأخت، أي أن الإهانة تُنتَج داخل العلاقة الأسرية نفسها، وهذا بالغ الخطورة على مستوى الأسرة تحديداً، لأن العائلة ليست فقط رابطة عاطفية، بل نظام قيم، وحين تُصبح الإهانة المرتبطة بالمرأة جزءاً من المزاح داخل البيت، يُعاد تشكيل تصوّر الفتيات عن حدود الاحترام الذي يستحققنه، ويُعاد تشكيل تصوّر الفتيان عن حدود ما يُسمح لهم قوله. 

كما أن الانتقال بالإهانة من المجال العامّ إلى المجال العائلي هو تصعيد رمزي، ففي السابق كانت الشتيمة تُستخدم في مواجهة خصم أو عدو كما في “الهيبة” أو “الزند”، أما حين تدخل إلى علاقة أخ بأخته فإنها تفقد حتى ذريعة الصراع، وتصبح جزءاً من “العادي قوله”.

وأفكّر الآن، وسط كلّ هذا الجدل عن الواقعية والكاريزما و”الإيفيه” والجرأة، في أن جدّتي لم تكن تعرف شيئاً عن العنف الرمزي، ولا عن تحليل الخطاب، ولا عن المعايير المزدوجة للرقابة، كانت امرأة بسيطة، تجلس في بيت عربي قديم، وتختصر كلّ هذا الكلام بجملة واحدة: “الصيام مو بس عن الأكل والشرب، عن الأذى والكلام العيب”.

وربما خير ما نختتم به، بما يتناسب مع اللغة السائدة والخفيفة الدم والمضحكة، قول الفنّانة سارية السوّاس: “باطل باطل باطل من هالزمان العاطل”.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
28.02.2026
زمن القراءة: 5 minutes

منذ سنوات، بتّ أشعر بأن هناك فجوة بيني وبين من حولي، ولا أدّعي الطهرانية هنا، فأنا أيضاً أسيء وأشتم، لكن في دوائري الضيّقة جدّاً، وفي لحظات الغضب الذي لا أستطيع السيطرة عليه. تلك الفجوة ازدادت عمقاً مع انفجار البذاءة على مواقع التواصل الاجتماعي

في بيت جدّتي أمّ علي، البيت العربي الفسيح الذي تتوسّطه شجرة نارنج كبيرة نصبنا عليها أرجوحة، والذي يلاصق الجامع الصغير في القرية، يُنهي الشيخ أذان الفجر، ويأتي صوت جدّتي وكأنه مربوط أوتوماتيكياً بنهاية الأذان، تقول لنا: “قولوا يا بنتي: نويت صيام، قدّر الله وعان، إن شاء الله بكرا بكون من الصايمين”، ثم تُسبّح جدّتي قليلاً وتصلّي على النبي، وتردّد علينا كما تفعل كلّ فجر: “الصيام يا بنتي مو بس ع الأكل والشرب، عن الأذى والكلام العيب”، فنهز برؤوسنا جميعاً نحن الأحفاد العشرين، نحن وأولاد عمومي وبناتهم، بكلّ جدّية وحزم، ثم يقول أحدنا: “ستّي كمان ما بيصير نقول جحش؟”، فتردّ جدّتي: “لا ما بيصير، إذا عصبتوا من حدا قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل فيك”.

ومنذ ذاك الحين حتى اليوم، أهزّ برأسي بداية كلّ رمضان، وكأن ذلك طقس مقدّس، وأعد نفسي ألّا أقول كلمة بذيئة خلال الشهر. حقيقةً أحاول الالتزام ما بعده، لكنّني دائماً أفشل، حتى يأتي رمضان الذي يليه فأجدّد العهد، وهكذا دواليك. 

وعلى هذا بنيت منظومتي القيمية، على طريقة جدّتي التقليدية، دون أن أتعلّم ما المنطوق الشفوي المقبول مجتمعياً أو تحليل الخطاب ومفاعيله، وارتباط اللغة بالطبقة والبنية المجتمعية، وحينما درست ذلك لاحقاً، كنت أصمت كلّ مرّة وأقول في نفسي: “الله يرحمك يا أمّ علي”.

