لم يكن خيار السفر وارداً لدى عبد اللّه (اسم مستعار)، الذي رفض فرصة التسريح من الجيش والسفر خارج سوريا عام 2018. لكنه اختار البقاء، ليشهد انهيار المؤسسة العسكرية التي عمل فيها لسنوات خلال معارك “ردع العدوان”. وبعد سقوط النظام، ظلّ متشككاً من فكرة الرحيل، قال لي عبر الواتس آب: “لم أشعر أني ارتكبت ذنباً يستدعي الهروب”.
المفاجأة والفوضى، هما الصفتان اللتان استخدمهما لوصف انهيار الجيش السوري منذ أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2024 وحتى هروب بشار الأسد. يقول عبد الله إن القيادات خذلتهم وتخلت عن مهامها، وهرب الضباط القياديون في غالبيتهم خلال المعارك. في خضم هذه الفوضى، ترك مهمته الأخيرة في حمص، واتجه إلى ريف اللاذقية حيث يقيم أقاربه، على أمل أن يجد ملاذاً آمناً.
يقول عبد الله: “وصلت إلى قرية أقاربي في الساعة 4 فجراً واستيقظت على خبر أنّ سوريا بلا بشار الأسد، كنت مصدوماً في البداية، ولكن الطريقة التي تعاملت بها السلطة الجديدة وقواتها خلال المعارك وتصريحاتها دفعتني الى التفاؤل بأنه سيكون لي مكان في سوريا الجديدة، لكني كنت مخطئاً”.
بعد أيام من سقوط النظام، سمع عبد اللّه عن أول “حالة فردية” لقتل ضابط سابق تحت جسر حميميم. عندها، قرر، الضابط السابق أيضاً، الهرب. لم يتجه إلى مراكز التسوية في اللاذقية بل فضّل أن يقطع الحدود باتجاه لبنان، وبقي لمدة أسبوع في إحدى القرى الحدودية في سهل عكار. إلّا أن إشاعات عن إلقاء القبض على فلول النظام هناك، بالإضافة إلى شعوره بالضياع وغياب الأفق في لبنان، دفعه الى العودة. فكان كل ما يشغله لأشهر لاحقة هو إيجاد بلد آخر يلجأ إليه، فكان روسيا.
اللاجئون السوريون في روسيا
عام 2016، أدانت منظمة العفو الدولية، الحكومة الروسية، التي كانت تسعى الى ترحيل ثلاثة طالبي لجوء سوريين محتجزين في داغستان، وأشارت المنظمة، الى أنه عام 2015، لم ينل أي سوريّ حق اللجوء في روسيا، نال 482 شخصاً فقط، حق الحماية المؤقتة، وفي العام ذاته تم تداول أنباء عن محاولة سوريين الحصول على اللجوء في روسيا لكنهم فشلوا في ذلك، لأنه “لا يوجد سبب إنساني للحصول على اللجوء المؤقت”.
في عام 2017، وصل عدد “المجتمع السوري” في روسيا إلى 7 آلاف شخص، بينهم ألفا طالب لجوء، في حين تشير مواقع ناشطة بحقوق اللاجئين في روسيا، الى أنه حتى العام 2020 هناك شخصان فقط نالا حق اللجوء في روسيا، الأول عام 2012، والثاني وصل قبل عام 2011.
بعد سقوط النظام في سوريا، وفرار بشار الأسد نحو روسيا وطلبه اللجوء هناك، فتحت موسكو باب اللجوء والحماية الإنسانية للكثير من السوريين، بينهم ضباط وعسكريون ومدنيون دخلوا في غالبيتهم إلى قاعدة حميميم الروسية في الساحل السوري، وازداد تدفّقهم بعد مجازر الساحل، ويُتداول أن قاعدة حميميم،كانت تحوي نحو 10 آلاف سوري من الساحل السوري والأقلية العلوية.
لا توجد أخبار كثيرة حول اللاجئين السوريين في روسيا، تشير تقارير روسية مثلاً إلى وصول 95 طالب لجوء هذا العام إلى مدينة يكاترينبورغ، وهي جزء من 12 منطقة في روسيا ستستقبل اللاجئين السوريين، وسيخضعون لـ”دورات اندماج”. وكما أشارت التقارير إلى وصول نحو 150 لاجئاً إلى Perm Oblast، تشير تقارير أخرى الى أنه من المتوقع أن يصل نحو 100 ألف سوري إلى روسيا كلاجئين خلال عام 2025.
بداية رحلة اللجوء
في 6 آذار/ مارس 2025، ترددت أصوات الرصاص من كل اتجاه في ريف اللاذقية، وكان صدى الشائعات يفوقها. وجد عبد اللّه نفسه غارقاً في دوامة من الفوضى والهلع، هو الضابط الذي لم يسوِّ وضعه. في ذلك المساء، وبعينيه الخائفتين، شهد تدافع الناس نحو قاعدة حميميم العسكرية بحثاً عن الأمان. كان العنف والفوضى سيدَي الموقف، وقف عبد اللّه، وعقله مشوش، متسائلاً عن مصير أسرته خارج القاعدة.
قبل ساعات قليلة، كان في قرية أقاربه في ريف اللاذقية، صائماً منتظراً موعد الإفطار. لكن فجأة، ارتفعت أصوات الاشتباكات، وانتشرت إشاعات تفيد بأن القوات الروسية سيطرت على الساحل السوري بالكامل. بعد ساعات من التشويش، قرر التوجه إلى قاعدة حميميم القريبة ليتحقق من الأوضاع.
مشى على قدميه نحوها، وفي الطريق سمع إشاعة جديدة عن انسحاب القوات الحكومية إلى الكلية البحرية. وعندما اقترب من الطريق الموصل إليها ( إلى مطار باسل الأسد المدني سابقاً)، تفاجأ برؤية مجموعة من الشبان يرتدون زي الأمن العام السوري.
كان الوضع مربكاً للغاية. عبد اللّه، الذي تجنب في الأشهر الأخيرة أي تصرف قد يضعه في دائرة الخطر، شعر بالقلق. مرّ من جانبهم بسرعة، فيما كان الجميع في حالة ارتباك، ألقى السلام مسرعاً وتوجه إلى البوابة. ما إن اجتاز بوابة القاعدة الحديدية حتى أخرج هاتفه مسرعاً، يكتب لوالدته بكلمات قصيرة مرتجفة أن تأتي فوراً، بعدما تأكد له أن معظم الإشاعات التي سمعها لم تكن صحيحة. في ظل هذه الظروف، أصبح اللجوء إلى القاعدة الخيار الأكثر أماناً.
عندما دخل عبد الله القاعدة، لم يكن يعتقد أن ذلك اليوم سيكون هو اليوم الذي سيكشف عن هويته العسكرية المخبأة ليضع اسمه في قائمة المغادرين، منتظراً “الخلاص من هذا الجحيم”. عندما وصل إلى القاعدة، لم تكن خالية، كان هناك من قدّموا طلبات لجوء عبر القنصلية، وآخرون استدعاهم أقارب أو معارف لهم في روسيا. كما كان هناك الكثير من العسكريين السابقين، جميعهم ينتظرون دورهم للسفر إلى روسيا.
داخل القاعدة
صادر حرس القاعدة هاتف عبد الله المحمول، ليبقى طوال اليوم واليوم الذي تلاه في حالة من القلق والترقب جاهلاً مصير أسرته. في البداية، كان تدفق الناس بطيئاً، ولكن مع مرور الوقت، بدأ عدد الوافدين يتسارع بشكل مرعب. مرّت ساعات، ولم تصل أي أخبار عن أسرته. وفي اليوم التالي، وصل الخبر: قريبه حيث تقيم والدته، والذي كان يعتقد أن معارضته العلنية لبشار الأسد قد تحميه، قُتل برصاصتين بعدما تعرّض منزله للنهب.
مع هذا الخبر، أصبح الصراع الداخلي لعبد الله متزامناً مع العنف خارج القاعدة، وصلت إلى مسامعه ومن معه أصوات الاشتباكات وإطلاق النار من خارج القاعدة، متقطعة أحياناً ومتواصلة أحيانًا أخرى، فيما تصاعدت سحب الدخان الرمادي من منازل تلتهمها النيران في الأفق القريب. ومع اقتراب القتال من بوابة القاعدة، غصّت صالة الاستقبال وساحتا المطار الداخلية والخارجية بحشود متدافعة تبحث عن ملاذ آمن.
لم تكن القاعدة مجهزة لاستقبال هذا العدد الكبير من الناس، فاختلطت أصوات الخوف والارتباك بالرياح الباردة في ليل آذار. وجد عبد الله نفسه مضطراً للانخراط ضمن هذا الحشد، مفترشاً الأرض في الساحة الداخلية للمطار، بينما وزعت القوات الروسية الأغطية والخيام على الأطفال والنساء وكبار السن. استمرت أصوات الرصاص والاشتباكات لمدة يومين متتاليين، إلى أن هدأت الأمور تدريجياً. ولم تتعرض القاعدة لأي ضربة مباشرة، لكن كل ما سمعه عبد الله في الأيام التالية كانت أزيز الطائرات المسيرة الاستطلاعية التابعة للحكومة الحالية تحلق ببطء حول القاعدة، تذكّره بأن الخطر لم يزُل تماماً.
انتظر عبد الله في القاعدة ثلاثة أشهر وأياماً، الوقت هناك كان ثقيلاً حيث تحولت الحياة إلى نمط روتيني صارم، كل شيء فيها يُدار وفق منطق عسكري بحت، وجميع تحركات الناس مُقيدة بمواعيد صارمة. كان هذا مربكاً للمدنيين، كما قال عبد الله: “لكن هذا وضع طبيعي، فأنت في قاعدة عسكرية… القواعد هنا واضحة وللأمن أولوياته، والجنود ليسوا مجهزين للتعامل مع وضع اللاجئين كما ينبغي، فهم مقاتلون وليسوا عاملين في منظمات إنسانية”.
مع شروق كل صباح، كان يُعلَن بدء اليوم من خلال اجتماع دوري قصير، إذ يتم توزيع المهام على الخيم، لكل خيمة رئيس من المدنيين مسؤول عن تنظيم الأعمال. المهام الأساسية كانت بسيطة تركز على التنظيف، وترتيب المكان، لكنها كانت ثقيلة في سياق حياة كاملة تحيط بها المخاطر والانتظار.
أيام الشتاء الأولى كانت الأصعب، برد ورياح تعصف بالخيام، فيتجمع الأهالي بسرعة لإمساكها قبل أن تتحول إلى أدوات تهدد حياتهم. ولم يترك المطر الغزير الأرض إلا موحلة، وهذا ما تسرب من بعض الفيديوات التي انتشرت من القاعدة.
خلال تلك الفترة، افتتحت القاعدة خيمة لتعليم اللغة الروسية لمن يرغب في التعلم. كان التعامل مع الهاربين منظماً قدر الإمكان، والانضباط والالتزام كانا مطلباً أساسياً، لكن ضغط الحياة العسكرية داخل القاعدة جعل الكثيرين يشعرون بالانزعاج.
في أول عشرين يوماً، انقسم الأهالي إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى كانت تجمعاً كبيراً خارج القاعدة، احتمى به الخائفون خلال مجازر الساحل بمحيط القاعدة، واستقر معظمهم في الغابة الملاصقة للقاعدة أو في تجمع غرف يعرفه السكان المحليون باسم “بناء الإماراتية”، وقد أطلقوا على هذا المكان اسم “المخيم”.
أما داخل المطار، فنصب الروس خياماً في الساحة الداخلية، حيث كان عبد الله، وأصبح اسمه يُتداول بين مجتمع الهاربين في القاعدة باسم “المعسكر” لطبيعة حياتهم العسكرية فيه ربما. المجموعة الثالثة كانت مئات الأشخاص الذين افترشوا البلاط في الصالة الداخلية للمطار، وكان وضعهم تعيساً وفق وصف عبد الله.
مع مرور الوقت، دمجت القوات الروسية المجموعتين داخل المطار بعدما أمّنت خياماً تكفي لكل من بقي، بخاصة عندما قرر عدد كبير منهم العودة إلى منازلهم بعدما هدأت الأوضاع في المنطقة. لكن المئات منهم تمسكوا بفكرة البقاء وانتظار دورهم للرحيل.
أمّا المجموعة الخارجية، فلم تكن مشمولة بخدمات القاعدة مثل توفير الطعام والخيام، لكنّ الأهالي شعروا أن قربهم من القاعدة يوفر لهم قدراً من الأمان، خصوصًا بعد ما شهدوه من أحداث عنف وذبح على الهوية. لاحقاً، أصبح المخيم الخارجي مركزاً لتبادل الخدمات والسمسرة، بحسب رواية عبد الله. استغل بعض الأفراد حاجة الناس الملحة للحماية والنجاة، وأقنعوهم بأن دفع مبالغ مالية قد يسرّع من دخولهم إلى القاعدة.
في 20 أيار/ مايو 2025، هاجمت مجموعة مجهولة قاعدة حميميم الروسية في سوريا، ما أدى إلى اشتباكات عنيفة وإسقاط طائرة مسيرة. أسفر الهجوم عن مقتل شخصين وإصابة آخرين، وأدى إلى رفع حالة التأهب الأمني في القاعدة. سألت عبد الله عن هذا الهجوم فأخبرني:”سمعنا أصوات رصاص واشتباكات، لكننا كنا معتادين على سماعها كلّ حين بسبب قرب الكلية البحرية منا، ولم نعلم بما حصل لليوم التالي من الأخبار”.
كانوا معتادين على إجراءات الحماية المفاجئة، مثل إخلاء المعسكر الخارجي والاتجاه إلى الصالة فجأة، لأن الروس شعروا بوجود خطر ما. لكن اللافت أن عبد الله كان حذراً في توصيف العساكر الروس، وقال إن حاجز اللغة شكّل مشكلة كبيرة، بخاصة أنهم لا يتقنون العربية وطريقة التواصل معهم تتم فقط عن طريق المترجمين، لكنهم ساعدوا الناس قدر استطاعتهم.
إلى موسكو !
بعد أسابيع، صعد عبد اللّه إلى طائرة مخصصة لنقل البضائع، وجلس على مقعد متحرك. وبعد رحلة استغرقت نحو خمس ساعات، هبطت الطائرة في موسكو، حيث استقبله والآخرين وفدٌ من وزارة الطوارئ الروسية. تحدثوا معه عن أوضاعه، ووقّع على طلبات اللجوء الإنساني، ثم منحوه ورقة تثبت أنه مقيم بشكل مؤقت لسنتين بصفته لاجئاً في روسيا.
أمضى عبد اللّه الأيام الأولى في مجمع قريب من المطار، ليتم نقله أخيراً إلى مجمع سكني مخصص تابع لوزارة الطوارئ، وحسب ما عرف لاحقاً أنّه كان مجهزاً سابقاً لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين. وعندما سألته عن حياته اليومية هناك، ضحك وقال: “حياة روتينية أخرى لكنها أفضل مما كنا عليه تحت (أي في سوريا) لكنني أعيش على الانتظار، وأتمنى أن أعود إلى بلدي ولكن…”.










