ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الضربات الأميركية – السعودية على “الحشد” تربك بغداد وتؤجّل زيارة الرياض!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الحكومة تواجه معادلة معقّدة بين ضرورة تأكيد سيادتها ومنع تكرار الخروقات الأمنية، وبين تجنّب خطوات قد توسّع دائرة التوتّر الداخلي أو تدفع العراق إلى الانخراط في صراعات إقليمية تتجاوز حدوده.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ألغت الحكومة العراقية الزيارة التي كان من المقرّر أن يُجريها رئيس الوزراء إلى المملكة العربية السعودية، وفق مصدر حكومي، بعد ساعات من الضربات الأميركية- السعودية التي استهدفت مقارّ لـ”الحشد الشعبي” في سبع محافظات.

وبينما لم تُصدر بغداد أو الرياض توضيحاً رسمياً لأسباب الإلغاء أو تحديد موعد بديل للزيارة، جاء القرار في وقت تتسارع فيه تداعيات التصعيد العسكري على المشهدين السياسي والأمني، وسط مخاوف من أن تلقي التطوّرات الأخيرة بظلالها على تحرّكات الحكومة العراقية وعلاقاتها الإقليمية.

وشملت الضربات الجوّية مواقع تابعة لهيئة “الحشد الشعبي” في عدد من المحافظات، بينها الصويرة في محافظة واسط، والدير في محافظة البصرة، وجرف الصخر في محافظة بابل، وبرطلة في محافظة نينوى، إضافة إلى منطقة عون في محافظة كربلاء، وقضاء الدبس في محافظة كركوك، وناحية آمرلي في محافظة صلاح الدين، ومعسكر أشرف في محافظة ديالى، في حين لم تصدر حتى الآن حصيلة نهائية لحجم الأضرار أو الخسائر في جميع المواقع المستهدفة.

ويمثّل إلغاء الزيارة أوّل انعكاس سياسي مباشر للتصعيد العسكري الذي شهدته الساحة العراقية فجر الأربعاء، في وقت تواجه فيه بغداد تحدّياً متزايداً للحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية والدولية، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الولايات المتّحدة وإيران وحلفائهما في المنطقة.

وفي أعقاب الضربات، وجّه رئيس مجلس الوزراء والقائد العامّ للقوّات المسلّحة علي الزيدي بعقد اجتماعٍ طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني لبحث المستجدّات الأمنية واتّخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع تداعياتها، فيما أعلنت خليّة الإعلام الأمني أن الاجتماع خُصّص لمناقشة التطوّرات الأخيرة، مؤكّدة أن بياناً تفصيلياً سيصدر عقب انتهائه يتضمّن مجريات الأحداث والقرارات التي ستتّخذها الحكومة.

وفي الوقت نفسه، أعلنت هيئة “الحشد الشعبي” تعرّض عدد من مقارّها الرسمية في محافظات مختلفة لهجمات وصفتها بـ”الإرهابية”، مؤكّدة سقوط قتلى وجرحى بين منتسبيها، فضلاً عن وقوع أضرار مادّية في عدد من المقرّات والآليّات، قبل أن تعلن لاحقاً ارتفاع الحصيلة الأوّلية للقتلى إلى عشرين من منتسبيها وإصابة اثنينِ وثلاثين آخرين، مع استمرار اللجان المختصّة في حصر الأضرار وتدقيق المعلومات الميدانية.

وجاء أوّل إعلان رسمي عن تنفيذ الضربات من القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، التي أكّدت أن القوّات الأميركية، وبمشاركة القوّات المسلّحة السعودية، نفّذت ضربات جوّية وصفتها بـ”الدقيقة”، استهدفت مواقع للأسلحة والإمدادات اللوجستية تابعة لفصائل موالية لإيران في مناطق متعدّدة من شرق العراق.

وقالت القيادة الأميركية إن العمليّة جاءت ردّاً على أكثر من ثلاثين هجوماً بطائرات مسيّرة نُفذت خلال الساعات الاثنتين والسبعين الماضية ضدّ القوّات الأميركية ومنشآت الطاقة السعودية، متّهمة الحرس الثوري الإيراني بتوجيه تلك الهجمات، مؤكّدة أن الضربات استهدفت مخازن للأسلحة ومراكز للدعم والإمداد اللوجستي.

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع السعودية مشاركة قوّاتها المسلّحة في تنفيذ الضربات بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، وقال المتحدّث باسمها اللواء الركن تركي المالكي إن العمليّة جاءت بعد اعتراض الدفاعات الجوّية السعودية موجتين من الطائرات المسيّرة حاولتا استهداف منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والعاصمة الرياض خلال اليومين الماضيين.

وأضاف المالكي أن الضربات استندت إلى حقّ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادّة (51) من ميثاق الأمم المتّحدة، مؤكّداً أن المملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنّها ستتّخذ كل ما يلزم لحماية أمنها ومنشآتها الحيوية من أيّ تهديدات.

وفي المقابل، شدّدت الحكومة العراقية على أنها لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً للاعتداء على الدول المجاورة، مؤكّدة فتح تحقيق بشأن المعلومات والأدلّة التي قدّمتها السعودية حول الهجمات بالطائرات المسيّرة، مع التعهّد باتّخاذ الإجراءات القانونية بحقّ أيّ جهة يثبت تورّطها، في وقت أكّدت فيه حرص بغداد على الحفاظ على علاقاتها مع دول الجوار ومنع اتّساع رقعة التصعيد.

وقال أستاذ الدراسات الأمنية والاستخبارات الدكتور مهند سلوم، خلال حديث لـ”درج” إن طبيعة ردّ الفصائل العراقية على الضربات الأخيرة لا تزال غير واضحة، إلا أن هناك عدّة سيناريوهات محتملة، أبرزها لجوء بعض الفصائل إلى استهداف المملكة العربية السعودية مجدّداً، وهو خيار من شأنه أن يفتح الباب أمام تصعيد أوسع.

وأوضح سلوم أن الرواية الرسمية السعودية تشير إلى أن الفصائل هي من بدأت الاستهداف، وأنها لم تكن في موقف الردّ، مبيّناً أن الحكومة العراقية أعلنت فتح تحقيق، لكنّ الجانب السعودي، بحسب المعطيات المتداولة، قدّم معلومات وأدلّة للجانب الأميركي، وأن العمليّة جاءت بتنسيق مع القيادة الوسطى للجيش الأميركي وفق ما أعلنته وزارة الدفاع السعودية.

وأضاف أن أيّ تصعيد جديد ضدّ المملكة أو دول الخليج سيضع الفصائل في مواجهة تداعيات أكبر، لافتاً إلى أن دول الخليج لن تقبل باستمرار استهداف أراضيها أو مصالحها، وقد سبق أن اتّخذت مواقف حازمة تجاه هجمات مماثلة.

وأشار سلوم إلى أن الرسالة التي حملتها الضربة الأخيرة كانت واضحة، إذ أظهرت امتلاك السعودية معلومات استخبارية دقيقة عن مواقع وتحرّكات الفصائل داخل العراق، فضلاً عن قدرتها على تنفيذ ضربات في أكثر من منطقة، مبيّناً أن أيّ محاولة للتصعيد قد تقابل بردود أقوى، خصوصاً في ظلّ محدودية قدرة هذه الجماعات على مواجهة التفوّق الجوّي والتقني للطرف الآخر.

وبيّن أن الخطاب السعودي ركّز على استهداف فصائل محدّدة، سواء كانت ضمن هيئة “الحشد الشعبي” أو خارجها، إلا أن العديد من الدول تنظر إلى هذه الجماعات ضمن إطار واحد من ناحية التهديدات الأمنية.

وأكّد سلوم أن الحكومة العراقية لا تبدو راغبة في الانجرار إلى مواجهة جديدة، وأن إلغاء زيارة رئيس الوزراء إلى السعودية يأتي في سياق حرج دبلوماسي، إذ سيكون من الصعب إجراء زيارة رسمية في ظلّ تعرّض العراق لضربات وسقوط ضحايا.

ولفت إلى أن رئيس الوزراء يتّجه نحو مسار التنمية وإبعاد العراق عن الحروب والصراعات الإقليمية، مؤكّداً أن العراق لا يمتلك الإمكانات الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية للدخول في مواجهة مفتوحة، في ظلّ تعقيدات المشهد الداخلي وغياب التماسك السياسي الكافي لاتّخاذ قرارات مصيرية.

وأضاف أن أيّ محاولة لاستخدام العراق كطرف في صراعات إقليمية أو تحويل بعض الفصائل إلى أدوات ضغط ضمن المواجهة الإيرانية الأميركية ستنعكس سلباً على البلاد، مشيراً إلى أن استهداف السعودية عبر أذرع عراقية قد يؤدّي إلى زيادة الضغوط على بغداد.

وختم سلوم بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلّب من الحكومة العراقية اتّخاذ خطوات واضحة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وإعلان موقف صريح يرفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار، بالتزامن مع رفض أيّ انتهاك للسيادة العراقية، محذّراً من أن استمرار التصعيد قد يؤدّي إلى فتور وبرود في العلاقات الدبلوماسية مع دول المنطقة.

وبينما كانت السلطات العراقية تتابع تداعيات الضربات على المستويين الأمني والسياسي، حذّر المتخصّص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية عماد علو من أن ما جرى لا يمثّل مجرّد خرق للسيادة العراقية، بل يكشف أيضاً حجم التحدّيات التي تواجهها الدولة في ظلّ تشابك الملفّات الأمنية والإقليمية، وتعدّد الجهات المسلّحة الفاعلة داخل البلاد.

وقال علو لـ”درج” إن الضربات الجوّية التي استهدفت مواقع لـ”الحشد الشعبي” تمثّل انتهاكاً واضحاً للسيادة العراقية، لكنّها في الوقت نفسه تعكس حجم التعقيدات الأمنية والسياسية التي تواجهها الحكومة، في ظلّ تصاعد التوتّرات الإقليمية وتعدّد مراكز القرار الأمني والعسكري داخل البلاد، الأمر الذي يجعل فرض السيطرة الكاملة على السلاح وضبط استخدامه مهمّة بالغة الصعوبة.

وأضاف أن البيئة الأمنية التي تعمل فيها الحكومة أصبحت أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى، مع استمرار الضغوط الخارجية وتداخل المصالح الإقليمية، وهو ما يتطلّب اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على المعالجة الأمنية، بل تمتدّ إلى المسارين السياسي والدبلوماسي.

وأكّد أن الحكومة مطالبة بالإسراع في تفعيل أدواتها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، بالتوازي مع فتح حوار جادّ مع القوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلّحة، بهدف منع استخدام السلاح في تنفيذ أجندات مرتبطة بالصراعات الإقليمية أو الانتماءات الأيديولوجية، لأن استمرار هذا الواقع سيجعل العراق أكثر عرضة للتدخّلات الخارجية.

وأشار إلى أن الفصائل المسلّحة لا تمتلك موقفاً موحّداً من التطوّرات الأخيرة، مبيّناً أن بعضها قد يتّجه إلى الردّ العسكري على الضربات، فيما تفضّل أطراف أخرى احتواء الأزمة وتجنّب توسيع دائرة المواجهة، وهو ما يجعل من الصعب توقّع طبيعة المرحلة المقبلة أو السيطرة على مسار الأحداث.

ورأى علو أن العراق بحاجة إلى قدر كبير من الحكمة والتنسيق بين القوى السياسية والمؤسّسات الأمنية لمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة، داعياً إلى تفعيل الاتّصالات الدبلوماسية مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية لتخفيف حدّة التوتّر ومنع تكرار مثل هذه الضربات.

ولفت إلى أن تداعيات التصعيد لن تقتصر على الملفّ الأمني، وإنما ستمتدّ إلى الاقتصاد العراقي، إذ إن استمرار الضربات العسكرية سيرفع مستوى المخاطر الأمنية، ويؤثّر بصورة مباشرة على قدرة العراق على جذب الاستثمارات الأجنبية، كما سيزيد من تكاليف التأمين ويضعف ثقة الشركات العالمية ببيئة الاستثمار.

وأضاف أن استمرار استخدام الأراضي العراقية ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، إلى جانب تكرار اختراق الأجواء العراقية، سيضاعف الضغوط الاقتصادية والسياسية، وسيترك آثاراً مباشرة على الواقع الاجتماعي، في ظلّ الانقسام السياسي الحادّ بشأن إدارة هذا الملفّ.

كما رجّح أن تتّجه الحكومة خلال المرحلة المقبلة إلى تبنّي سياسة تقوم على احتواء التصعيد ومنع توسّع المواجهة، عبر الجمع بين المسار الدبلوماسي والإجراءات الأمنية، مع تكثيف الحوارات مع القوى السياسية المؤثّرة لضبط إيقاع التطوّرات وتقليل آثارها على الداخل العراقي.

وأشار إلى أن العراق يمرّ بمرحلة شديدة الحساسية، ولا سيّما مع تداعيات إغلاق مضيق هرمز وما يرافقه من مخاطر على صادرات النفط والإيرادات العامّة، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار الداخلي ضرورةً اقتصادية لا تقلّ أهمّية عن كونها ضرورةً أمنية.

ودعا الحكومة إلى تعزيز هيبتها على القرارين الأمني والعسكري، من خلال تفعيل دور المؤسّسات الرسمية، ونشر قوّات إضافية لحماية المنشآت الحيوية، بما في ذلك محطّات الكهرباء والمنشآت النفطية والطرق الدولية والسفارات، فضلاً عن رفع مستوى الجهد الاستخباري لرصد أيّ تحرّكات قد تقود إلى موجة جديدة من التصعيد.

وشدّد أيضاً على ضرورة الإسراع في تطوير منظومة الدفاع الجوّي العراقية، مبيّناً أن ضعف قدرات الرصد والإنذار المبكر ما يزال يسمح بتكرار اختراق الأجواء العراقية، الأمر الذي يجعل حماية السيادة الوطنية أكثر صعوبة في ظلّ التطوّرات الراهنة.