منذ سنوات، بتّ أشعر بأن هناك فجوة بيني وبين من حولي، ولا أدّعي الطهرانية هنا، فأنا أيضاً أسيء وأشتم، لكن في دوائري الضيّقة جدّاً، وفي لحظات الغضب الذي لا أستطيع السيطرة عليه. تلك الفجوة ازدادت عمقاً مع انفجار البذاءة على مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدت نفسي في كثير من النقاشات غير قادرة على مجاراة تلك اللغة، وفي كلّ مرّة كنت أفضّل الانسحاب. إلا أن أشدّ ما لفت نظري هو استسهال استخدام الشتائم الجنسية المرتبطة بالنساء تحديداً، وربما لا ذنب لمن يستخدمها، فهذا هو قاموس الشتائم في لغتنا المحكية، “من وين نجبلكن شتائم؟”.

لكن أن يكون ذلك في مسلسل تلفزيوني يُعرض على الشاشة ويشاهده ملايين النساء، ومن ممثّلين مشهورين يراهم الكثير قدوة، فهذا تحوّل جديد في تاريخ الشتائم. 

والأهمّ من ذلك أن الجمهور، وحتى النخب المثقّفة، كانت وما زالت تحتفي بالأعمال، وتقدّم شروحاً عن الجمالية الفنّية فيها، وموهبة الأبطال والموسيقى التصويرية والديكور، وكأن أحداً لم يسترعِ انتباهه كلّ تلك الشتائم التي تشير جهاراً إلى النساء، لكن بقالب طريف ومضحك. ومربط الفرس هنا هو النكتة بحدّ ذاتها، لأنها هي التي تخلق مناخاً يشعر فيه الناس أن التعبير عن التحيّز المعياري تجاه النساء مسموح ومقبول، ولعلّها الشرط اللازم والكافي للتطبيع مع الشتيمة، فعندما تأتي الشتيمة في سياق نكتة يحدث انزلاق صغير، لأن النكتة تخلق مسافة بين الفعل ومعناه، وتمهّد الطرق لمرور الإهانة على أنها طرافة مجتمعية عادية أو تندّر، ثم يبدو من يعترض عليها ثقيل الدم أو غير قادر على فهم روح الدعابة، كما أتوقّع أن يعلّق أحدهم على هذه المقالة مثلاً.

كما أن التطبيع يستمدّ شرعيته من فكرة الواقعية، فيُقال مثلاً إن هذا هو كلام الشارع، وإن الفنّ أو النقاش العامّ يجب أن يعكس الواقع كما هو، لكن من قال إن الواقع مقبول أصلاً؟!

في مسلسل “الهيبة”، أطلّ علينا الممثّل السوري تيم حسن بدور جبل شيخ الجبل، وكان من الواضح أنه يستخدم الشتائم كجزء من الكاريزما الفنّية، وبغية خلق ميزة تنافسية ترفعه عن بقيّة زملائه، رغم أنه ليس بحاجة إلى ذلك، فهو ممثّل بارع ومشهور ومحبوب، لا يحتاج إلى ابتكار مفردات من أجل حصد المزيد من التفاعل والشهرة. 

ثم أطلّ في العام التالي في مسلسل “الزند – ذئب العاصي”، حيث رفع من وتيرة الشتائم والكلمات النابية، التي كان قد تعوّد عليها في مسلسل “الهيبة”، واستخدم عدّة مصطلحات اعتبرها البعض مبالغة، وشتائم بذيئة مثل “ابن المتسطحة، ابن المبطوحة، ابن المفرشخة، ابن العاهرة، ابن الزانية، بدي أفلح أمك يا ابن المفقوعة، فلطة”، ثم في العام الذي تلاه، في مسلسل “تحت سابع أرض” ابتكر شتيمة جديدة، هي “ابن الأحبّة”، في استمرار لاستخدام العنف الرمزي ضدّ النساء بإطار خفّة الدم و”الإيفيه”.

المشكلة في العنف الرمزي أنه يعمل بهدوء، بلا دم، بلا ضجيج، لكنّه يغيّر شكل الوعي ببطء، فهو يتسلّل إلى المزاح، إلى “الإيفيه”، إلى “الكلمة اللي بتنقال وبتمشي”، ثم يستقرّ في اللاوعي الجمعي كحقيقة غير قابلة للنقاش. والمفارقة أن هذا النوع من العنف غالباً لا يُرى، لأن الجميع يشارك في إنتاجه دون قصد، رجالاً ونساءً، ضحايا وجلادين في آن واحد.

وإذا أردنا أن نأخذ النقاش خطوة أبعد، فعلينا أن ننظر إلى من يستفيد من هذا النمط اللغوي، فحين تُبنى الكاريزما الذكورية الدرامية على القدرة على الإهانة، فإن الشتيمة تتحوّل إلى رأس مال رمزي. 

هي أداة لإنتاج الهيبة، لترسيخ التفوّق، لفرض الهيمنة على النساء، حيث تمرّ المرأة بوصفها أقصر طريق إلى الإذلال، لأن الثقافة منحت جسدها قيمة تمثيلية عالية في معادلة الشرف، واللافت أن هذا الاستدعاء لا يُقابل عادةً بوعي نقدي موازٍ، فالنقّاد عادةً يناقشون الحبكة أو تطوّر الشخصيّة أو أداء الممثّل، لكنّ اللغة تُترك خارج المساءلة، كأنها تفصيل غير ذي شأن، وهنا يتشكّل نوع من التواطؤ غير المقصود، أي أن الاحتفاء الجمالي يغطّي على البنية الرمزية التي تعمل في الخلفية.

أما هذا العام، فالسياق مختلف تماماً. لسنا أمام عمل يُعرض في فراغ ثقافي، بل في لحظة سورية مشحونة بالاستقطاب، وبنقاشات حادّة حول موقع النساء في الفضاء العامّ، وحول الأدوار التي يُسمح لهن، أو يُطلب منهن الالتزام بها. 

في هذا المناخ، لا تكون الكلمة تفصيلاً، بل تصبح إعلان موقف، تعمل كمكبّر صوت، وتمنح شرعية مضاعفة لازدراء النساء، وتنضوي تحت المشهد الأوسع الذي تتصارع فيه تصوّرات متباينة عن النساء: هل هن مواطنات كاملات؟ أم حوامل شرف؟ أم حدود يجب حراستها؟

في مسلسل “مولانا”، حين يخاطب البطل جابر أخته شهلا قائلاً إنه حاصل على شهادة من “UK”، في إشارة ساخرة تُفهم ضمنياً على أنها اختصار لعبارة مهينة، نحن لا نكون أمام ابتكار لغوي طريف فحسب، بل أمام إعادة تدوير للإهانة في قالب أكثر ذكاءً. والمرعب أن المُخاطَب في هذا المشهد هي الأخت، أي أن الإهانة تُنتَج داخل العلاقة الأسرية نفسها، وهذا بالغ الخطورة على مستوى الأسرة تحديداً، لأن العائلة ليست فقط رابطة عاطفية، بل نظام قيم، وحين تُصبح الإهانة المرتبطة بالمرأة جزءاً من المزاح داخل البيت، يُعاد تشكيل تصوّر الفتيات عن حدود الاحترام الذي يستحققنه، ويُعاد تشكيل تصوّر الفتيان عن حدود ما يُسمح لهم قوله. 

كما أن الانتقال بالإهانة من المجال العامّ إلى المجال العائلي هو تصعيد رمزي، ففي السابق كانت الشتيمة تُستخدم في مواجهة خصم أو عدو كما في “الهيبة” أو “الزند”، أما حين تدخل إلى علاقة أخ بأخته فإنها تفقد حتى ذريعة الصراع، وتصبح جزءاً من “العادي قوله”.

وأفكّر الآن، وسط كلّ هذا الجدل عن الواقعية والكاريزما و”الإيفيه” والجرأة، في أن جدّتي لم تكن تعرف شيئاً عن العنف الرمزي، ولا عن تحليل الخطاب، ولا عن المعايير المزدوجة للرقابة، كانت امرأة بسيطة، تجلس في بيت عربي قديم، وتختصر كلّ هذا الكلام بجملة واحدة: “الصيام مو بس عن الأكل والشرب، عن الأذى والكلام العيب”.

وربما خير ما نختتم به، بما يتناسب مع اللغة السائدة والخفيفة الدم والمضحكة، قول الفنّانة سارية السوّاس: “باطل باطل باطل من هالزمان العاطل”.