ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الصحافة المستقلّة في الأردن: امتحان الحرّية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

وفق قانون النقابة، لا يُعدّ الشخص صحافيا في الأردن إلا إذا كان عضواً مسجلًا في سجلات النقابة. التعريف بهذه الصيغة يطرد عملياً طيفاً واسعاً من الصحافيين: خريجو الإعلام غير المنتسبين، الصحافيون المستقلون، العاملون الرقميون، معدّو البرامج، صناع الوثائقيات، والمراسلون الأردنيون في مؤسسات عربية ودولية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كانت منيرة (اسم مستعار) خلال سنواتها الاثنتي عشرة في الصحافة في الأردن، تظن أن تراكم الخبرة والتدريب والالتزام بأخلاقيات المهنة هو ما يُمكّن الصحافي من ترسيخ مكانته. عملت في التحقق من المعلومات والتحقيقات الحقوقية، والسرد الإنساني، والتحليل، وتقدمت لزمالات وتدريبات متخصصة، وتبنّت قناعة عميقة بأنّ الصحافة سلطة رابعة تحمي المجتمع من الاعتداء على حقوقه. لكن ذلك كله انهار، كما تقول، “في لحظة واحدة” حين اشتدّ التضييق الأمني والسياسي على الصحافيين، لا سيما المستقلين، واشتدت قبضة نقابة الصحافيين على المجال الإعلامي، فوجدت نفسها تتجه تدريجيًا من التقارير المعمقة والاستقصاء إلى “قصص نجاح” تبعد عنها ضغط التضييق.

النقابة والدولة: من يعرّف الصحافي ومن يستثنيه؟

مع منتصف آب/ أغسطس الماضي، أصدرت رئاسة الوزراء تعميماً ألزمت بموجبه الوزارات والمؤسسات الرسمية بعدم التعامل أو دعوة أي شخص لا يحمل عضوية نقابة الصحافيين، بما في ذلك منع اصطحابهم لتغطية الفعاليات والزيارات الرسمية. التعميم شدّد على أن تغطية الأنشطة الحكومية حكر على صحافيين مسجلين في النقابة والعاملين ضمن مؤسسات مرخصة، مستندًا إلى قانون النقابة رقم (15) لعام 1998 وقانون المطبوعات والنشر الصادر في العام نفسه.

القرار وجد ترحيباً من النقابة التي قدّمته بوصفه خطوة “لسدّ الفوضى الإعلامية” الناجمة عن انتشار منتحلي صفة الصحافي على المنصات الرقمية، وأشادت بتعاون الحكومة لحماية “الإعلام المهني والمسؤول”.

بالنسبة الى منيرة، لم يكن في القرار أثر للعدالة. فهو أقصى صحافيين ذوي خبرة ونتاج مهني واضح، بعضهم حصد جوائز محلية ودولية، ليس لأنهم غير مهنيين، بل لأن شروط الانتساب للنقابة “تعجيزية” على حد وصفها، من بينها شرط التوظيف في مؤسسة صحافية تدفع الضمان الاجتماعي، فيما يعتمد كثير من الإعلام على متعاونين غير مدفوعي الأجر وإن سمح لهم بالكتابة.

محمد، الذي يعمل منذ نحو ثماني سنوات في صحافة البيانات والتحقيقات الاستقصائية من دون عضوية نقابية، يرى أن القوانين الناظمة للعضوية “لا توسّع دائرة المهنة، بل تضيقها”، مستشهداً بالفجوة بين عدد الممارسين الفعليين للصحافة وعدد المنتسبين، ونسبة المقبولين مقارنة بالمتقدمين. هذا النهج كلّفه ـ كما يروي ـ ملاحقات نقابية شملت إدراج اسمه على لوائح كادت تحال الى القضاء لولا تدخل زملاء ومؤسسته. وعلى رغم تجنيب اسمه القضية، لا يزال يشعر بالقلق حيال ملاحقة النقابة عمله المستقل خارج أطرها.

منيرة أيضًا عانت من آثار القرار بشكل مباشر. فقد تعطّل عملها مرات عدّة بعد رفض ناطقين رسميين التعاون معها ما إن علموا أنها غير منتسبة الى النقابة. حتى قصص النجاح التي كانت الصحافية تعتمد عليها للهروب من “السجالات” لم تعد آمنة من الرفض.

وفق قانون النقابة، لا يُعدّ الشخص صحافيا في الأردن إلا إذا كان عضواً مسجلًا في سجلات النقابة. التعريف بهذه الصيغة يطرد عملياً طيفاً واسعاً من الصحافيين: خريجو الإعلام غير المنتسبين، الصحافيون المستقلون، العاملون الرقميون، معدّو البرامج، صناع الوثائقيات، والمراسلون الأردنيون في مؤسسات عربية ودولية.

ولا يقف الأمر عند حدود التعريف، إذ يفرض القانون عقوبات على من يمارس العمل الصحافي من دون عضوية، ويعدّ ذلك انتحالاً للصفة. المادة (12) المعدلة عام 2014 تمنع ممارسة المهنة قبل التسجيل وأداء اليمين ودفع الرسوم، فيما تحظر المادة (18) مراسلة الصحف الأجنبية أو تقديم النفس بصفة صحافية، وتفرض غرامات أو عقوبات سالبة للحرية من شهر إلى ثلاثة أشهر، تتضاعف عند التكرار.

داوود كتّاب، الذي أمضى 45 عاماً في الصحافة المستقلة، يلفت إلى تناقض جوهري: فالنقابة لا تضم فقط صحافيين، بل كبار المحررين والناشرين، متسائلًا: “كيف لجهة يهيمن على قيادتها من يمثل مصالح المالكين لا مصالح المراسلين أن تدافع عن حقوق من يعملون على الأرض؟”.

وبرأي الخبير الإعلامي بركات الزيود، كان توجه النقابة خلال العام الأخير أشبه بضبط المجال الإعلامي تحت ذريعة منع انتحال الصفة، بعد انتشار الشائعات وتضخم استخدام منصات التواصل خارج أطر مهنية. في عام 2025 وحده، صدرت أكثر من 800 شائعة أو خبر كاذب عبر هذه المنصات. لكنه يذكّر بأن الفرق بين الصحافيين المستقلين وموظفي المؤسسات لا يكمن في المهنية الجوهرية بقدر ما يكمن في البنية. فالمستقلون لديهم مساحة تحريرية أوسع، لكن حماية مؤسسية أقل، فيما يمتلك الصحافيون في المؤسسات بوابات تحرير تمنع الأخطاء الجسيمة.

آلة الأمن والإعلام: الرقابة الذاتية بوصفها “أشد العقوبات”

التضييق الأمني كان وجهاً آخر للمشهد. إحدى الناشطات الإعلاميات استُدعيت بعد منتصف الليل بسبب منشورات عن حرب غزة. التجربة زادت رقابتها الذاتية، كما تقول، ومثلها كثيرون.

بحسب تقرير مراسلون بلا حدود لعام 2025، يخضع العمل الإعلامي في الأردن لرقابة أمنية مشددة، ويتعرض صحافيون وناشطون لاستدعاءات متكررة، غالباً ما يرتبط الإفراج عنهم بالتعهد بعدم الخوض في ملفات حساسة. داوود كتّاب يرى أن أعنف آثار الاستدعاء ليس التحقيق بحد ذاته، بل ما يخلّفه من “رقيب داخلي” يراقب النص قبل أن يخرج الى العامة.

وفي مؤتمر صحافي عام 2022، كشف مركز حماية وحرية الصحافيين أن 77 في المئة من الصحافيين الأردنيين تعرضوا للاستدعاء الأمني، وأن 82 في المئة يرون أن الحكومة نادراً ما تحقق في الانتهاكات ضدهم. أما نضال منصور، الرئيس التنفيذي السابق للمركز، فلفت إلى أن الاعتياد على الاستدعاءات جعل الصحافيين يتقبلونها بوصفها “قهوة ليست مؤذية”، لكن خطورة الأمر ظهرت عندما غاب الإعلام المحلي عن ملفات عامة كبرى مثل أزمة نقابة المعلمين وقضية ما عُرف بـ”الفتنة”، ما أفقده ثقة قطاع واسع من الجمهور.

حجب المواقع وحجب المعلومة

في أيار/ مايو الماضي، حجبت هيئة الإعلام 12 موقعاً صحافياً وإخبارياً، بعضه مستقل وإقليمي، مثل “ميم مرآتنا”، “رصيف 22″، “Middle East Eye”، “عربي 21″، “عربي بوست”، و”صوت الأردن”. التبرير الرسمي وصف الحجب بأنه يهدف الى وقف “بث السموم” و”مهاجمة الدولة ورموزها”، من دون كشف المخالفات أو تحديد آليات الطعن.

المنظمات الحقوقية اعتبرت القرار قيوداً غير شفافة على حرية التعبير والوصول الى المعلومات، وخرقًا لمبدأ حق التقاضي أمام قضاء مستقل. لكن الأثر الأوضح ظهر لدى الصحافيين المستقلين أنفسهم. بات كثيرون يترددون في كشف الجهة التي يعملون معها، خشية أن يرفض المصدر التعاون أو يبلغ عنهم. منيرة تذكر أن ذريعة “أنتم موقع محجوب” استُخدمت مرات عدة للتهرب من الرد، ما أدى إلى تعطيل القصص قبل أن تبدأ.

القانون في مواجهة الحق في المعرفة

إلى جانب النقابة والحجب والأمن، يظهر سلاح قديم: منع النشر. تتحكم السلطات برؤساء تحرير صحف ووسائل إعلام تابعة للجيش أو البلديات، ما يمنحها شبكة مؤثرة في تغطية الأخبار. وتلجأ النيابة إلى منع النشر في ملفات عامة تمس الرأي العام مثل الفساد والجريمة، أو ملفات كـ”الفتنة” -الأحداث التي كشفتها السلطات عام 2021، حين أعلنت إحباط مخطط اعتُبر تهديدًا لأمن البلاد واستقرارها، وارتبط باسم الأمير حمزة بن الحسين، ولي العهد السابق، إلى جانب شخصيات بارزة-، و”التسمم الكحولي” -وفاة 9 أشخاص وإصابة 50 آخرين بعد تناولهم مشروبات كحولية تحتوي على مادة شديدة السمية عام 2025- و”تسجيلات مدير الأمن العام” -تسريبات صوتية للمدير السابق للأمن العام عام 2022، تضمنت محادثات حول تعيينات ونقل داخل المديرية-، وغيرها.

الخبير القانوني حمادة أبو نجمة يذكّر بأن المادة (15) من الدستور تكفل حرية الإعلام ضمن حدود القانون، وأن الأصل في النشر هو الإباحة. لكن عندما يتحول منع النشر إلى ممارسة واسعة أو غائمة أو بلا سقف زمني، يصبح أداة لتعطيل الإعلام. الفقرة الرابعة من المادة نفسها تحظر تعطيل الصحف إلا بأمر قضائي واضح، بما يشمل التعطيل الوظيفي لا المادي فقط، فيما تحصر الفقرة الخامسة الرقابة في حالات استثنائية محددة، مرتبطة بالسلامة العامة والدفاع الوطني. أي ممارسة تتجاوز ذلك تخلّ بالتوازن بين النظام العام وحق المجتمع في المعرفة.

وبرأي أبو نجمة، على الصحافيين التحقق من مصدر منع النشر والتمييز بين توجيه شفوي أو إداري غير ملزم وبين قرار قضائي ملزم. وفي حال كان المنع مبالغًا أو خارج سياقه، يحق الطعن به عبر مسارات قانونية ومهنية. والالتزام بالدقة والمصادر المعلنة وتجنب التشهير يظل خط الدفاع الأول ضد الملاحقة.

اشتداد القبضة الرقابية ليس حالة أردنية فقط

ما تواجهه الصحافة المستقلة في الأردن لا يأتي في فراغ. فخلال السنوات الأخيرة، تزامن في المنطقة والعالم انحسار للمساحات الإعلامية وتزايد في أدوات الرقابة النظامية وغير النظامية.

وفق مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن “مراسلون بلا حدود” لعام 2025، شهد أكثر من نصف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراجعًا في درجات حرية الإعلام، ليس فقط عبر القيود الأمنية التقليدية، بل عبر تشريعات تنظيمية وضريبية ونقابية تستثني العاملين المستقلين وتمنح الحكومات سلطة إعادة تشكيل المجال الإعلامي. تقارير “لجنة حماية الصحافيين” CPJ لعامي 2024 و2025 رصدت في المنطقة ازديادًا في الاستدعاءات الأمنية، ومنع النشر، وحجب المواقع، وتقييد الاعتماد الصحافي للمراسلين المستقلين، مع تركيز خاص على الأردن ومصر ودول الخليج.

واحد من التحولات الأساسية ـ وفق تقرير “فريدوم هاوس” لعام 2025 حول الحريات الإعلامية ـ كان الانتقال من الرقابة المباشرة إلى “الرقابة الناعمة” عبر مزيج من الضغوط الأمنية، وتقنين السوق الإعلاني، ونزع الشرعية النقابية عن الصحافيين غير المنتمين الى المؤسسات الكبرى. الأونيسكو من جهتها سجلت في تقرير “سلامة الصحافيين” لعام 2024 ارتفاعًا في استخدام تهم “نشر الشائعات” و”الإضرار بسمعة الدولة” لتسويغ الملاحقة، وهي عبارات شائعة في الأردن ومحيطه.

في الخليج، ظهرت مقاربة أخرى أكثر “مؤسساتية”، إذ إن بعض الدول أنشأت هيئات تنظيم إعلام جديدة، تجمع بين الترخيص والاعتماد والمراقبة، ما أدى إلى دمج الصحافة التقليدية بالمنصات الرقمية تحت مظلة رقابية واحدة. أما في مصر، فبرزت خلال السنوات الأخيرة سياسة الدمج الإعلامي والملكية المتشابكة بين جهات عامة وخاصة، وهو ما أدى إلى اختفاء منافذ مستقلة واسعة وتراجع دور الصحافة الاستقصائية.

إقليميًا، تزداد صعوبة التمويل أيضاً. المنصات المستقلة، التي كانت تعتمد سابقًا على شراكات أو منح من مؤسسات دولية أو إعلانات رقمية، تواجه اليوم ما يشبه “حصارًا مزدوجا”: تضييق سياسي من جهة، وتجفيف موارد من جهة أخرى، ما ينتهي غالباً إلى خروج الصحافي المستقل من المهنة أو لجوئه إلى السوق الإقليمي أو الدولي أو قضايا لا تثير إشكالية كما فعلت منيرة.

في ضوء هذا كله، يبدو مستقبل الصحافة المستقلة في الأردن معلّقًا بين قبضة نقابية تضيّق باب المهنة بدل توسيعه، وضغوط أمنية تزرع رقابة ذاتية أعمق من أي رقابة رسمية، وحجب للمصادر والمنابر، ومنع للنشر يحجب المعلومة عن الجمهور، وبيئة إقليمية ودولية تتجه نحو انكماش المساحات الإعلامية بدل توسعها. وفي الوسط يقف الصحافي ـ المستقل خصوصا ـ يتساءل عن حدود مهنته وحقوقه، وعن قدرة الإعلام على أداء دوره الرقابي في مجتمع يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى.

تم نشر هذا المقال ضمن تعاون مع “الأكاديمية البديلة للصحافة العربية”

وفق قانون النقابة، لا يُعدّ الشخص صحافيا في الأردن إلا إذا كان عضواً مسجلًا في سجلات النقابة. التعريف بهذه الصيغة يطرد عملياً طيفاً واسعاً من الصحافيين: خريجو الإعلام غير المنتسبين، الصحافيون المستقلون، العاملون الرقميون، معدّو البرامج، صناع الوثائقيات، والمراسلون الأردنيون في مؤسسات عربية ودولية.

كانت منيرة (اسم مستعار) خلال سنواتها الاثنتي عشرة في الصحافة في الأردن، تظن أن تراكم الخبرة والتدريب والالتزام بأخلاقيات المهنة هو ما يُمكّن الصحافي من ترسيخ مكانته. عملت في التحقق من المعلومات والتحقيقات الحقوقية، والسرد الإنساني، والتحليل، وتقدمت لزمالات وتدريبات متخصصة، وتبنّت قناعة عميقة بأنّ الصحافة سلطة رابعة تحمي المجتمع من الاعتداء على حقوقه. لكن ذلك كله انهار، كما تقول، “في لحظة واحدة” حين اشتدّ التضييق الأمني والسياسي على الصحافيين، لا سيما المستقلين، واشتدت قبضة نقابة الصحافيين على المجال الإعلامي، فوجدت نفسها تتجه تدريجيًا من التقارير المعمقة والاستقصاء إلى “قصص نجاح” تبعد عنها ضغط التضييق.

النقابة والدولة: من يعرّف الصحافي ومن يستثنيه؟

مع منتصف آب/ أغسطس الماضي، أصدرت رئاسة الوزراء تعميماً ألزمت بموجبه الوزارات والمؤسسات الرسمية بعدم التعامل أو دعوة أي شخص لا يحمل عضوية نقابة الصحافيين، بما في ذلك منع اصطحابهم لتغطية الفعاليات والزيارات الرسمية. التعميم شدّد على أن تغطية الأنشطة الحكومية حكر على صحافيين مسجلين في النقابة والعاملين ضمن مؤسسات مرخصة، مستندًا إلى قانون النقابة رقم (15) لعام 1998 وقانون المطبوعات والنشر الصادر في العام نفسه.

القرار وجد ترحيباً من النقابة التي قدّمته بوصفه خطوة “لسدّ الفوضى الإعلامية” الناجمة عن انتشار منتحلي صفة الصحافي على المنصات الرقمية، وأشادت بتعاون الحكومة لحماية “الإعلام المهني والمسؤول”.

بالنسبة الى منيرة، لم يكن في القرار أثر للعدالة. فهو أقصى صحافيين ذوي خبرة ونتاج مهني واضح، بعضهم حصد جوائز محلية ودولية، ليس لأنهم غير مهنيين، بل لأن شروط الانتساب للنقابة “تعجيزية” على حد وصفها، من بينها شرط التوظيف في مؤسسة صحافية تدفع الضمان الاجتماعي، فيما يعتمد كثير من الإعلام على متعاونين غير مدفوعي الأجر وإن سمح لهم بالكتابة.

محمد، الذي يعمل منذ نحو ثماني سنوات في صحافة البيانات والتحقيقات الاستقصائية من دون عضوية نقابية، يرى أن القوانين الناظمة للعضوية “لا توسّع دائرة المهنة، بل تضيقها”، مستشهداً بالفجوة بين عدد الممارسين الفعليين للصحافة وعدد المنتسبين، ونسبة المقبولين مقارنة بالمتقدمين. هذا النهج كلّفه ـ كما يروي ـ ملاحقات نقابية شملت إدراج اسمه على لوائح كادت تحال الى القضاء لولا تدخل زملاء ومؤسسته. وعلى رغم تجنيب اسمه القضية، لا يزال يشعر بالقلق حيال ملاحقة النقابة عمله المستقل خارج أطرها.

منيرة أيضًا عانت من آثار القرار بشكل مباشر. فقد تعطّل عملها مرات عدّة بعد رفض ناطقين رسميين التعاون معها ما إن علموا أنها غير منتسبة الى النقابة. حتى قصص النجاح التي كانت الصحافية تعتمد عليها للهروب من “السجالات” لم تعد آمنة من الرفض.

وفق قانون النقابة، لا يُعدّ الشخص صحافيا في الأردن إلا إذا كان عضواً مسجلًا في سجلات النقابة. التعريف بهذه الصيغة يطرد عملياً طيفاً واسعاً من الصحافيين: خريجو الإعلام غير المنتسبين، الصحافيون المستقلون، العاملون الرقميون، معدّو البرامج، صناع الوثائقيات، والمراسلون الأردنيون في مؤسسات عربية ودولية.

ولا يقف الأمر عند حدود التعريف، إذ يفرض القانون عقوبات على من يمارس العمل الصحافي من دون عضوية، ويعدّ ذلك انتحالاً للصفة. المادة (12) المعدلة عام 2014 تمنع ممارسة المهنة قبل التسجيل وأداء اليمين ودفع الرسوم، فيما تحظر المادة (18) مراسلة الصحف الأجنبية أو تقديم النفس بصفة صحافية، وتفرض غرامات أو عقوبات سالبة للحرية من شهر إلى ثلاثة أشهر، تتضاعف عند التكرار.

داوود كتّاب، الذي أمضى 45 عاماً في الصحافة المستقلة، يلفت إلى تناقض جوهري: فالنقابة لا تضم فقط صحافيين، بل كبار المحررين والناشرين، متسائلًا: “كيف لجهة يهيمن على قيادتها من يمثل مصالح المالكين لا مصالح المراسلين أن تدافع عن حقوق من يعملون على الأرض؟”.

وبرأي الخبير الإعلامي بركات الزيود، كان توجه النقابة خلال العام الأخير أشبه بضبط المجال الإعلامي تحت ذريعة منع انتحال الصفة، بعد انتشار الشائعات وتضخم استخدام منصات التواصل خارج أطر مهنية. في عام 2025 وحده، صدرت أكثر من 800 شائعة أو خبر كاذب عبر هذه المنصات. لكنه يذكّر بأن الفرق بين الصحافيين المستقلين وموظفي المؤسسات لا يكمن في المهنية الجوهرية بقدر ما يكمن في البنية. فالمستقلون لديهم مساحة تحريرية أوسع، لكن حماية مؤسسية أقل، فيما يمتلك الصحافيون في المؤسسات بوابات تحرير تمنع الأخطاء الجسيمة.

آلة الأمن والإعلام: الرقابة الذاتية بوصفها “أشد العقوبات”

التضييق الأمني كان وجهاً آخر للمشهد. إحدى الناشطات الإعلاميات استُدعيت بعد منتصف الليل بسبب منشورات عن حرب غزة. التجربة زادت رقابتها الذاتية، كما تقول، ومثلها كثيرون.

بحسب تقرير مراسلون بلا حدود لعام 2025، يخضع العمل الإعلامي في الأردن لرقابة أمنية مشددة، ويتعرض صحافيون وناشطون لاستدعاءات متكررة، غالباً ما يرتبط الإفراج عنهم بالتعهد بعدم الخوض في ملفات حساسة. داوود كتّاب يرى أن أعنف آثار الاستدعاء ليس التحقيق بحد ذاته، بل ما يخلّفه من “رقيب داخلي” يراقب النص قبل أن يخرج الى العامة.

وفي مؤتمر صحافي عام 2022، كشف مركز حماية وحرية الصحافيين أن 77 في المئة من الصحافيين الأردنيين تعرضوا للاستدعاء الأمني، وأن 82 في المئة يرون أن الحكومة نادراً ما تحقق في الانتهاكات ضدهم. أما نضال منصور، الرئيس التنفيذي السابق للمركز، فلفت إلى أن الاعتياد على الاستدعاءات جعل الصحافيين يتقبلونها بوصفها “قهوة ليست مؤذية”، لكن خطورة الأمر ظهرت عندما غاب الإعلام المحلي عن ملفات عامة كبرى مثل أزمة نقابة المعلمين وقضية ما عُرف بـ”الفتنة”، ما أفقده ثقة قطاع واسع من الجمهور.

حجب المواقع وحجب المعلومة

في أيار/ مايو الماضي، حجبت هيئة الإعلام 12 موقعاً صحافياً وإخبارياً، بعضه مستقل وإقليمي، مثل “ميم مرآتنا”، “رصيف 22″، “Middle East Eye”، “عربي 21″، “عربي بوست”، و”صوت الأردن”. التبرير الرسمي وصف الحجب بأنه يهدف الى وقف “بث السموم” و”مهاجمة الدولة ورموزها”، من دون كشف المخالفات أو تحديد آليات الطعن.

المنظمات الحقوقية اعتبرت القرار قيوداً غير شفافة على حرية التعبير والوصول الى المعلومات، وخرقًا لمبدأ حق التقاضي أمام قضاء مستقل. لكن الأثر الأوضح ظهر لدى الصحافيين المستقلين أنفسهم. بات كثيرون يترددون في كشف الجهة التي يعملون معها، خشية أن يرفض المصدر التعاون أو يبلغ عنهم. منيرة تذكر أن ذريعة “أنتم موقع محجوب” استُخدمت مرات عدة للتهرب من الرد، ما أدى إلى تعطيل القصص قبل أن تبدأ.

القانون في مواجهة الحق في المعرفة

إلى جانب النقابة والحجب والأمن، يظهر سلاح قديم: منع النشر. تتحكم السلطات برؤساء تحرير صحف ووسائل إعلام تابعة للجيش أو البلديات، ما يمنحها شبكة مؤثرة في تغطية الأخبار. وتلجأ النيابة إلى منع النشر في ملفات عامة تمس الرأي العام مثل الفساد والجريمة، أو ملفات كـ”الفتنة” -الأحداث التي كشفتها السلطات عام 2021، حين أعلنت إحباط مخطط اعتُبر تهديدًا لأمن البلاد واستقرارها، وارتبط باسم الأمير حمزة بن الحسين، ولي العهد السابق، إلى جانب شخصيات بارزة-، و”التسمم الكحولي” -وفاة 9 أشخاص وإصابة 50 آخرين بعد تناولهم مشروبات كحولية تحتوي على مادة شديدة السمية عام 2025- و”تسجيلات مدير الأمن العام” -تسريبات صوتية للمدير السابق للأمن العام عام 2022، تضمنت محادثات حول تعيينات ونقل داخل المديرية-، وغيرها.

الخبير القانوني حمادة أبو نجمة يذكّر بأن المادة (15) من الدستور تكفل حرية الإعلام ضمن حدود القانون، وأن الأصل في النشر هو الإباحة. لكن عندما يتحول منع النشر إلى ممارسة واسعة أو غائمة أو بلا سقف زمني، يصبح أداة لتعطيل الإعلام. الفقرة الرابعة من المادة نفسها تحظر تعطيل الصحف إلا بأمر قضائي واضح، بما يشمل التعطيل الوظيفي لا المادي فقط، فيما تحصر الفقرة الخامسة الرقابة في حالات استثنائية محددة، مرتبطة بالسلامة العامة والدفاع الوطني. أي ممارسة تتجاوز ذلك تخلّ بالتوازن بين النظام العام وحق المجتمع في المعرفة.

وبرأي أبو نجمة، على الصحافيين التحقق من مصدر منع النشر والتمييز بين توجيه شفوي أو إداري غير ملزم وبين قرار قضائي ملزم. وفي حال كان المنع مبالغًا أو خارج سياقه، يحق الطعن به عبر مسارات قانونية ومهنية. والالتزام بالدقة والمصادر المعلنة وتجنب التشهير يظل خط الدفاع الأول ضد الملاحقة.

اشتداد القبضة الرقابية ليس حالة أردنية فقط

ما تواجهه الصحافة المستقلة في الأردن لا يأتي في فراغ. فخلال السنوات الأخيرة، تزامن في المنطقة والعالم انحسار للمساحات الإعلامية وتزايد في أدوات الرقابة النظامية وغير النظامية.

وفق مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن “مراسلون بلا حدود” لعام 2025، شهد أكثر من نصف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراجعًا في درجات حرية الإعلام، ليس فقط عبر القيود الأمنية التقليدية، بل عبر تشريعات تنظيمية وضريبية ونقابية تستثني العاملين المستقلين وتمنح الحكومات سلطة إعادة تشكيل المجال الإعلامي. تقارير “لجنة حماية الصحافيين” CPJ لعامي 2024 و2025 رصدت في المنطقة ازديادًا في الاستدعاءات الأمنية، ومنع النشر، وحجب المواقع، وتقييد الاعتماد الصحافي للمراسلين المستقلين، مع تركيز خاص على الأردن ومصر ودول الخليج.

واحد من التحولات الأساسية ـ وفق تقرير “فريدوم هاوس” لعام 2025 حول الحريات الإعلامية ـ كان الانتقال من الرقابة المباشرة إلى “الرقابة الناعمة” عبر مزيج من الضغوط الأمنية، وتقنين السوق الإعلاني، ونزع الشرعية النقابية عن الصحافيين غير المنتمين الى المؤسسات الكبرى. الأونيسكو من جهتها سجلت في تقرير “سلامة الصحافيين” لعام 2024 ارتفاعًا في استخدام تهم “نشر الشائعات” و”الإضرار بسمعة الدولة” لتسويغ الملاحقة، وهي عبارات شائعة في الأردن ومحيطه.

في الخليج، ظهرت مقاربة أخرى أكثر “مؤسساتية”، إذ إن بعض الدول أنشأت هيئات تنظيم إعلام جديدة، تجمع بين الترخيص والاعتماد والمراقبة، ما أدى إلى دمج الصحافة التقليدية بالمنصات الرقمية تحت مظلة رقابية واحدة. أما في مصر، فبرزت خلال السنوات الأخيرة سياسة الدمج الإعلامي والملكية المتشابكة بين جهات عامة وخاصة، وهو ما أدى إلى اختفاء منافذ مستقلة واسعة وتراجع دور الصحافة الاستقصائية.

إقليميًا، تزداد صعوبة التمويل أيضاً. المنصات المستقلة، التي كانت تعتمد سابقًا على شراكات أو منح من مؤسسات دولية أو إعلانات رقمية، تواجه اليوم ما يشبه “حصارًا مزدوجا”: تضييق سياسي من جهة، وتجفيف موارد من جهة أخرى، ما ينتهي غالباً إلى خروج الصحافي المستقل من المهنة أو لجوئه إلى السوق الإقليمي أو الدولي أو قضايا لا تثير إشكالية كما فعلت منيرة.

في ضوء هذا كله، يبدو مستقبل الصحافة المستقلة في الأردن معلّقًا بين قبضة نقابية تضيّق باب المهنة بدل توسيعه، وضغوط أمنية تزرع رقابة ذاتية أعمق من أي رقابة رسمية، وحجب للمصادر والمنابر، ومنع للنشر يحجب المعلومة عن الجمهور، وبيئة إقليمية ودولية تتجه نحو انكماش المساحات الإعلامية بدل توسعها. وفي الوسط يقف الصحافي ـ المستقل خصوصا ـ يتساءل عن حدود مهنته وحقوقه، وعن قدرة الإعلام على أداء دوره الرقابي في مجتمع يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى.

تم نشر هذا المقال ضمن تعاون مع “الأكاديمية البديلة للصحافة العربية”