في لحظة حرب إسرائيلية مدمّرة تطال جنوب لبنان، حيث تدفع البيئة الشيعية واحداً من أثقل الأثمان البشرية والاجتماعية والمادّية، تبدو الدعوة للتضامن معها واجباً لا يحتاج الى الكثير من النقاش.
يرى كثيرون عن حقّ أن المرحلة بحساسيتها المفرطة تتطلّب احتضاناً وطنياً للشيعة، بوصف الحرب الدائرة في لبنان تطالهم أوّلاً، وتحديداً في جبل عامل، وأن المطلوب اليوم هو التضافر والتكافل واحتضان الفئة المستهدفة. وهي حكماً مقاربة محقّة من المنظورين الإنساني والوطني الأخلاقي، بل هي واجب تلقائي ومطلق لا يجوز إخضاعه لأي دفتر شروط سياسي من أيّ طرف كان.
إلا أن الإشكالية الخطيرة تكمن في محاولة البعض إخضاع شرط احتضان الشيعة كبيئة ومواطنين، باحتضان “حزب الله” كمنظومة سياسية وعسكرية وأمنية. وبموجب هذا المنطق، يصبح أيّ تعاطف يستثني “حزب الله” وخياراته منقوصاً، وغير كافٍ، وموضع تشكيك.
الأخطر في هذا الخلط، الذي يساهم فيه الحزب وآلته الإعلامية وحلفاؤه بقوّة، يكمن في محاولة وضع بقيّة المكوّنات والشركاء في الوطن أمام ابتزاز أخلاقي مجحف، يُسحب بموجبه حقّ معارضة الحزب ورهاناته الكارثية. وتصبح المعادلة الضمنية المفروضة: إمّا احتضان كامل للشيعة ومن ضمنهم منظومة الحزب العسكرية وارتباطاته الإقليمية، وإمّا أنكم مجرّدون من المعيار الأخلاقي والوطني، على الرغم من إدراك الجميع أن احتضان “حزب الله” بشرطه السياسي والعسكري لا يمكن أن يتحقّق إلا على جثّة البلد.
هذا الأسلوب يفسّر، على سبيل المثال، بعض حملات الانتقاد والتخوين الموجّهة إلى بعض المسؤولين الذين يزورون الجنوب لتفقّد الأضرار والوقوف إلى جانب الناس. تنطلق هذه الانتقادات في شقّ منها من فكرة مضمرة مفادها أن التضامن مع المواطنين يجب أن يشمل حتماً الإذعان لخيارات “حزب الله” السياسية كممرّ إلزامي لأي تعاطف. هكذا شُيطنت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون، وطُلب علانية من رئيس الحكومة نوّاف سلام أن يعترف بـ”أحقّية السلاح” كشرط للتواجد في قرية لبنانية مدمّرة ومُرمّدة، وهو ما يتقاطع مع نقد أيّ توجّه لا يؤيّد السلاح، ليس وفق مدى الجدوى بل وفق رفض مطلق لأيّ خيار لا يرضى عنه “حزب الله” أو لا يقدّم غطاءً للسلاح. وبذلك، يُلغى أيّ خيار سياسي بديل، ويُجرّم أيّ موقف لا يحتضن أداء الحزب، أو خيار السلاح لمواجهة الاحتلال.
هذا الموقف الرافض لخيارات الحزب في لبنان لا ينطلق من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لأزمة ثقة عميقة وجذرية تراكمت بفعل تجارب مريرة منذ العام 2005، مروراً بـ 2008، وصولاً إلى الانخراط العسكري الكامل في الحرب السورية، وأخيراً حروب “الإسناد” التي فُرضت على البلاد.
طوال هذه المسيرة، تصرّف الحزب كفصيل عابر للحدود؛ وبفائض قوّة وسطوة، ولم يقدّم يوماً مراجعة أو اعتذاراً لضحايا سياساته على امتداد المناطق اللبنانية، بغضّ النظر عن النقاش العقيم حول المسؤوليات، ولا قدّم مراجعة أو اعتذاراً من الشعب السوري، ولا حتى من أهالي الجنوب. وهنا الاعتذار ليس ترفاً بل مدخلاً لمصالحات لا يريدها “حزب الله” منعاً من أن تهتزّ صورته كحزب “نقيّ” كما صوّر لجمهوره. وبدلاً من مراجعة خياراته، استمرّ في رهن قراره الاستراتيجي بالكامل لطهران، مقدّماً الجنوب اللبناني وأهله على مذبح حماية النظام الإيراني ومصالحه الإقليمية.
وتتعمّق هذه الهواجس عند البعض في لبنان عند النظر إلى ما ارتكبه “حزب الله” في سوريا تحت شعار “حماية المقامات” وممرّات السلاح؛ إذ تجاوز القتال العسكري ليصل إلى التورّط المباشر في سياسات النظام السوري وحملاته في التطهير العرقي والهندسة الديموغرافية.
هناك الكثير من الشهادات والتقارير التي توثّق بالحدّ الأدنى صمت أو تواطؤ “حزب الله” مع النظام السوري في عمليّات طرد سكّان محلّيين، وتسهّيل توطين مقاتلين أجانب استُقدموا من أفغانستان وباكستان مع عائلاتهم في دمشق ومحيطها، في سياق سردية دينية تشبه “سردية الهيكل”، بهدف تغيير هويّة المنطقة وتوسيع هوامش مناطق النفوذ الإيراني وربطها ببعضها بعضاً.
ليس ذلك نكأ للجراح بل توصيف لكيف يُنظر إلى “حزب الله” في بعض الأوساط اللبنانية والمنطقة، وبالتالي محاولة فهم العلاقات الملتبسة بين المكوّنات، خصوصاً بعد الخطاب الذي يستهدف بعض البيئات اللبنانية.
والحقيقة أن الخوف في بعض المناطق اللبنانية الذي تجسّد بأزمة السكن والإيجارات مثلاً، ليس خوفاً من المواطنين الشيعة كنسيج اجتماعي بمجمله، بل هو خوف له سياق سياسي وأمني من “حزب الله”، وكيف انعكس ذلك بقصف إسرائيلي عشوائي يطال الجميع بذريعة مركز أمني أو شخصيّة مرتبطة بـ”حزب الله”. هذا ليس تبريراً لجرائم إسرائيل لكنّه خوف مبرّر تشعر به شرائح لبنانية واسعة من أن يتمّ استهدافها بذرائع من هذا النوع، وحتى خوف من “حزب الله” نفسه… بالتالي لا يمكن تسطيح هذا القلق واعتباره قضيّة عنصرية معزولة وإن شابت بعض المواقف تعليقات عنصرية.
كما لا يمكن تحت أيّ ظرف قبول تحويل الحقّ البديهي في السكن الآمن والكرامة الإنسانية إلى أداة فرز سياسي أو ورقة عقاب جماعي، ليس مفيداً إنكار هاجس الخوف الذي هو أساس في علاقة المكوّنات ببعضها بعضاً، كما لا يمكن إسقاطه تحت عناوين أخلاقية عاطفية أو اعتباره صراعاً بين يمين ويسار كما في أوروبا.
إقرأوا أيضاً:
في سياق آخر، تستخدم معادلة أخلاقية أخرى للترهيب، عبر التلويح بـ”نتنياهو”، للقول إن الأولوية اليوم هي للتضافر الوطني ضد مجرم المنطقة. ورغم صحّة محورية مواجهة الإجرام الإسرائيلي، يستغلّ الحزب هذا الطرح ليضع الجميع في خانة واحدة: إمّا مع “حزب الله” وإمّا مع إسرائيل. هذا الفرز الإلغائي يقضي على أيّ هوامش وطنية تسمح برفض الإجرام الإسرائيلي دون التورّط في تأييد الحزب وارتباطاته. والأخطر أن هذا التخوين العشوائي يرمي فعلياً بعض الفئات في أتون مشاريع خطيرة مثل شعارات التقسيم أو حتى في الحضن الإسرائيلي؛ فإسرائيل أثبتت إدراكها للحساسيات التاريخية في المنطقة (من جبل لبنان في الثمانينيات، إلى السويداء، وصولاً إلى شرق الجزيرة السورية)، وتستثمر فيها لضرب النسيج الوطني.
وفي هذا السياق أيضاً، يخرج من يقول إن التعامل مع “حزب الله” هو ممرّ إلزامي أساسي لحفظ “الوحدة الوطنية”، بوصفه الممثّل الشرعي والوحيد لشريحة واسعة. قد يبدو هذا الطرح محقّاً في ظاهره، ولكن ليس من بوّابة القدرة التمثيلية للحزب، بل من بوّابة السلاح بحدّ ذاته كمهدّد مباشر للاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية. وبذلك تُفرض أيضاً معادلة خطيرة: التسليم بالسلاح كشرط لحماية الوحدة الوطنية!
الدعوة اليوم لـ “مدّ اليد للحزب” تحت شعار السلم الأهلي، ليست سوى استنساخ وتدوير لطروحات سابقة (كخطاب بهيّة الحريري في 2005، أو طروحات فؤاد السنيورة في 2013/2014)؛ وهي طروحات تقع مجدّداً في فخّ إعادة إنتاج نظام “الطائف” الذي طبّقه نظام الأسد في لبنان، عبر تحويل سطوة الأحزاب إلى “شركاء دائمين” بدلاً من الطوائف نفسها، ومنحها صكّ احتكار مطلق لتمثيل بيئاتها وسحق أيّ صوت معارض داخلها.
أمام هذا الواقع، يعود السؤال البنيوي ليطرح نفسه: هل يمكن احتضان الشيعة بمعزل عن “حزب الله” وموقفه السياسي والعقائدي؟ الأكيد أن الطائفة الشيعية هي مكوّن لبناني أصيل ورئيسي في كيان هذا الوطن، بينما “حزب الله” حالة سياسية وعقائدية طارئة، وإن نجحت في الإمساك بالواقع الشيعي مؤقّتاً عبر فائض القوّة ووهم الحماية، تماماً ككل الحالات السياسية أو حتى العقائدية التي ظهرت لدى طوائف أخرى وكانت عابرة. من هنا، يصبح الفصل بين “حزب الله” وبين الشيعة ضرورة وطنية قصوى لإنقاذ ما تبقّى من لبنان.
في المحصّلة، الطرح الوطني الحقيقي الذي يجب التمسّك به ليس احتضان طائفة، بل حقّ المواطنة للجميع و”طرح الدولة” العادلة التي يخضع لسقفها الجميع بلا شروط تعجيزية أو تورية. دولة تحتضن جميع أبنائها كمواطنين متساوين تحت سقف القانون والمؤسّسات الشرعية، من أقاصي عكار والهرمل إلى أقاصي الجنوب، لا كرهائن تحت سقف المحاصصة الحزبية. دولة يشارك الجميع في بنائها ولا يتحجّج أحد بفشلها لتشريع الدويلات والبدائل؛ فأسوأ دولة تبقى دائماً أفضل من أفضل بديل، خصوصاً في زمن التحلّل، وهذا ما يعلّمنا إيّاه التاريخ.
المطلوب ليس أن يحتضن اللبنانيون الشيعة، بل أن يتوقّف النظام اللبناني عن التعامل معهم، كما مع سواهم، باعتبارهم رعايا حصريين لحزب أو طائفة.
إقرأوا أيضاً:












