انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي “ترند” لأشخاص يعرضون صوراً لهم مولّدة بالذكاء الصناعي، وهم يحتضنون إمّا أولادهم الافتراضيين، وإمّا الطفل الذي كانوه أو ذويهم المتوفّين…
قد يكون هذا التصرّف الذي باتت تُتيحه التكنولوجيا الحديثة تعبيراً عن شوق، أو تغذية لحاجة عاطفية، أو مجرّد السير في الترند، لكنّه يطرح مسألة قدرة الذكاء الصناعي على التلاعب بالذاكرة، وتوليد ذاكرة مزوّرة قد تشّوش على الذاكرة الحقيقية، بل تتداخل معها. فهل ستُبنى مشاعر الفرد وأحاسيسه في المستقبل على “ذاكرة مزوّرة”؟
في السابق كان يصعب التلاعب بالذاكرة الفردية، إذ يصعب تزوير الأحداث على المستوى الشخصي، ويتطلّب ذلك تفرّغاً وأموالاً. وعادة ما كانت تربط الذاكرة والمشاعر المستندة إلى أمور غير واقعية بالأمراض النفسية، وتصنّف كنتيجة لها. لكن اليوم يبشرّنا الذكاء الصناعي بالذاكرة المزوّرة الناجمة عن تقنياته التي تتوفّر في أيدي الجميع، خصوصاً وأن استخدامها بات سهلاً، ولا يتطلّب إلماماً بالتكنولوجيا ووسائطها.
تميّزت ذاكرة الإنسان، خصوصاً الشخصية، بتجاربه المعاشة وما تتلمّسه حواسه، وكان جزء من هذه الذاكرة يرمّم بالصوّر الموثًّقة للحظات خلت، خصوصاً في فترة الطفولة. لكن الآن، بات بالإمكان إنتاج الصور وحفظها بشكل قد يُفقدنا مع مرور الوقت، القدرة على التمييز بين الذكريات الحقيقية والصور المولّدة بالذكاء الصناعي.
لقد كانت صور الطفولة التي نملكها، والتي تذكّر بمشاهد كنّا نسيناها، مرجعنا للتذكّر وترميم الأجزاء التي تُسقطها الأيام من ذاكرتنا. فعلى ماذا ستُبنى ذاكرة أجيال جديدة قد يكون توليد الصور محاولة لإيهامها بذكريات لم تكن؟ إذ بات يسهل خداع العين التي ترسل إشارة إلى الدماغ ليحفظ ما ترى، وهو الذي يتعاطى مع الصور أياً كانت، على أنها أدلّة حسّية موثوقة.
قبل الترند كنت شاهدت مقاطع مصورة “تحدّث” صوراً لفنانين وتولّد فيديوهات لهم، كالتي تجمع فيروز بابنها الراحل زياد الرحباني مثلاً، وعلى الرغم من درايتي بأنها مزوّرة، انتابتني مشاعر سيّئة، وخشية من أن تعلق هذه المشاهد في ذاكرتي وتشوّش عليها، فتختلط عليّ الأمور في ما بعد. خفت أن تظهر الصور المزيّفة في ذاكرتي لاحقاً عندما أحاول تذكّر شيء ما يرتبط بما شاهدت، خصوصاً وأن الصور لا تعود إلى الذاكرة بالشكل الذي نراها فيه، ولا يمكن التدقيق فيها هناك، حيث المشاهد هي مجرّد ذكريات تفرض نفسها. خشيت على ذاكرتي من هذا التشويش الذي لا أملك سيطرة عليه، وخشيت من أن تُغدقنا المنصّات أكثر بهذه الموادّ المضلّلة للذاكرة.
اليوم، أخشى أن أجرّب “الترند” الجديد، ربما لأنني لا أريد أن أبني ذاكرة مزوّرة أو أقلّه مشوّشة، ولا أرى فيه ما يغري بل ما يخيف. ربما هو مرعب لدرجة يأخذني للتفكير بإمكانية استخدام هذه التقنيات للتحكّم مستقبلاً بالأشخاص وبذكرياتهم والتشويش عليها، رغم استخدامها الآن في نشر الأخبار الكاذبة ومحاولات التأثير في الأحداث السياسية، لكنّ التطبيع معها واستخدامها بهذه السهولة في حياة الناس العاديين والشخصية يثير القلق، ويجعلني أفكّر أبعد من الصور التي بالنسبة إلى مولّديها، قد تكون مجرّد محاولات لتجسيد تخيّلات وتعبير عن عواطف. وعلى الأرجح أن خطورتها تكمن هنا تحديداً، فالصور التي تثير مشاعر قويّة تتمسّك بها الذاكرة أكثر من غيرها، ما قد يجعلها أقرب إلى الدمج كحقيقة في التجربة الذاتية للفرد.
ويأخذني التفكير في تداعيات الأمر للسؤال عن التأثير الاجتماعي والسياسي لهذه الممارسات، خصوصاً إذا ما تمّت لاحقاً بشكل ممنهج ومنظّم، أو استخدمتها أجهزة الدول للتأثير على الأفراد ومشاعرهم وقراراتهم وعلاقاتهم في ما بينهم، أو حتى لتطوير حملات القمع والتلاعب بالجماهير، بل وأبعد من ذلك أسأل إن كانت ستُستخدم من ضمن أدوات التعذيب؟
وخلال بحث سريع عمّا يمكن أن تكون توصّلت إليه الدراسات في إطار تأثير تقنيات الذكاء الصناعي على ذاكرة الإنسان، عثرت على دراسة نُشرت في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT في آب/ أغسطس 2024، تبحث في تأثير الذكاء الصناعي على الذكريات الكاذبة لدى البشر، وهي تختبر تأثير برنامج محادثة آلي باستخدام الذكاء الصناعي، على ذاكرة شهود حضروا مقطعاً مصوراً لجريمة، وأكّدت الدراسة أن “الذكاء الصناعي قد يخلق ذكريات كاذبة للشهود”. وأفاد ملخّصها أن الذكاء الصناعي الحواري المدعوم بالنماذج اللغوية الكبيرة “يمكن أن يزيد من تكوين الذكريات الكاذبة لدى البشر، وهي تذكّرات لأحداث لم تحدث أو انحرفت عن الواقع”، وبيّنت هذه الدراسة المخاطر المحتملة لاستخدام الذكاء الصناعي المتقدّم في المواقف الحسّاسة مثل مقابلات الشرطة، وأكّدت الحاجة الملحّة لمراعاة الاعتبارات الأخلاقية، وهي اعتبارات لا تعني الأنظمة.












