لم يحظَ مقترح تعديل قانون “مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي” في العراق، كما سُمّي، بالصدى الشعبي نفسه الذي رافق مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية، حتى مع تضمّن مسوّدة المشروع الأولى عقوبة الإعدام على الممارسات الجنسية المثلية الرضائية بين البالغين.
لا يمكن فصل هذا الغياب عن طبيعة القانون ذاته، أو عن موقع أفراد مجتمع الميم عين في المخيال العامّ. فهم لا يدخلون الخطاب بوصفهم أصحاب حقّ يمكن الدفاع عنهم، بل باعتبارهم تهمة أو عبئاً رمزياً، حتى لدى كثيرين في المجال المدني والتقدّمي والحراك النسوي. ويجد هؤلاء أنفسهم في واقع مأزوم داخل السياق العراقي، الخاضع بدوره لمنظومة أبوية صارمة.
لا يواجه تجريم الهويّات اللامعيارية بالرفض الكافي، بل هناك ميل إلى إنكار التهمة أو إنكار الوجود نفسه، أو إلى إعادة إنتاجه عبر التماهي مع خطاب السلطة الذي يصوّره كمرض أو كخطر، وغالباً ما يُربط تعسّفاً بالبيدوفيليا. ولم يكن هذا الربط حديثاً داخل المخيال العامّ الأبوي أو الخطاب السلطوي الخاضع بدوره لظروف إنتاجه في النقاش العامّ والسياسي. ففي عام 2023، وقبل مشاريع تعديل القانونين السابقين، وأثناء الحملة التي شُنّت على مصطلح “جندر/ نوع اجتماعي”، وجّه نائب محافظ البصرة كتاباً رسمياً بحظر نشاطات المنظّمات الدولية في المحافظة المتعلّقة بالنوع الاجتماعي، مشيراً إلى ضرورة حماية الأسرة من هذا المصطلح الذي يشمل، بحسب الكتاب: “الشاذّين، السحاقيات، مغتصبي الأطفال، مجهولي الهويّة الجنسية، ممارسي الجنس مع الحيوانات… إلخ”.
في السياق ذاته، ومع القوانين التي شُرّعت بعد تعديلات عدّة امتدّت بين الأعوام 2023 و2025، رفعت السلطات لافتة حماية الأسرة والطفل، لا بوصفها التزاماً فعلياً تجاه الطفولة، بل كأداة لتجريم الهويّات اللامعيارية. المفارقة أن الدولة التي تجرّم الوجود الكويري تحت مسمّى حماية الطفل، تمضي في تشريع قوانين تهدّد الطفولة نفسها: من التساهل مع التعنيف الأسري، إلى إعادة تعريف الاعتداء الجنسي بوصفه زواجاً، وصولاً إلى إنتاج منظومة أخلاقية وقانونية تشرّع الاعتداء الجنسي على القاصرات تحت مسمّيات أخلاقية ودينية وقانونية، عبر قانون الأحوال الشخصية والمدوّنة الجعفرية.
وهنا يجب أن نسأل: أيّ أطفال تحميهم هذه المنظومة؟ أيّ طفولة يُراد الدفاع عنها؟ هل المقصود حماية الأطفال بوصفهم ذواتاً يحتاجون إلى الأمان والرفاه، أم حماية النظام الجندري والأخلاقي الذي يُعاد إنتاجه عبر أجسادهم؟
جندرة البيدوفيليا
ما يجري فعلياً ليس تناقضاً عرضياً بين تجريم مجتمع الميم عين بحجة حماية الأطفال، ثم ظهور مشروع قانون يشرعن الاعتداء الجنسي على القاصرات بعد أقلّ من عام، بل هي ممارسة متّسقة داخل منطق السلطة الأبوية.
هذه المنظومة لا ترفض البيدوفيليا لأنها عنف جنسي، بل تعيد توزيع الإدانة والقبول وفق موقع الفعل من استمرارية النظام الأبوي.
يمكن وصف هذه الآلية بـ”جندرة البيدوفيليا”، حيث يصبح العنف والاعتداء الجنسي مقبولاً أو مبرّراً حين يقع ضمن علاقة غيرية هرمية بين رجل بالغ وطفلة، بينما يُستخدم مصطلح البيدوفيليا لوصف علاقة بين رجلين بالغين وبرضى متبادل، رغم غياب أيّ علاقة واقعية بين الأمرين.
تستخدم السلطة حججاً أخلاقية لتبرير ضبط الأجساد البالغة، فوصف علاقة رضائية بين بالغين بأنها بيدوفيليا، رغم غياب الشروط المفهومية الأساسية، أي الطفل والقاصر والاستغلال العمري، وهي شروط متوفّرة أساساً في مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي أعمق من فشل معرفي. فالنظام الأبوي، ومعه المجتمع والدولة، لا يهتم بمستوى الحقيقة بقدر اهتمامه بالإنجاز السلطوي، وبقدرته على احتكار الجهة التي تقرّر متى يكون الفعل الكلامي صحيحاً أصلاً.
تُستخدم البيدوفيليا هنا كأداة خطابية لإنتاج ذعر أخلاقي. تقوم المنظومة بجندرة البيدوفيليا، لا بمعنى قبولها مطلقاً، فهي ترفض المصطلح غير الموجود في أدبياتها الاجتماعية والدينية والسياسية، بل عبر توزيع البراءة والإدانة بما يخدم استمرارية النظام الأبوي. تُدان العلاقات الرضائية بين البالغين إذا كانت مثلية، بينما يُعاد تأطير العنف الجنسي ضدّ الأطفال داخل نموذج الأسرة باعتباره عرفاً أو شرعاً. لا يُدان الاعتداء لأنه ينتهك جسد الطفل، بل لأنه يهدّد، أو لا يهدّد، البنية الجندرية والهرمية القائمة. وتُحمّل العلاقات المثلية بين البالغين تهمة الخطر على الأطفال. بالتالي، لا يُرفض العنف لأنه عنف، بل يُقبل أو يُدان بحسب موقعه من السلطة. يصبح الطفل كياناً لغوياً مرناً، يُستدعى أو يُمحى بحسب مقتضيات الخطاب، ولا يظهر كذات إنسانية بقدر ما يظهر كأداة سياسية تنتج خوفاً جندرياً موجّهاً ضدّ الهويّات اللامعيارية.
إقرأوا أيضاً:
التغييب القسري وصناعة الخطر الكويري
منذ الحملة الإيمانية الأولى في تسعينيات القرن الماضي التي أطلقها الرئيس السابق صدام حسين والتي كرّست عنفاً بذرائع أخلاقية، مروراً بمرحلة ما بعد الحرب الأهلية والطائفية، وصولاً إلى تعديل قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي في عام 2024، تعرّض مجتمع الميم عين إلى عمليّة تغييب قسري ممنهجة. لم يقتصر هذا التغييب على الحرمان من الاعتراف القانوني فقط، بل أنتج غياباً معرفياً واجتماعياً عميقاً أُقصيت فيه التجربة الكويرية من الفضاء العامّ والرسمي على حدّ سواء. غياب المساحات الآمنة للتعبير عن الهويّة والوجود العلني حوّل الأفراد إلى أهداف سهلة للتنميط والاستهداف والملاحقة، وفي هذا الفراغ صنع الخطاب الديني والسلطوي صورة خيالية لكائن معادٍ للنظام الأخلاقي، يُقدَّم بوصفه تهديداً دائماً للأطفال والأسرة.
في أيّ نقاش عامّ حول الحقوق الفردية، يُقحم الطفل سريعاً بوصفه الحجّة النهائية. يحدث ذلك حتى في سياقات يُجبر فيها أفراد مجتمع الميم عين على إخفاء هويّاتهم ووجودهم، بدءاً من الحيّز العامّ وصولاً إلى المنزل، الذي يفترض أن يكون مساحة حماية، لكنّه يتحوّل إلى موقع آخر لإعادة إنتاج العنف البنيوي. فالحيّز الخاصّ يقع أيضاً تحت رقابة الماهوية الثقافية ذاتها التي تصنع الكائن الخطير المعادي للأسرة والطفل، عبر استحضار نموذج غربي أو أوروبي بوصف هذه الهويّات جزءاً من ثقافة تلك البلاد، ولا مكان لها داخل المحيط الاجتماعي الشرقي.
خضوع الحيّز الخاصّ للرقابة يحدّد من يجب أن يُحَبّ، ومن يُستضاف، وكيف يُعبَّر عن الجندر، وماذا يُرتدى. فتصبح رقابة العائلة امتداداً مباشراً لرقابة المجتمع والسلطة. ويُعامَل الأفراد اللامعياريون بوصفهم فزّاعة يجب عزلها أو سجنها أو التخلّص منها، لا لشيء سوى وجودهم.
تفكّك جوديث بتلر افتراض أن الجندر جوهر ثابت عبر مفهوم «الأداء الجندري» Gender Performativity، حيث يُفهم الجندر بوصفه فعلاً متكرّراً يُعاد إنتاجه داخل منظومة اجتماعية مشروطة بالعقاب والمكافأة. لا يكون الأداء الجندري حرّاً أو اختيارياً، بل يُضبط عبر شبكة من المعايير الأبوية. والخطر الذي تشكّله الأجساد اللامعيارية لا يتمثّل في ممارساتها فقط، بل في قدرتها على كشف أن الذكورة والأنوثة بناء اجتماعي قابل للاهتزاز والهدم، وليسا حقيقتين طبيعيتين.
من هنا تنتج السلطة خطاباً يجعل هذه الأجساد تهديداً متخيّلاً للنظام الجندري والأخلاقي. وهذا الخطاب ليس عرضياً أيضاً، بل هو نتاج منظومة تضمن استمرارية السيطرة عبر إقصاء كل هويّة خارج الثنائية الجندرية. يُعاد تصنيع الخطر باستمرار، بينما يُستبعد النقاش حول العنف الحقيقي الذي يتعرّض له الأطفال داخل بُنى يُفترض أنها تحميهم.
إدارة الجسد بين الإعدام والسجن
لم تكن المسوّدة الأولى لقانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي، الذي شُرّع في شباط/ فبراير 2024 ونصّت على عقوبة الإعدام، انحرافاً تشريعياً يسعى إلى أسلمة المجتمع من جديد، بقدر ما كانت التعبير الأكثر وضوحاً وفجاجة عن استمرار الإعدامات الميدانية التي لاحقت أفراد مجتمع الميم عين بعد في عام 2003. وحتى بعد استبدال عقوبة الإعدام بالسجن خمسة عشر عاماً، لم يتغيّر منطق العقوبة، لأن السجون العراقية تعمل كبنية عنف مفتوحة تُنزع فيها صفة الإنسان القانوني، ويُترك فيها الجسد عرضة للاعتداء الجنسي والبيع والإذلال بوصفها أدوات ضبط غير معلنة.
لا تعمل المنظومة العقابية هنا كاستجابة لفعل إجرامي ما، بل كامتداد لإدارة الجسد وضبطه سياسياً. فالسجن لا يُقدَّم كمؤسّسة إصلاحية، بل كحيّز تأديبي يُعاد فيه ترتيب الهرمية الجندرية بالقوّة. تجريم الممارسات الجنسية المثلية بين البالغين، وملاحقة العابرين جندرياً والأفراد غير النمطيين، لا يهدف إلى حماية أحد، بل يدفع بالجسد الكويري إلى فضاء تُعلَّق فيه الحماية القانونية كلياً.
هنا، لا يمكن قراءة السجن كعقوبة أقلّ قسوة من الإعدام، بل كممارسة لإطالة العنف، يُترك فيها الجسد المُجرّم أخلاقياً خارج أيّ تصوّر للحماية والعدالة. يُعاقَب الأفراد على الوجود ذاته، ويُحوَّل الجسد الكويري إلى جسد قابل للانتهاك وسط منظومة تعلم مسبقاً ما يحدث داخل جدرانها. وقد عبّر وزير العدل عن ذلك حين تحدّث عمّا و صفه حينها بـ “بيع الحلوين” داخل السجون، وعن استغلال الفتيان جنسياً كظاهرة لا يمكن السيطرة عليها، معتبراً أنها موجودة في كل السجون.
تُبرَّر هذه السياسات غالباً بخطاب حماية الطفل، غير أن هذا الادّعاء يسقط أمام الواقع الفعلي للعنف. فبعد شهرين فقط من تشريع القانون، وضع تقرير صادر عن اليونيسيف في عام 2024 العراق بين الدول الأعلى في المنطقة من حيث انتشار التأديب العنيف، كاشفاً عن منظومة أذى يومية تُمارس داخل الأسرة نفسها. في المقابل، يُقدَّم الوجود الكويري، رغم غيابه عن مواقع صنع هذا العنف، بوصفه التهديد الأخلاقي المركزي، لا لأنه يشكّل أذى على الأطفال، بل لأنه يكسر افتراض استقرار الثنائية الجندرية التي يقوم عليها المجتمع.
تعديل قانون الأحوال الشخصية كممارسة لتثبيت الأدوار
يشكّل تعديل قانون الأحوال الشخصية لحظة مفصلية في كيفية إدارة الجسد الطفولي داخل المنظومة الأبوية، كموقع قابل لإعادة التعريف القانوني بما يخدم استمرارية الهيمنة، لا بوصفه موضوعاً للحماية. فلا يعمل هذا التعديل على منع واقع اجتماعي كان قائماً ومنتشراً على هامش المدن، بقدر ما يشارك في إنتاج واقع جديد تُسحب فيه الطفولة من الطفلة عبر آليّات لغوية وتشريعية قُدّمت بوصفها حلولاً لحماية الأسرة والأطفال.
أعاد التعديل تعريف الطفلة من خلال مفهوم البلوغ الشرعي، بوصفها ذاتاً مكتملة قانونياً للزواج فقط، من دون أن تترتّب على هذا البلوغ أيّ حقوق أخرى. يغيب هنا أيّ اعتبار للنموّ الجسدي أو النفسي أو لقدرتها على الموافقة. لم تُنقل الطفلة من موقع قانوني إلى آخر وفق الرشد القانوني فحسب، بل قرر القانون إعادة تسميتها. وهذه التسمية لا تصف واقعاً، بل تُنشئه، وفق ما يسمّيه جون لانغشو أوستن “فعلاً لغوياً إنجازياً”. فبمجرّد إعلان أن الطفلة “بالغة شرعاً”، يُنتج واقع قانوني جديد تُسحب فيه الطفولة من الجسد.
ركّزت التحركات الرافضة لتعديل قانون الأحوال الشخصية على تقليل سنّ الزواج إلى سنّ البلوغ الشرعي. ولم يقم رجال الدين هنا بالتأويل، فقد كانوا أكثر صراحة ووضوحاً، وكان من أبرزهم رجل الدين الشيعي نور الساعدي، الذي ركّز على رفض مفهوم “قاصر”، باعتباره غير موجود في الأدبيات الدينية. لكنّ هذا الاعتراض لا يمكن قراءته كاختلاف لغوي فقط، فهو فعل سياسي واعٍ يهدف إلى إعادة ترميز العنف.
تظهر هنا بوضوح أطروحة فيلسوف اللغة ج. ل. أوستن حول الفعل الإنجازي، حيث تعمل الكلمات على إنتاج الواقع لحظة التلّفظ بها، لا على وصفه فحسب. حين تُستبدل مفردات الحماية بمفردات الشريعة والزواج والبلوغ الشرعي، يُعاد تقديم الاعتداء الجنسي كعلاقة اجتماعية مشروعة، وتُفرغ الطفولة من معناها القانوني والأخلاقي. لا يُلغى العنف هنا، بل يُعاد إنتاجه وإدخاله في النظام كممارسة طبيعية ومنظمة.
تعديل قانون الأحوال الشخصية ليس استثناءً تشريعياً لكل فرد يريد تنظيم أحواله على مذهبه، وليس أيضاً انحرافاً ثقافياً. إنه جزء مركزي من سلسلة سياسات ضبط الأجساد منذ الطفولة. جسد أنثوي تُنزع منه صفة الطفولة من دون أن يُمنح شروط البلوغ الفعلي، ويدخل قسراً في منظومة الزواج والإنجاب والواجبات الجندرية. لا تعمل هذه الصياغة الجديدة كحماية للأسرة، بل تضمن إعادة إنتاج النظام الأبوي نفسه عبر السيطرة المبكرة على الجسد الأنثوي، قبل أن يمتلك أي إمكانية للمقاومة أو الاختيار.
الذكورة الهشّة وعسكرة الجندر
إذا كان قانون الأحوال الشخصية يشتغل على الجسد المؤنّث عبر نزع الطفولة وضبطه داخل مؤسّسة الزواج والولاية، فإن الذكورة الهشّة تمثّل الوجه الآخر لهذه الآليّة: ضبط الجسد المذكّر عبر العسكرة والتأديب والإخضاع لمنطق الوظيفة والواجب. ولا تقتصر عسكرة الجندر على لحظات الحرب فقط، فقد استخدم رجال الدين هذه الفكرة في مواجهة ما اعتبروه مشروعاً غربياً لتأنيث الرجل العراقي، لكنّها تدخل أيضاً في الحياة اليومية عبر المدرسة والعائلة والخطاب الديني ونقاشات الحضانة.
لا يُنظر إلى الطفل الذكر كذات تحتاج إلى أمان واستقرار عاطفي، بل كمشروع رجولة هشّ يجب حمايته من التأنيث. وهذا ما نجحت المحامية سجى العامري في تصديره من خلال دفاعها المستمرّ عن قانون الأحوال الشخصية. لم يتشكّل خطاب العامري فقط في سياق نزع الحضانة من الأمّهات، بل صوّرت الأمّ كخطر على الطفل الذكر، أي إن القرب الطويل من الجسد المؤنث ينتج، بحسب هذا التصوّر، ذكورة غير منضبطة. بل ذهبت إلى أن بقاء الأطفال مع أمّهاتهم يجعلهم مثليين جنسياً، وأن وجود الأب ضرورة تأديبية لا رعائية للأطفال.
الذكورة هنا لا تُنتج كهويّة طبيعية أو كمسار إنساني، بل تُشكَّل كمشروع سياسي وأمني أيضاً، يحتاج إلى ضبط وإعادة تأكيد دائمة. تخشى المنظومة من ذكورة قد تنهار إذا لم تُدعَم بقانون يستكمل السيطرة، لذلك هي بحاجة إلى تحويل كل اختلاف إلى خطر. الجسد المذكّر غير المنضبط، سواء كان كويرياً أم لا، يُعامَل بوصفه فشلاً يجب إقصاؤه أو إصلاحه. وهنا يلتقي كل من الجسد المؤنّث والجسد المذكّر عبر نزع سلطة الأفراد على أجسادهم، وإعادة تشكيل هذه الأجساد بما يخدم استمرارية النظام الأبوي. كلاهما يُحرم من التخيّل الحرّ لذاته، ويُختزل في وظيفة جندرية محدّدة سلفاً.
لا يعمل تعديل قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي وتعديل قانون الأحوال الشخصية بوصفهما تشريعين منفصلين، بل بوصفهما آليّة واحدة لإدارة الجسد وضبطه. فالأوّل يجرّم الأجساد التي خرجت عن المعيار الجندري والجنسي، والثاني يعيد تشكيل الأجساد التي ما زالت تتكوّن، من خلال نزع الطفولة وإعادة تعريف الشرعية والولاية. في الحالتين، يكون الجسد موقعاً للسيطرة لا موضوعاً للحماية. وبينهما، يُستهدف الجسد الكويري لأنه يفضح هشاشة التراتبية الجندرية ويخرج عن الدور المحدّد له. لا تعكس هذه القوانين تناقضاً بين الحماية والعقاب، إنما انسجام سلطوي لحماية نظام يخشى الأجساد التي لا يمكن إخضاعها لهرميته.
إقرأوا أيضاً:












