ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الشيعة بين حلم العودة والترانسفير

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تتضافر جملة معطيات واقعية وحسّية تبرّر تداول بعض الأخبار الدالّة على الترحيل. فالتدمير الممنهج والترميد المتواصل لقرى الجنوب اللذان تعتمدهما إسرائيل، في غاراتها المروّعة وقصفها المدفعي الوحشي، يرسّخان في قلوب الجنوبيين ذاك الشعور القاتل بزوال البيوت، وباستحالة العودة إلى بلداتهم التي “كانت” آمنة يوم تحريرها في 25 أيّار/ مايو 2000.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“لكِ يا منازلُ في القلوبِ منازلُ/ أقفرتِ أنتِ وهنّ منك أو أهلُ” صدق أبو الطيّب المتنبّي…

يعتمل في أفئدة الجنوبيين ومخيّلاتهم حشد من الهواجس والأسئلة المرتبطة مباشرة بالغد- وحده يوم الغد يُقلقهم: ماذا ينتظرنا بعد هذه التغريبة المُهينة؟ يتساءلون في سرّهم عمّا إذا كانت بيوتهم وقراهم الصامدة حتى اللحظة، ستتهاوى في اللحظات العاجلة المقبلة؟ وإذا، لا سمح الله، أُبيدت تلك الأماكن المستحوذة على ذاكرتهم العجيبة المنيفة، والتي أُرغموا على الانسلاخ عنها، فماذا هم فاعلون؟

هذه إشكاليّات معقّدة وأسئلة مشروعة أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً واجتماعياً، بل محقّة دينياً.

وقد برزت في الآونة الأخيرة أحاديث متداولة، غير رسمية ولا معلَنة في الخطاب السياسي المحلّي والإقليمي، عن احتمال ترحيل “ترانسفير” شيعي من جبل عامل- ترحيل داخلي كلّ في منطقة نزوحه، أو خارجي ربما إلى العراق أو إيران. 

على مستوى الداخل اللبناني، تنفرض على الجميع دولةً ومؤسّسات ومناطق مُضيفة، وبالأخصّ على “حزب الله” الذي دفعَ الوطن والشعب إلى التهلكة، إشكالية خطيرة لا مفرّ من الإجابة عنها: الاندماج. 

هل سيتقبّل المجتمع المضيف، أيّاً تكن طائفته، انصهار جماعة “أخرى” فيه، من دون أن نستثني حالة التنفير التي افتعلها “حزب الله” بين بيئته الحاضنة وسائر الجماعات اللبنانية؟ لن يستسهل الحزب، كما لن يهضم فكرة انفراط عقْدِ بيئته التي عمل مطوّلاً على تنشئتها وتربيتها عقدياً وأُسرياً ومدرسياً. 

طالما اختبر اللبنانيون موجات من الترحيل، لن أُطيل الحديث التأريخي عنها، باستثناء الإشارة إلى مجريات الحرب الأهلية حين هُجّر أهل الدامور في عام 1976، على سبيل المثال؛ أو أهل الجبل وقرى شرقيّ صيدا المسيحيون. الفارق الأساسي هو انتماء هؤلاء المسيحيين فعلياً إلى وطنهم لبنان. هم لم يخدموا أجندة خارجية، بالتالي سهُل عليهم الاندماج في مجتمع مسيحي- وأحياناً إسلامي- جديد رحّب بهم، فأمّن لهم المسكن اللائق وفرص العمل اللازمة لاستكمال حياتهم الطبيعية ولو بالحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية. 

بوضوح، اقتطَع شيعة الحزب غصنهم من شجرة الوطن، وأسقطوها على أسطورة تفَبْرَكت عبر الزمن، ثم ركعوا أمامها مذعنين. تجمّد شريان المنطق في ذهنيّتهم، وأيّ اعتراض على هذا التنازل الفظيع عن الحراك والتجدّد هو بمنزلة الإثم، فأمّا طاعة ولاية الفقيه فهي مفتاح الجنان.

يرتبط وضع النازحين أيضاً بالمسار التعليمي: فالمعلّمون هم بدورهم غادروا منازلهم وبلداتهم ومدنهم. لا شكّ في أن هذا سيؤدّي إلى بروز مشكلة مستعصية جديدة في القطاع التربوي الرسمي: فائض المعلّمين في مناطق هي في الأساس تعاني فائضاً، أما التلاميذ، فسرعان ما ستتجلّى عقدة الاستلاب والانسلاخ في أدائهم التعلّمي وسلوكهم الجماعي. 

إن مشكلة الاندماج في مجتمع جديد ومدرسة غريبة، وعلى وجه الدقّة في سنوات الطفولة والمراهقة، تغدو أكثر تعقيداً وقد تستلزم علاجاً جماعياً ضرورياً (group therapy).

من ناحية ثانية، إذا  جرى الترحيل إلى خارج لبنان، فلا يسعُ أحد تخيّل عواقب الواقعة وتداعياتها الكارثية على الصعد كافّة: معيشياً، حيث يخوض كلّ من العراق وإيران أزمات اقتصادية مهولة؛ ومهنياً وعملياً، فالبطالة عائق يحول دون توفّر فرص عمل ليس في الشرق الأوسط وحسب، بل في معظم بلدان العالم. ناهيكم بالاندماج الاجتماعي في وسط مستغرَب بتقاليده وعاداته ونمط حياته. فالعقيدة الشيعية الأكثر سواداً في كلا البلدين، لا تصنع وحدها انصهاراً اجتماعياً أو ثقافياً.

تتضافر جملة معطيات واقعية وحسّية تبرّر تداول بعض الأخبار الدالّة على الترحيل. فالتدمير الممنهج والترميد المتواصل لقرى الجنوب اللذان تعتمدهما إسرائيل، في غاراتها المروّعة وقصفها المدفعي الوحشي، يرسّخان في قلوب الجنوبيين ذاك الشعور القاتل بزوال البيوت، وباستحالة العودة إلى بلداتهم التي “كانت” آمنة يوم تحريرها في 25 أيّار/ مايو 2000.

يضاف إلى ذلك انعدام الرؤيا و”قمع” أيّ خطّة لإعادة الإعمار، حيث الأولوية تُعطى للتمسّك بالسلاح، وللانتصارات الوهمية بهدف استكمال الحرب حتى “دحر” العدوّ.

ولا نتجاهل إطلاقا حالة اليأس والإحباط و”القرف” التي يعانيها الجنوبيون النازحون، لا سيّما أولئك المنكوبين في مراكز الإيواء أو في مخيّمات الأرصفة.

نظم أبو فراس الحمداني: “أسْلَمَنا قومُنا إلى نُوَبٍ/ أيْسَرُها في القلوبِ أقتَلُها”.

ففي حال اشتكى أحدهم من الواقع المأساوي والمزري الذي انتُكب به، أو بكى تشتّت عائلته وأقاربه، أو تأفّف من شحّ الإعانات والأدوية، ومن ضيق المساحة، ومستلزمات الحياة البديهية (تأمين الحمّامات، والتدفئة)، انهالت عليه المَلامات والشتائم والتهديدات، وغالباً ما يُصنَّف تذمّره بأنه خدمة مجّانية للشامتين محلّياً، وللعدوّ خارجياً.

تحضرني في هذه الفكرة عبارة عاطفية رائعة لِصلاح جاهين: “ده اللي ما يتكلّمش، يا كُتْر همُّه”. 

لم يدع “حزب الله” للشيعة مُحبّاً، بل هو بذل جهوداً جبّارة وخصّص أموالاً باهظة على مدى أربعين عاماً، لعزل الشيعة عن شركائهم في الوطن. بمنتهى الدهاء والتأنّي، أسّس الحزب “مطابخَ” أيديولوجية مخيفة: المدارس، والكشّافة، والإعلام. بل ذهب أبعد من ذلك الحدّ: استقوى على الشيعة الوطنيين المعترضين على نهجه المحلّي، كما على سلوكه الإقليمي. 

لقد برع الحزب في سلخ أغلبية الشيعة عن عروبتهم، ثقافياً وسياسياً وهويّاتياً: العرب أعداء الشيعة وعملاء إسرائيل، ولا مجال للنقاش. وإننا إذا سألنا أحداً من مجتمع “حزب الله” نفسه: مَن يمكنه تولّي إعادة إعمار الجنوب؟ سيُجيبنا: حتماً العرب وحدهم القادرون على تنفيذ المَهمّة!

وها هو الحزب لا يزال مكابراً، يظهر قادته وإعلاميوه وخبراؤه الاستراتيجيون على المنابر وشاشات التلفزة مغرورين مدّعين أنهم سيجعلون من الممكن مستحيلاًـ المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ـ ومن المستحيل ممكناً – إيهام الجنوبيين بالنصر وباسترجاع الأرض وتحريرها.

أظنّ أن هذه الهواجس التي تنتاب الجنوبيين وتُحيل يوميّاتهم جحيماً مبهماً من النواحي الزمانية والمكانية والشعورية، فضلاً عن مآسيهم الموغلة في التاريخ، تستحقّ الوقوف عندها وأخذها بعين المراعاة والاعتبار. لقد نُكِبنا عشرات المرّات؛ ورمّمنا بيوتنا؛ وأحيينا مزارعنا وسهولنا وبساتيننا، لقد اجترحنا ما أمكننا من معجزات للبقاء على قيد الحياة، غير أن الحقّ يقول: {لا يكلّفُ اللهُ نفساً إلّا وسعَها}.

نحن بشر ولسنا قدّيسين ولا معصومين، ولسنا صخرة لا يحرّكها فعل وردّة فعل. 

أنهكتْنا التراجيديا المزمنة، استنزفَنا الصبر والصمود، ما يزعم البعض بأنه “حياة كريمة” ليس إلّا فيضاً من الذلّ والهوان ينسكب في أرواحنا لحظة تلو لحظة، فيسمّمها ويُرديها قتيلةً لا شهيدة.

نرفض أن نظلّ حزانى مفجوعين إلى الأبد… من حقّنا بلسمة جراحنا كي نحيا بعافية وفرح.

دورنا نحكي

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
23.05.2026
زمن القراءة: 4 minutes

تتضافر جملة معطيات واقعية وحسّية تبرّر تداول بعض الأخبار الدالّة على الترحيل. فالتدمير الممنهج والترميد المتواصل لقرى الجنوب اللذان تعتمدهما إسرائيل، في غاراتها المروّعة وقصفها المدفعي الوحشي، يرسّخان في قلوب الجنوبيين ذاك الشعور القاتل بزوال البيوت، وباستحالة العودة إلى بلداتهم التي “كانت” آمنة يوم تحريرها في 25 أيّار/ مايو 2000.

“لكِ يا منازلُ في القلوبِ منازلُ/ أقفرتِ أنتِ وهنّ منك أو أهلُ” صدق أبو الطيّب المتنبّي…

يعتمل في أفئدة الجنوبيين ومخيّلاتهم حشد من الهواجس والأسئلة المرتبطة مباشرة بالغد- وحده يوم الغد يُقلقهم: ماذا ينتظرنا بعد هذه التغريبة المُهينة؟ يتساءلون في سرّهم عمّا إذا كانت بيوتهم وقراهم الصامدة حتى اللحظة، ستتهاوى في اللحظات العاجلة المقبلة؟ وإذا، لا سمح الله، أُبيدت تلك الأماكن المستحوذة على ذاكرتهم العجيبة المنيفة، والتي أُرغموا على الانسلاخ عنها، فماذا هم فاعلون؟

هذه إشكاليّات معقّدة وأسئلة مشروعة أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً واجتماعياً، بل محقّة دينياً.

وقد برزت في الآونة الأخيرة أحاديث متداولة، غير رسمية ولا معلَنة في الخطاب السياسي المحلّي والإقليمي، عن احتمال ترحيل “ترانسفير” شيعي من جبل عامل- ترحيل داخلي كلّ في منطقة نزوحه، أو خارجي ربما إلى العراق أو إيران. 

على مستوى الداخل اللبناني، تنفرض على الجميع دولةً ومؤسّسات ومناطق مُضيفة، وبالأخصّ على “حزب الله” الذي دفعَ الوطن والشعب إلى التهلكة، إشكالية خطيرة لا مفرّ من الإجابة عنها: الاندماج. 

هل سيتقبّل المجتمع المضيف، أيّاً تكن طائفته، انصهار جماعة “أخرى” فيه، من دون أن نستثني حالة التنفير التي افتعلها “حزب الله” بين بيئته الحاضنة وسائر الجماعات اللبنانية؟ لن يستسهل الحزب، كما لن يهضم فكرة انفراط عقْدِ بيئته التي عمل مطوّلاً على تنشئتها وتربيتها عقدياً وأُسرياً ومدرسياً. 

طالما اختبر اللبنانيون موجات من الترحيل، لن أُطيل الحديث التأريخي عنها، باستثناء الإشارة إلى مجريات الحرب الأهلية حين هُجّر أهل الدامور في عام 1976، على سبيل المثال؛ أو أهل الجبل وقرى شرقيّ صيدا المسيحيون. الفارق الأساسي هو انتماء هؤلاء المسيحيين فعلياً إلى وطنهم لبنان. هم لم يخدموا أجندة خارجية، بالتالي سهُل عليهم الاندماج في مجتمع مسيحي- وأحياناً إسلامي- جديد رحّب بهم، فأمّن لهم المسكن اللائق وفرص العمل اللازمة لاستكمال حياتهم الطبيعية ولو بالحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية. 

بوضوح، اقتطَع شيعة الحزب غصنهم من شجرة الوطن، وأسقطوها على أسطورة تفَبْرَكت عبر الزمن، ثم ركعوا أمامها مذعنين. تجمّد شريان المنطق في ذهنيّتهم، وأيّ اعتراض على هذا التنازل الفظيع عن الحراك والتجدّد هو بمنزلة الإثم، فأمّا طاعة ولاية الفقيه فهي مفتاح الجنان.

يرتبط وضع النازحين أيضاً بالمسار التعليمي: فالمعلّمون هم بدورهم غادروا منازلهم وبلداتهم ومدنهم. لا شكّ في أن هذا سيؤدّي إلى بروز مشكلة مستعصية جديدة في القطاع التربوي الرسمي: فائض المعلّمين في مناطق هي في الأساس تعاني فائضاً، أما التلاميذ، فسرعان ما ستتجلّى عقدة الاستلاب والانسلاخ في أدائهم التعلّمي وسلوكهم الجماعي. 

إن مشكلة الاندماج في مجتمع جديد ومدرسة غريبة، وعلى وجه الدقّة في سنوات الطفولة والمراهقة، تغدو أكثر تعقيداً وقد تستلزم علاجاً جماعياً ضرورياً (group therapy).

من ناحية ثانية، إذا  جرى الترحيل إلى خارج لبنان، فلا يسعُ أحد تخيّل عواقب الواقعة وتداعياتها الكارثية على الصعد كافّة: معيشياً، حيث يخوض كلّ من العراق وإيران أزمات اقتصادية مهولة؛ ومهنياً وعملياً، فالبطالة عائق يحول دون توفّر فرص عمل ليس في الشرق الأوسط وحسب، بل في معظم بلدان العالم. ناهيكم بالاندماج الاجتماعي في وسط مستغرَب بتقاليده وعاداته ونمط حياته. فالعقيدة الشيعية الأكثر سواداً في كلا البلدين، لا تصنع وحدها انصهاراً اجتماعياً أو ثقافياً.

تتضافر جملة معطيات واقعية وحسّية تبرّر تداول بعض الأخبار الدالّة على الترحيل. فالتدمير الممنهج والترميد المتواصل لقرى الجنوب اللذان تعتمدهما إسرائيل، في غاراتها المروّعة وقصفها المدفعي الوحشي، يرسّخان في قلوب الجنوبيين ذاك الشعور القاتل بزوال البيوت، وباستحالة العودة إلى بلداتهم التي “كانت” آمنة يوم تحريرها في 25 أيّار/ مايو 2000.

يضاف إلى ذلك انعدام الرؤيا و”قمع” أيّ خطّة لإعادة الإعمار، حيث الأولوية تُعطى للتمسّك بالسلاح، وللانتصارات الوهمية بهدف استكمال الحرب حتى “دحر” العدوّ.

ولا نتجاهل إطلاقا حالة اليأس والإحباط و”القرف” التي يعانيها الجنوبيون النازحون، لا سيّما أولئك المنكوبين في مراكز الإيواء أو في مخيّمات الأرصفة.

نظم أبو فراس الحمداني: “أسْلَمَنا قومُنا إلى نُوَبٍ/ أيْسَرُها في القلوبِ أقتَلُها”.

ففي حال اشتكى أحدهم من الواقع المأساوي والمزري الذي انتُكب به، أو بكى تشتّت عائلته وأقاربه، أو تأفّف من شحّ الإعانات والأدوية، ومن ضيق المساحة، ومستلزمات الحياة البديهية (تأمين الحمّامات، والتدفئة)، انهالت عليه المَلامات والشتائم والتهديدات، وغالباً ما يُصنَّف تذمّره بأنه خدمة مجّانية للشامتين محلّياً، وللعدوّ خارجياً.

تحضرني في هذه الفكرة عبارة عاطفية رائعة لِصلاح جاهين: “ده اللي ما يتكلّمش، يا كُتْر همُّه”. 

لم يدع “حزب الله” للشيعة مُحبّاً، بل هو بذل جهوداً جبّارة وخصّص أموالاً باهظة على مدى أربعين عاماً، لعزل الشيعة عن شركائهم في الوطن. بمنتهى الدهاء والتأنّي، أسّس الحزب “مطابخَ” أيديولوجية مخيفة: المدارس، والكشّافة، والإعلام. بل ذهب أبعد من ذلك الحدّ: استقوى على الشيعة الوطنيين المعترضين على نهجه المحلّي، كما على سلوكه الإقليمي. 

لقد برع الحزب في سلخ أغلبية الشيعة عن عروبتهم، ثقافياً وسياسياً وهويّاتياً: العرب أعداء الشيعة وعملاء إسرائيل، ولا مجال للنقاش. وإننا إذا سألنا أحداً من مجتمع “حزب الله” نفسه: مَن يمكنه تولّي إعادة إعمار الجنوب؟ سيُجيبنا: حتماً العرب وحدهم القادرون على تنفيذ المَهمّة!

وها هو الحزب لا يزال مكابراً، يظهر قادته وإعلاميوه وخبراؤه الاستراتيجيون على المنابر وشاشات التلفزة مغرورين مدّعين أنهم سيجعلون من الممكن مستحيلاًـ المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ـ ومن المستحيل ممكناً – إيهام الجنوبيين بالنصر وباسترجاع الأرض وتحريرها.

أظنّ أن هذه الهواجس التي تنتاب الجنوبيين وتُحيل يوميّاتهم جحيماً مبهماً من النواحي الزمانية والمكانية والشعورية، فضلاً عن مآسيهم الموغلة في التاريخ، تستحقّ الوقوف عندها وأخذها بعين المراعاة والاعتبار. لقد نُكِبنا عشرات المرّات؛ ورمّمنا بيوتنا؛ وأحيينا مزارعنا وسهولنا وبساتيننا، لقد اجترحنا ما أمكننا من معجزات للبقاء على قيد الحياة، غير أن الحقّ يقول: {لا يكلّفُ اللهُ نفساً إلّا وسعَها}.

نحن بشر ولسنا قدّيسين ولا معصومين، ولسنا صخرة لا يحرّكها فعل وردّة فعل. 

أنهكتْنا التراجيديا المزمنة، استنزفَنا الصبر والصمود، ما يزعم البعض بأنه “حياة كريمة” ليس إلّا فيضاً من الذلّ والهوان ينسكب في أرواحنا لحظة تلو لحظة، فيسمّمها ويُرديها قتيلةً لا شهيدة.

نرفض أن نظلّ حزانى مفجوعين إلى الأبد… من حقّنا بلسمة جراحنا كي نحيا بعافية وفرح.

دورنا نحكي