وتابع علو أن استمرار تعدّد مراكز القرار الأمني وغياب التوافق السياسي يضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة، ويعرقل مشاريع الإصلاح الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات، محذّراً من أن استمرار هذا الواقع قد يقود العراق إلى مرحلة أكثر تعقيداً على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

إلى ذلك، دعا زعيم “التيّار الوطني الشيعي” مقتدى الصدر، الحرس الثوري الإيراني والفصائل المسلّحة إلى عدم إقحام العراق في الصراع الإقليمي، مطالباً الحكومة بفرض سيادة الدولة وضبط الأمن.

وحذّر من استخدام الأراضي العراقية منطلقاً أو ساحة لتبادل الهجمات، داعياً الفصائل إلى عدم منح مبرّرات لاستهداف العراق.

كما استنكر القصف الذي طال الأراضي العراقية، وانتقد ما وصفه بأفعال “الميليشيات” الساعية لجرّ البلاد إلى حرب، مؤكّداً حاجة العراق إلى السلام والاستقرار، مع التحذير من استغلال الخلايا الإرهابية والطائفية للأزمة. وجاء موقفه عقب الضربات الأميركية -السعودية التي استهدفت مقارّ “الحشد الشعبي”.

وفي السياق، نفت “المقاومة الإسلامية في العراق”، وهي مظلّة تضمّ عدداً من الفصائل المسلّحة الموالية لإيران، مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة السعودية، ووصفت الاتّهامات السعودية بأنها “ادعاءات مفبركة”، مؤكّدة أن الهجمات التي تعرّضت لها المملكة انطلقت من الأراضي اليمنية، محذّرة في الوقت ذاته من أن أيّ عمل عسكري يستهدف مواقع داخل العراق سيُقابل بردّ مماثل.

كما أعلن الأمين العامّ لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمّد البديوي، وقوف دول المجلس إلى جانب السعودية، معتبراً أن الهجمات الأخيرة تمثّل تصعيداً خطيراً يهدّد أمن المنطقة، ويستوجب اتّخاذ إجراءات تحول دون تكراره.

وفي بغداد، أصدرت البعثة الأميركية تحذيراً أمنياً جديداً دعت فيه المواطنين الأميركيين إلى عدم السفر إلى العراق، مجدّدة تصنيف البلاد ضمن المستوى الرابع من تحذيرات السفر، بسبب مخاطر الإرهاب والاختطاف والنزاع المسلّح.

وتعكس هذه المواقف حجم القلق الدولي من احتمال توسّع دائرة المواجهة، في ظلّ استمرار الضربات العسكرية وتبادل الاتّهامات بين الولايات المتّحدة وإيران، وما قد يترتّب على ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي، ولا سيّما أن العراق ما يزال يمثّل إحدى الساحات الرئيسية للتنافس بين الطرفين.

ويرى المتخصّص في الشأن السياسي سيف السعدي أن إيران نجحت، تدريجياً، في تقليص ارتباط العراق بمحيطه العربي، وإضعاف محاولات إيجاد منافذ بديلة عن مضيق هرمز لتصدير النفط، مبيّناً أن التطوّرات الأمنية والسياسية الأخيرة وفّرت، إلى حدّ ما، مبرّرات للإبقاء على ملفّ السلاح خارج إطار الحصر حتى ما بعد 30 أيلول/ سبتمبر 2026.

ويضيف السعدي لـ”درج” أن استمرار حالة التوتّر الإقليمي وانعكاساتها على الداخل العراقي أسهم في تعطيل مشاريع الانفتاح الاقتصادي وربط العراق بمحيطه العربي، فضلاً عن منح القوى الرافضة لحصر السلاح حججاً جديدة للإبقاء على الواقع القائم، الأمر الذي يعقّد مسار بناء دولة المؤسّسات وحصر القرار الأمني بيد الدولة.

ومع استمرار التحقيقات الحكومية في الهجمات بالطائرات المسيّرة، تتركّز الأنظار على ما ستكشفه نتائج اجتماعات المجلس الوزاري للأمن الوطني، ليس فقط لجهة تحديد المسؤوليات، وإنما أيضاً لتحديد مسار تعامل الدولة مع تداعيات التصعيد.

فالحكومة تواجه معادلة معقّدة بين ضرورة تأكيد سيادتها ومنع تكرار الخروقات الأمنية، وبين تجنّب خطوات قد توسّع دائرة التوتّر الداخلي أو تدفع العراق إلى الانخراط في صراعات إقليمية تتجاوز حدوده.

وستعكس الإجراءات المقبلة قدرة بغداد على إدارة الأزمة عبر أدوات أمنية وسياسية ودبلوماسية، في وقت يبقى فيه استقرار البلاد مرتبطاً بقدرتها على ضبط السلاح، وحماية أراضيها، والحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف.

29.07.2026
زمن القراءة: 9 minutes

الحكومة تواجه معادلة معقّدة بين ضرورة تأكيد سيادتها ومنع تكرار الخروقات الأمنية، وبين تجنّب خطوات قد توسّع دائرة التوتّر الداخلي أو تدفع العراق إلى الانخراط في صراعات إقليمية تتجاوز حدوده.

ألغت الحكومة العراقية الزيارة التي كان من المقرّر أن يُجريها رئيس الوزراء إلى المملكة العربية السعودية، وفق مصدر حكومي، بعد ساعات من الضربات الأميركية- السعودية التي استهدفت مقارّ لـ”الحشد الشعبي” في سبع محافظات.

وبينما لم تُصدر بغداد أو الرياض توضيحاً رسمياً لأسباب الإلغاء أو تحديد موعد بديل للزيارة، جاء القرار في وقت تتسارع فيه تداعيات التصعيد العسكري على المشهدين السياسي والأمني، وسط مخاوف من أن تلقي التطوّرات الأخيرة بظلالها على تحرّكات الحكومة العراقية وعلاقاتها الإقليمية.

وشملت الضربات الجوّية مواقع تابعة لهيئة “الحشد الشعبي” في عدد من المحافظات، بينها الصويرة في محافظة واسط، والدير في محافظة البصرة، وجرف الصخر في محافظة بابل، وبرطلة في محافظة نينوى، إضافة إلى منطقة عون في محافظة كربلاء، وقضاء الدبس في محافظة كركوك، وناحية آمرلي في محافظة صلاح الدين، ومعسكر أشرف في محافظة ديالى، في حين لم تصدر حتى الآن حصيلة نهائية لحجم الأضرار أو الخسائر في جميع المواقع المستهدفة.

ويمثّل إلغاء الزيارة أوّل انعكاس سياسي مباشر للتصعيد العسكري الذي شهدته الساحة العراقية فجر الأربعاء، في وقت تواجه فيه بغداد تحدّياً متزايداً للحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية والدولية، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الولايات المتّحدة وإيران وحلفائهما في المنطقة.

وفي أعقاب الضربات، وجّه رئيس مجلس الوزراء والقائد العامّ للقوّات المسلّحة علي الزيدي بعقد اجتماعٍ طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني لبحث المستجدّات الأمنية واتّخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع تداعياتها، فيما أعلنت خليّة الإعلام الأمني أن الاجتماع خُصّص لمناقشة التطوّرات الأخيرة، مؤكّدة أن بياناً تفصيلياً سيصدر عقب انتهائه يتضمّن مجريات الأحداث والقرارات التي ستتّخذها الحكومة.

وفي الوقت نفسه، أعلنت هيئة “الحشد الشعبي” تعرّض عدد من مقارّها الرسمية في محافظات مختلفة لهجمات وصفتها بـ”الإرهابية”، مؤكّدة سقوط قتلى وجرحى بين منتسبيها، فضلاً عن وقوع أضرار مادّية في عدد من المقرّات والآليّات، قبل أن تعلن لاحقاً ارتفاع الحصيلة الأوّلية للقتلى إلى عشرين من منتسبيها وإصابة اثنينِ وثلاثين آخرين، مع استمرار اللجان المختصّة في حصر الأضرار وتدقيق المعلومات الميدانية.

وجاء أوّل إعلان رسمي عن تنفيذ الضربات من القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، التي أكّدت أن القوّات الأميركية، وبمشاركة القوّات المسلّحة السعودية، نفّذت ضربات جوّية وصفتها بـ”الدقيقة”، استهدفت مواقع للأسلحة والإمدادات اللوجستية تابعة لفصائل موالية لإيران في مناطق متعدّدة من شرق العراق.

وقالت القيادة الأميركية إن العمليّة جاءت ردّاً على أكثر من ثلاثين هجوماً بطائرات مسيّرة نُفذت خلال الساعات الاثنتين والسبعين الماضية ضدّ القوّات الأميركية ومنشآت الطاقة السعودية، متّهمة الحرس الثوري الإيراني بتوجيه تلك الهجمات، مؤكّدة أن الضربات استهدفت مخازن للأسلحة ومراكز للدعم والإمداد اللوجستي.

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع السعودية مشاركة قوّاتها المسلّحة في تنفيذ الضربات بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، وقال المتحدّث باسمها اللواء الركن تركي المالكي إن العمليّة جاءت بعد اعتراض الدفاعات الجوّية السعودية موجتين من الطائرات المسيّرة حاولتا استهداف منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والعاصمة الرياض خلال اليومين الماضيين.

وأضاف المالكي أن الضربات استندت إلى حقّ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادّة (51) من ميثاق الأمم المتّحدة، مؤكّداً أن المملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنّها ستتّخذ كل ما يلزم لحماية أمنها ومنشآتها الحيوية من أيّ تهديدات.

وفي المقابل، شدّدت الحكومة العراقية على أنها لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً للاعتداء على الدول المجاورة، مؤكّدة فتح تحقيق بشأن المعلومات والأدلّة التي قدّمتها السعودية حول الهجمات بالطائرات المسيّرة، مع التعهّد باتّخاذ الإجراءات القانونية بحقّ أيّ جهة يثبت تورّطها، في وقت أكّدت فيه حرص بغداد على الحفاظ على علاقاتها مع دول الجوار ومنع اتّساع رقعة التصعيد.

وقال أستاذ الدراسات الأمنية والاستخبارات الدكتور مهند سلوم، خلال حديث لـ”درج” إن طبيعة ردّ الفصائل العراقية على الضربات الأخيرة لا تزال غير واضحة، إلا أن هناك عدّة سيناريوهات محتملة، أبرزها لجوء بعض الفصائل إلى استهداف المملكة العربية السعودية مجدّداً، وهو خيار من شأنه أن يفتح الباب أمام تصعيد أوسع.

وأوضح سلوم أن الرواية الرسمية السعودية تشير إلى أن الفصائل هي من بدأت الاستهداف، وأنها لم تكن في موقف الردّ، مبيّناً أن الحكومة العراقية أعلنت فتح تحقيق، لكنّ الجانب السعودي، بحسب المعطيات المتداولة، قدّم معلومات وأدلّة للجانب الأميركي، وأن العمليّة جاءت بتنسيق مع القيادة الوسطى للجيش الأميركي وفق ما أعلنته وزارة الدفاع السعودية.

وأضاف أن أيّ تصعيد جديد ضدّ المملكة أو دول الخليج سيضع الفصائل في مواجهة تداعيات أكبر، لافتاً إلى أن دول الخليج لن تقبل باستمرار استهداف أراضيها أو مصالحها، وقد سبق أن اتّخذت مواقف حازمة تجاه هجمات مماثلة.

وأشار سلوم إلى أن الرسالة التي حملتها الضربة الأخيرة كانت واضحة، إذ أظهرت امتلاك السعودية معلومات استخبارية دقيقة عن مواقع وتحرّكات الفصائل داخل العراق، فضلاً عن قدرتها على تنفيذ ضربات في أكثر من منطقة، مبيّناً أن أيّ محاولة للتصعيد قد تقابل بردود أقوى، خصوصاً في ظلّ محدودية قدرة هذه الجماعات على مواجهة التفوّق الجوّي والتقني للطرف الآخر.

وبيّن أن الخطاب السعودي ركّز على استهداف فصائل محدّدة، سواء كانت ضمن هيئة “الحشد الشعبي” أو خارجها، إلا أن العديد من الدول تنظر إلى هذه الجماعات ضمن إطار واحد من ناحية التهديدات الأمنية.

وأكّد سلوم أن الحكومة العراقية لا تبدو راغبة في الانجرار إلى مواجهة جديدة، وأن إلغاء زيارة رئيس الوزراء إلى السعودية يأتي في سياق حرج دبلوماسي، إذ سيكون من الصعب إجراء زيارة رسمية في ظلّ تعرّض العراق لضربات وسقوط ضحايا.

ولفت إلى أن رئيس الوزراء يتّجه نحو مسار التنمية وإبعاد العراق عن الحروب والصراعات الإقليمية، مؤكّداً أن العراق لا يمتلك الإمكانات الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية للدخول في مواجهة مفتوحة، في ظلّ تعقيدات المشهد الداخلي وغياب التماسك السياسي الكافي لاتّخاذ قرارات مصيرية.

وأضاف أن أيّ محاولة لاستخدام العراق كطرف في صراعات إقليمية أو تحويل بعض الفصائل إلى أدوات ضغط ضمن المواجهة الإيرانية الأميركية ستنعكس سلباً على البلاد، مشيراً إلى أن استهداف السعودية عبر أذرع عراقية قد يؤدّي إلى زيادة الضغوط على بغداد.

وختم سلوم بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلّب من الحكومة العراقية اتّخاذ خطوات واضحة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وإعلان موقف صريح يرفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار، بالتزامن مع رفض أيّ انتهاك للسيادة العراقية، محذّراً من أن استمرار التصعيد قد يؤدّي إلى فتور وبرود في العلاقات الدبلوماسية مع دول المنطقة.

وبينما كانت السلطات العراقية تتابع تداعيات الضربات على المستويين الأمني والسياسي، حذّر المتخصّص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية عماد علو من أن ما جرى لا يمثّل مجرّد خرق للسيادة العراقية، بل يكشف أيضاً حجم التحدّيات التي تواجهها الدولة في ظلّ تشابك الملفّات الأمنية والإقليمية، وتعدّد الجهات المسلّحة الفاعلة داخل البلاد.

وقال علو لـ”درج” إن الضربات الجوّية التي استهدفت مواقع لـ”الحشد الشعبي” تمثّل انتهاكاً واضحاً للسيادة العراقية، لكنّها في الوقت نفسه تعكس حجم التعقيدات الأمنية والسياسية التي تواجهها الحكومة، في ظلّ تصاعد التوتّرات الإقليمية وتعدّد مراكز القرار الأمني والعسكري داخل البلاد، الأمر الذي يجعل فرض السيطرة الكاملة على السلاح وضبط استخدامه مهمّة بالغة الصعوبة.

وأضاف أن البيئة الأمنية التي تعمل فيها الحكومة أصبحت أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى، مع استمرار الضغوط الخارجية وتداخل المصالح الإقليمية، وهو ما يتطلّب اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على المعالجة الأمنية، بل تمتدّ إلى المسارين السياسي والدبلوماسي.

وأكّد أن الحكومة مطالبة بالإسراع في تفعيل أدواتها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، بالتوازي مع فتح حوار جادّ مع القوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلّحة، بهدف منع استخدام السلاح في تنفيذ أجندات مرتبطة بالصراعات الإقليمية أو الانتماءات الأيديولوجية، لأن استمرار هذا الواقع سيجعل العراق أكثر عرضة للتدخّلات الخارجية.

وأشار إلى أن الفصائل المسلّحة لا تمتلك موقفاً موحّداً من التطوّرات الأخيرة، مبيّناً أن بعضها قد يتّجه إلى الردّ العسكري على الضربات، فيما تفضّل أطراف أخرى احتواء الأزمة وتجنّب توسيع دائرة المواجهة، وهو ما يجعل من الصعب توقّع طبيعة المرحلة المقبلة أو السيطرة على مسار الأحداث.

ورأى علو أن العراق بحاجة إلى قدر كبير من الحكمة والتنسيق بين القوى السياسية والمؤسّسات الأمنية لمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة، داعياً إلى تفعيل الاتّصالات الدبلوماسية مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية لتخفيف حدّة التوتّر ومنع تكرار مثل هذه الضربات.

ولفت إلى أن تداعيات التصعيد لن تقتصر على الملفّ الأمني، وإنما ستمتدّ إلى الاقتصاد العراقي، إذ إن استمرار الضربات العسكرية سيرفع مستوى المخاطر الأمنية، ويؤثّر بصورة مباشرة على قدرة العراق على جذب الاستثمارات الأجنبية، كما سيزيد من تكاليف التأمين ويضعف ثقة الشركات العالمية ببيئة الاستثمار.

وأضاف أن استمرار استخدام الأراضي العراقية ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، إلى جانب تكرار اختراق الأجواء العراقية، سيضاعف الضغوط الاقتصادية والسياسية، وسيترك آثاراً مباشرة على الواقع الاجتماعي، في ظلّ الانقسام السياسي الحادّ بشأن إدارة هذا الملفّ.

كما رجّح أن تتّجه الحكومة خلال المرحلة المقبلة إلى تبنّي سياسة تقوم على احتواء التصعيد ومنع توسّع المواجهة، عبر الجمع بين المسار الدبلوماسي والإجراءات الأمنية، مع تكثيف الحوارات مع القوى السياسية المؤثّرة لضبط إيقاع التطوّرات وتقليل آثارها على الداخل العراقي.

وأشار إلى أن العراق يمرّ بمرحلة شديدة الحساسية، ولا سيّما مع تداعيات إغلاق مضيق هرمز وما يرافقه من مخاطر على صادرات النفط والإيرادات العامّة، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار الداخلي ضرورةً اقتصادية لا تقلّ أهمّية عن كونها ضرورةً أمنية.

ودعا الحكومة إلى تعزيز هيبتها على القرارين الأمني والعسكري، من خلال تفعيل دور المؤسّسات الرسمية، ونشر قوّات إضافية لحماية المنشآت الحيوية، بما في ذلك محطّات الكهرباء والمنشآت النفطية والطرق الدولية والسفارات، فضلاً عن رفع مستوى الجهد الاستخباري لرصد أيّ تحرّكات قد تقود إلى موجة جديدة من التصعيد.

وشدّد أيضاً على ضرورة الإسراع في تطوير منظومة الدفاع الجوّي العراقية، مبيّناً أن ضعف قدرات الرصد والإنذار المبكر ما يزال يسمح بتكرار اختراق الأجواء العراقية، الأمر الذي يجعل حماية السيادة الوطنية أكثر صعوبة في ظلّ التطوّرات الراهنة.

وتابع علو أن استمرار تعدّد مراكز القرار الأمني وغياب التوافق السياسي يضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة، ويعرقل مشاريع الإصلاح الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات، محذّراً من أن استمرار هذا الواقع قد يقود العراق إلى مرحلة أكثر تعقيداً على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

إلى ذلك، دعا زعيم “التيّار الوطني الشيعي” مقتدى الصدر، الحرس الثوري الإيراني والفصائل المسلّحة إلى عدم إقحام العراق في الصراع الإقليمي، مطالباً الحكومة بفرض سيادة الدولة وضبط الأمن.

وحذّر من استخدام الأراضي العراقية منطلقاً أو ساحة لتبادل الهجمات، داعياً الفصائل إلى عدم منح مبرّرات لاستهداف العراق.

كما استنكر القصف الذي طال الأراضي العراقية، وانتقد ما وصفه بأفعال “الميليشيات” الساعية لجرّ البلاد إلى حرب، مؤكّداً حاجة العراق إلى السلام والاستقرار، مع التحذير من استغلال الخلايا الإرهابية والطائفية للأزمة. وجاء موقفه عقب الضربات الأميركية -السعودية التي استهدفت مقارّ “الحشد الشعبي”.

وفي السياق، نفت “المقاومة الإسلامية في العراق”، وهي مظلّة تضمّ عدداً من الفصائل المسلّحة الموالية لإيران، مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة السعودية، ووصفت الاتّهامات السعودية بأنها “ادعاءات مفبركة”، مؤكّدة أن الهجمات التي تعرّضت لها المملكة انطلقت من الأراضي اليمنية، محذّرة في الوقت ذاته من أن أيّ عمل عسكري يستهدف مواقع داخل العراق سيُقابل بردّ مماثل.

كما أعلن الأمين العامّ لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمّد البديوي، وقوف دول المجلس إلى جانب السعودية، معتبراً أن الهجمات الأخيرة تمثّل تصعيداً خطيراً يهدّد أمن المنطقة، ويستوجب اتّخاذ إجراءات تحول دون تكراره.

وفي بغداد، أصدرت البعثة الأميركية تحذيراً أمنياً جديداً دعت فيه المواطنين الأميركيين إلى عدم السفر إلى العراق، مجدّدة تصنيف البلاد ضمن المستوى الرابع من تحذيرات السفر، بسبب مخاطر الإرهاب والاختطاف والنزاع المسلّح.

وتعكس هذه المواقف حجم القلق الدولي من احتمال توسّع دائرة المواجهة، في ظلّ استمرار الضربات العسكرية وتبادل الاتّهامات بين الولايات المتّحدة وإيران، وما قد يترتّب على ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي، ولا سيّما أن العراق ما يزال يمثّل إحدى الساحات الرئيسية للتنافس بين الطرفين.

ويرى المتخصّص في الشأن السياسي سيف السعدي أن إيران نجحت، تدريجياً، في تقليص ارتباط العراق بمحيطه العربي، وإضعاف محاولات إيجاد منافذ بديلة عن مضيق هرمز لتصدير النفط، مبيّناً أن التطوّرات الأمنية والسياسية الأخيرة وفّرت، إلى حدّ ما، مبرّرات للإبقاء على ملفّ السلاح خارج إطار الحصر حتى ما بعد 30 أيلول/ سبتمبر 2026.

ويضيف السعدي لـ”درج” أن استمرار حالة التوتّر الإقليمي وانعكاساتها على الداخل العراقي أسهم في تعطيل مشاريع الانفتاح الاقتصادي وربط العراق بمحيطه العربي، فضلاً عن منح القوى الرافضة لحصر السلاح حججاً جديدة للإبقاء على الواقع القائم، الأمر الذي يعقّد مسار بناء دولة المؤسّسات وحصر القرار الأمني بيد الدولة.

ومع استمرار التحقيقات الحكومية في الهجمات بالطائرات المسيّرة، تتركّز الأنظار على ما ستكشفه نتائج اجتماعات المجلس الوزاري للأمن الوطني، ليس فقط لجهة تحديد المسؤوليات، وإنما أيضاً لتحديد مسار تعامل الدولة مع تداعيات التصعيد.

فالحكومة تواجه معادلة معقّدة بين ضرورة تأكيد سيادتها ومنع تكرار الخروقات الأمنية، وبين تجنّب خطوات قد توسّع دائرة التوتّر الداخلي أو تدفع العراق إلى الانخراط في صراعات إقليمية تتجاوز حدوده.

وستعكس الإجراءات المقبلة قدرة بغداد على إدارة الأزمة عبر أدوات أمنية وسياسية ودبلوماسية، في وقت يبقى فيه استقرار البلاد مرتبطاً بقدرتها على ضبط السلاح، وحماية أراضيها، والحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف.