في أواخر التسعينيات، ظهر على شاشة التلفزيون الرسمي السوري برنامج “الشرطة في خدمة الشعب”، في سياق حملة إعلامية كانت تتوسع تدريجيًا داخل خطاب الدولة التلفزيوني. شملت هذه الحملة إنتاج برامج موجّهة لفئات اجتماعية محددة، كالفلاحين والحرفيين والأطفال، بحيث بدأ التلفزيون يُقدَّم بوصفه مساحة تنظيم رمزي يومي للمجتمع أكثر منه وسيلة ترفيه. جاء برنامج الشرطة في خدمة الشعب في هذا الإطار بوصفه تمثيلًا مباشرًا لسلطة الدولة أمنيًا، وإعادة تعريف للسلطة في معناها الرسمي العنيف، عبر تقديمها كقريبة، خادمة، وموجودة من أجل الناس.
قبل ذلك، عرف السوريون عبر الإذاعة تجربة برنامج “حكم العدالة”، وهو دراما صوتية قصيرة تدور حول الجريمة والعقاب، وتُبرز حضورًا سلطويًا يمنح إحساسًا بالأمان، يقوم على فكرة أن لكل جريمة سردية قابلة للفهم من خلال شخصية المجرم. يتشكّل الأمن هنا بوصفه بناءً تخييليًا قائمًا على ثلاثية واضحة: مجرم، ضحية، وسلطة تتدخل في النهاية لإعادة النظام. لم يكن المقصود كشف تعقيد الجريمة، بقدر ما كان تثبيت صورة عالم يمكن السيطرة عليه، عالم تُحل فيه الفوضى عبر تدخل حاسم ومنظم، وتُختزل فيه العدالة في فعل نهائي يُغلق القصة.
بهذا المعنى، حملت البرامج التي اشتغلت على الملف الأمني دلالة سردية تبدو بديهية، لكنها في جوهرها مضادّة للتأويل. البرنامج لا يكذب ويعرض قصصًا حقيقية، لكنه يحدّد المعنى سلفًا، ويضبط مسار الفهم قبل أن يبدأ. كل قراءة للجريمة يجب أن تكون نمطية: مُشاهد يبحث عن الطمأنينة، يقبل بسهولة ثنائية الخير والشر، ولا يقترب من سؤال السلطة بوصفها بنية، ولا من المجتمع بوصفه مجتمع حاجات.
لا يخاطب البرنامج جمهورًا حرًا، بل ينتجه أثناء البث. المتلقي لا يُترك ليشكّ أو يتردّد، بل يُدرَّب على موقع محدّد داخل السرد: موقع من ينتظر تدخّل السلطة كي تُغلق الحكاية. ما يُعرض على الشاشة هو حادثة معزولة، مجرم فردي، ونهاية حاسمة، فيما يُحجب السياق، والتاريخ، والسياسة. يُقدَّم الأمن كحلّ تقني سريع، لا كمسألة بنيوية معقّدة تحتاج إلى مساءلة طبيعة المجتمع وتعبه. هكذا لا يُفرض الانضباط مباشرة، بل يُعلَّم الناس كيف يسيئون فهم الواقع بطريقة مريحة: الجريمة موجودة لكنها منضبطة، الخطر يزول دائمًا، والطمأنينة لا تُقابل الخوف بل تُدار بوصفها شكله المنظَّم.
كانت الحلقة تبدأ دائمًا بمقدّمة عن الأمن والأمان في سوريا، بلغة فصحى جادّة يلقيها المذيع، تُهيّئ المشاهد منذ اللحظة الأولى للدخول في سردية منضبطة. بعد ذلك، تُروى القصة بوصفها حدثًا جرميًا محددًا، يتصاعد فيها الفعل مع تمكّن قوى السلطة، أو عبر إخبار مواطن شريف، أو من خلال متابعة حثيثة، أو مراقبة السوق، أو الملاحقة المباشرة للمجرمين. تبدأ القصة وتنتهي عند النقطة نفسها: إسناد أهمية قصوى للدولة، لقواها، لذكائها، لعنادها، ولحضورها الدائم بوصفها الجهة القادرة على إغلاق القصة.
يدور معجم الحلقة كاملًا في فلك الدولة، حيث يُقدَّم النشاط الأمني، سواء أكان مباشرًا أم عبر المواطنين الشرفاء، بوصفه شبكة متماسكة تتعقّب المجرمين، ولا سيما السارقين، باعتبارهم الشكل الأوضح للجريمة. تلي ذلك مقابلة مع الضحية، أو مع قائد أو ضابط أو عقيد ورئيس قسم في مكان معيّن، للإدلاء بتصريح عن العملية. وفي أحيان أخرى، تتحدث الضحية نفسها عمّا حصل، مؤكدة الدور الهائل للحكومة وقوى الأمن في الإمساك بالمجرمين، بحيث تُختتم الحلقة بإعادة تثبيت المعنى ذاته الذي بدأت به: الدولة حاضرة، يقِظة، وقادرة على إغلاق القصة.
كانت الفصحى الركيكة لممثل الأمن حاضرة على الدوام. المذيع يتلذّذ بأدائه اللغوي أمام الجميع: أمام رجل الأمن، وأمام الضحية، وأمام المتهم. هذا الاستعراض اللغوي يدفع الضحايا إلى التملّص من ثقل الفصحى ومن عبء الظهور التلفزيوني نفسه، فيما يتخلّى المتهم عنها من دون خجل أو محاولة تزيّن. وحده رجل الأمن يحافظ على فصحاه، لا بوصفها خيارًا تعبيريًا، بل كجزء من الدور، مصحوبة بمعجم يُعظّم من هم أعلى رتبة، ويؤكّد الارتباط الدائم بما يُسمّى توجيهات من فوق، حيث لا شيء يأتي من الأدنى أو الأسفل.
تُخفي السلطة قمعها عبر ثلاثية سردية تُنتج شكل تعبير مغلق. فالفصحى التي يحتكرها رجل الأمن والمذيع ليست لغة تواصل، بل لغة سيادة، يرافقها استعراض مبالغ فيه للباس الرسمي عبر التلفزيون، على نحو لا يشبه اليومي السوري. حديث رجل الأمن لا يهدف إلى الإفهام، بل إلى التمييز: من يملك حق الكلام المعياري، والأمني، والحاكم أخلاقيًا، ومن يُسمح له بالكلام الناقص أو المكسور. المجرم يظهر دائمًا بلغة قاصرة، مكسورة، غير مكتملة، لغة بيئية خالصة بوصفها ابنة البيئة التي ينتمي إليها، كما الضحية. هكذا لا يُجرَّد المجرم من فعله فقط، بل من لغته أيضًا، فيما تُحصر الفصحى في موقع السلطة، وتُقدَّم بوصفها اللغة الوحيدة القادرة على إنتاج المعنى والحكم.
لا تُبنى الحلقة وفق سردية كلاسيكية لها بداية وعقدة ونهاية وحل، بل تُركَّب عبر انغلاق سردي وتأويلي مُسبق. كل شيء موضوع سلفًا بشكل رتيب ومُعيَّن، وتُمرَّر الحلقة على المشاهد مرة بعد أخرى. يُعاد سرد الحدث ذاته مرتين أو ثلاثاً، فيُعاد تشكيله بدلالات متواترة واحدة. في المقابلة، يتحدث الثلاثة بطرائق مختلفة عن حدث واحد، لكن هذا الاختلاف لا يفتح المعنى ولا يحوّل القصة إلى مساحة تفكير، بل يبقى وعظًا قاسيًا؛ تعدد الأصوات لا ينتج تعددًا في التأويل، بل يعيد تثبيت الرواية نفسها من زوايا متشابهة.
بهذا المعنى، تُنتَج الحلقات كأداة لضبط اللغة، وتحديد من يتكلم وكيف، وإعادة إنتاج الحدث بوصفه حقيقة مكتملة لا تقبل الشك، حيث تُغلق القصة دائمًا عند النقطة نفسها، وتُستعاد السلطة بوصفها المعنى الأخير لكل سرد.
كانت اللذّة في البرنامج تُقدَّم بوصفها إهانة، وتأخذ شكلًا غير أخلاقي، موازيًا للفعل الجرمي نفسه. فكرة الملهى الليلي أو الكحول تُربط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بفعل السرقة والجريمة. لكل مجرم ميول جاهزة: نساء في الملاهي، إثراء سريع عبر القمار، أو شراء المخدرات. هكذا يُحوَّل المجرم إلى كائن تلذّذي خالص، تُختزل كل توتراته في اندفاع بدئي، يفشل في إقامة أي مسافة بين اللذّة وضبط النفس.
لا مكان في هذا السرد للجوع، أو للرغبة في المكانة، أو لعقد المكانة، أو لسوء التعليم، أو لغياب التنمية. تُستبعد هذه كلها لصالح صورة إنسان بدئي يعرف هذه الأسباب، لكنه يتركها عمدًا وينحو نحو الجريمة. المجرم هنا ليس نتاج شروط، بل فشل أخلاقي واعٍ؛ من يسرق من أجل اللذّة لا يستحق الفهم، بل الإدانة والإهانة، ويُعاد تثبيت النظام بوصفه سليمًا، وتُرمى المشكلة على من لم يحسن الاندماج فيه.
تُقدَّم لذّات المجرم بوصفها ملوِّثة: كحول، مقامرة، وممنوعات، لا لأنها مؤذية بحد ذاتها، بل لأنها تخرق النظام الرمزي لمجتمع يُقدَّم بوصفه نظيفًا، منضبطًا، ومتماسكًا. كانت اللذّة في البرنامج تُعرض كإهانة، وتأخذ شكلًا غير أخلاقي يوازي الفعل الجرمي نفسه. يُربط الملهى الليلي أو الكحول، بشكل مباشر أو غير مباشر، بفعل السرقة والجريمة، وتُسند الى كل مجرم ميول جاهزة: نساء في الملاهي، إثراء سريع عبر القمار، أو شراء المخدرات. هكذا يُحوَّل المجرم إلى كائن تلذّذي خالص، تُختزل توتراته في اندفاع بدئي يفشل في إقامة أي مسافة بين اللذّة وضبط النفس.
تحدّد السلطة اللذّة بوصفها حلًّا جاهزًا للظاهرة الجرمية، فلا يُسمح لها بأن تكون استجابة للجوع، ولا رغبة في تأمين حياة، ولا محاولة لتعويض حرمان أو انسداد أفق. تُقصى كل الدوافع الممكنة، ويُعاد تعريف اللذّة ضمن نطاق ضيّق ومسبق، بحيث لا تُفهم إلا بوصفها فائضًا غير ضروري واندفاعًا بلا معنى. لذلك تُربط الجريمة منذ البداية بلذّات بعينها: الجنس، القمار، والمخدرات، لا لأنها تفسّر الفعل، بل لأنها تصلح لإدانته.
هذه اللذّات لا تُنتج قيمة، ولا تُراكم معنى، ولا يمكن تبريرها أخلاقيًا داخل خطاب العمل والانضباط. إنها لذّات لا تُمارَس علنًا ولا يُحتفى بها، بل تُدفع إلى الهامش، إلى الليل، إلى خارج الضوء. عبرها لا يُصوَّر السارق بوصفه إنسانًا واقعًا تحت ضغط أو حرمان، بل ككائن اختار المتعة على النظام، والفوضى على الانضباط. اللذّة هنا لا تُفهم كدافع، بل كعلامة، كصفة جوهرية تُلصق بالفاعل.
في هذا السرد، لا تعود اللذّة تفسيرًا للجريمة، بل تعريفًا لهوية السارق نفسه. هو ليس شخصًا سرق في لحظة معيّنة، بل شخص يسرق لأنه من هذا النوع من البشر. الملهى، المخدر، والمقامرة تتحوّل إلى مفاتيح لفهمه، لا بوصفها أفعالًا عارضة، بل كدليل على كينونة كاملة. هكذا يُقدَّم السارق كمن يعيش خارج المجتمع حتى قبل ارتكاب الجريمة، خارج قيمه، خارج زمنه، وخارج استحقاق الفهم. المجتمع، في المقابل، يبقى سليمًا ونظيفًا، والجريمة تُحصر في فرد فاسد اختار اللذّة بدل العمل، والليل بدل الضوء. اللذّة لا تفتح سؤالًا، بل تُنهيه، وتحوّل الجريمة من مسألة اجتماعية إلى خلل أخلاقي ثابت لا يحتاج إلا إلى العزل والعقاب.
إقرأوا أيضاً:
يتحوّل الندم في المقابلة من معنى أخلاقي إلى لحظة تشفٍّ أحيانًا. لا يظهر بوصفه تجربة داخلية، بل كأداء مرئي، كسيمياء تُبنى تدريجيًا أمام الكاميرا. يبدأ الندم بعد سرد الجريمة وتفاصيلها، بعدما تُقال الوقائع كاملة ويُعاد ترتيبها لغويًا وسرديًا على نحو يُثبّت الإدانة. عند هذه النقطة، لا يعود الندم تعبيرًا عن فهم أو مراجعة، بل نتيجة حتمية لمسار أُغلق سلفًا.
يتشكّل الندم بوصفه علامة، لا حالة. الجسد يهدأ، النظرة تنخفض، الصوت يضعف، ويظهر الصمت فجأة؛ صمت قصير لكنه محسوب، ليس فراغًا بل ذروة المشهد. بعده مباشرة تأتي العبارة المتوقعة والمجرّدة والمكرّرة: ندمان يا سيدي. لا تُقال بوصفها اعترافًا، بل بوصفها خاتمة لازمة تؤكّد اكتمال سيناريو الحلقة.
في هذه اللحظة، لا يُطلب من السارق أن يفهم ما فعل، بل أن يُنهي السرد بالطريقة الصحيحة. الندم لا يفتح بابًا، بل يُغلقه، لأن الندم خاتمة لازمة، لا لكي يُعيد الإنسان إلى ذاته، بل يُعيده إلى موقعه داخل المشهد: مذنب اعترف، خضع، وأنهى دوره. الصمت الذي يسبق العبارة ليس لحظة تفكير وتأمل ذاتي، بل انتهاء لمشهد إبادة للشخصية عبر التلفاز، عبر نفيها كلياً اجتماعياً كبنية، وتوازن النظام الذي انتهت مهمته.
يمكن فهم هذا الأداء على ضوء ما يشرحه فرانسيس دي وال عن سلوكيات التهدئة لدى الرئيسيات، ومنها الإنسان، بعد خرق القواعد: كخفض الرأس، وتجنّب النظر، توقّف الحركة، والصمت. هذه السلوكيات ليست ندمًا ذاتيًا، بل رسائل مرئية موجّهة إلى الجماعة الأقوى. الصمت الذي يسبق عبارة ندمان يا سيدي هو، تطوريًا، لحظة تقييم: هل الإشارة كافية؟ هل سُمح لي بالكلام؟ هل قُمت بالواجب المطلوب؟
هنا يتجلّى التكيّف مع موقع أدنى، وقبول العرض القاسي بوصفه قدرًا، من دون أي اعتبار للضحية. فالندم لا يسبق العنف، بل يأتي بعده. يسبقه، من دون شك، طيف من الإجراءات القاسية، أقلّها العرض على التلفزيون. من المعروف حجم الاعتداءات التي يتعرّض لها الجناة قبل دخولهم إلى المقابلة، وأن الاعترافات في أقسام الشرطة والجنائية وحدها لا تُعدّ كافية. ما يُطلب في النهاية ليس الحقيقة ولا الفهم، بل علامة خضوع مكتملة تُغلق المشهد. هكذا يصبح الندم أداءً علنيًا لا تجربة خاصة؛ علامة مرئية تُريح الجمهور وتمنح السلطة إحساسًا بالاكتمال. ليس المهم أن يندم السارق فعلًا، بل أن يقول إنه نادم، في الوقت المناسب وبالصيغة المناسبة، بعد استنفاد مسار الإخضاع كله، ليُغلق المشهد وتُستعاد الطمأنينة.
لا يعود الندم تعبيرًا أخلاقيًا فرديًا، بل يتحوّل إلى – صناعة ثقافية -للندم. ندم غير مهيّأ له، مُسبق الصنع، يختزل الفرد في صورة الخائن، المذنب، النادم، من دون أي تفكير في الشروط الاجتماعية أو السياسية التي سبقت الفعل. تُستبدل كل إمكانية للفهم بإدانة أخلاقية جاهزة، ويغدو الندم جزءًا من الآلة نفسها، لا لحظة خروج عنها.
بعد الثورة، يتخذ هذا الندم شكلًا زائدًا. لم يعد ندمًا على فعل محدّد، بل ندمًا على الانتماء، وعلى النيّة، وعلى الوجود السياسي ذاته. كلمة خائن لا تصف فعلًا بعينه، بل تُستخدم لإغلاق إمكان الكلام كله. إنها لا تُفسّر، لا تحيل إلى حدث، بل تمحو السياق الذي يمكن أن يُفهم فيه الحدث. هكذا لا يُطلب من الفرد أن يراجع ما فعل، بل أن يتبرّأ من ذاته، وأن يُنهي حضوره السياسي عبر اعتراف لغوي يُعيد إنتاج النظام ويمنحه مظهر الاكتمال.
كثر من الصغار سألوا ذويهم حينما كانوا يتابعون “الشرطة في خدمة الشعب” الذي يعرضه التلفزيون السوري آنذاك، هل اللذة أن نملك مالاً من أجل ملهى ليلي، أو المشروبات الكحولية؟
كانت الإجابة بالطبع لا، لكن منذ 2011 عرف السوريون أن للكرامة والحاجة تضحية هائلة لا يفهمها أو يعرفها التلفزيون السوري أبداً.











