يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الطلاب النازحون… عام دراسي آخر في مهبّ الحرب والوزارة غائبة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هناك 350 ألف طالب جنوبي لا يُعرف مصيرهم على المستوى التعليمي، وهذا في حدّ ذاته “كارثة”

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بالنسبة إلى الطلاب النازحين، لا يبدأ العام الدراسي الجديد من النقطة نفسها التي يبدأ منها زملاؤهم. بعضهم يحمل معه مواد دراسية لم يتمكن من تعويضها، وبعضهم الآخر لا يعرف بعد أين ستكون مدرسته؟ أو كيف سيصل إليها؟ فيما يواجه آخرون كلفة السكن والمواصلات والإنترنت والقرطاسية.

على الرغم من إعلان وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي انطلاق العام الدراسي الجديد 2026-2027 في المدارس والثانويات الرسمية في 15 أيلول/ سبتمبر 2026، لا يزال الكثير من الطلاب النازحين يعانون صعوبة في الاندماج في مسار تربوي منتظم، وكذلك طلاب المدارس التي تستقبل نازحين.

ففي ظل الحرب المستمرة، وتدمير مزيد من البيوت والمؤسسات التعليمية، واستمرار حالة عدم الاستقرار، يواجه الطلاب اللبنانيون النازحون خسارة منازلهم وابتعادهم عن محيطهم، إلى جانب خطر اضطراب مسارهم التعليمي بشكل جذري، في وقت يفترض أن يكون التعليم أحد أكثر جوانب حياتهم استقراراً.

أكثر من 250 ألف طالب تأثروا بالحرب

النزوح يعني بالنسبة إلى الطلاب الابتعاد عن منازلهم ومدارسهم، فيما يواجه قطاع التعليم نفسه أضراراً واسعة تهدّد قدرة آلاف الطلاب على متابعة تعليمهم. ووفق أحدث المعطيات الصادرة عن منظمة اليونيسف، يتأثر نحو 256  ألف طالب بالنزوح، وإغلاق المدارس في المناطق المتضررة من النزاع، وتحويل عدد من المدارس إلى مراكز إيواء.

وفي أحدث مسح وطني أجرته وزارة التربية والتعليم العالي، بدعم من اليونيسف، وشمل1,089 منشأة تعليمية في مختلف أنحاء لبنان، تبيّن أن436 منشأة تعليمية تضررت، فيما دُمّرت 37 منشأة بالكامل منذ تصعيد الأعمال القتالية في 2 آذار/ مارس 2026. ويشمل المسح منشآت تعليمية مختلفة، وليس المدارس وحدها.

وكان تقييم وطني سابق أجرته وزارة التربية في حزيران/ يونيو قد أظهر تضرر340 مدرسة رسمية وخاصة وتقنية ومهنية، بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل. وحذّرت اليونيسف آنذاك من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل قد يجدون أنفسهم من دون صفوف دراسية عند بدء العام الدراسي، في حال عدم الإسراع في إصلاح المدارس المتضررة وإعادة تأهيلها.

ولا تتوقف المشكلة عند الأضرار المادية. فمع انطلاق العام الدراسي في 15 أيلول/ سبتمبر، لا تزال نحو 80 مدرسة رسمية تُستخدم كمراكز إيواء للنازحين، وفق معطيات وزارة التربية التي نقلتها “رويترز”. ومن بين هذه المدارس، ستعيد نحو 30 مدرسة فتح أبوابها جزئياً مع استمرار استخدامها لإيواء النازحين، فيما تبقى9  مدارس مستخدمة بالكامل كمراكز إيواء. كما أفادت الوزارة بأن نحو50 مدرسة رسمية أخرى دُمّرت أو تضررت بشدة، فيما لحقت أضرار متوسطة أو طفيفة بأكثر من200 مدرسة إضافية.

حلول جذرية غائبة

تقول مديرة خلية إدارة الكوارث والأزمات في بلدية صيدا، وفاء شعيب لـ”درج”، إن بدء العام الدراسي سيكون صعباً بالنسبة إلى الطلاب النازحين، خصوصاً أن كثيرين منهم لم يتمكنوا من متابعة تعليمهم بالوتيرة نفسها التي يتابع بها أقرانهم.

وتوضح أن مهنية صيدا ومدرستي الكويتية والزعتري تستقبل حالياً الطلاب النازحين مع أهلهم من النبطية ومناطق جنوبية أخرى، بعدما تضررت مدارسهم أو لم يعد بإمكان عائلاتهم البقاء في قراهم. وفي الوقت نفسه، ستستقبل هذه المدارس طلابها، ما سيجعل الوضع صعباً بين طلاب نازحين تركوا مدارسهم وطلاب آخرين عادوا إلى صفوفهم بشكل طبيعي.

وتضيف أنه على الرغم من توفّر الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب في مراكز الإيواء منذ الأسابيع الأولى للحرب، تبقى المشكلة الأساسية في انقطاعهم عن التعليم أو عدم قدرتهم على مواكبة زملائهم.

وتشير شعيب إلى أن النزوح من الجنوب لم يتوقف حتى الآن، إذ لا تزال عائلات تصل إلى صيدا، لذلك ترى أن إغلاق مراكز الإيواء، لا سيما المهنيات والمدارس، في الوقت الحالي ليس حلاً واقعياً، في ظل غياب مؤشرات واضحة على عودة قريبة إلى المناطق الجنوبية.

وبرأيها، المطلوب إيجاد حل جذري يضمن للطلاب النازحين حقهم في التعليم، بدل أن يبقى مستقبلهم مرتبطاً بظروف النزوح ومراكز الإيواء.

عوائق ترافق الطلاب من المدرسة إلى الجامعة

محمد حمد النمر، طالب نازح من بلدة الطيبة، انقطع عن الدراسة نحو شهرين بعد اندلاع الحرب، وهي فترة يعتبرها من أهم مراحل السنة الدراسية، إذ لم يتمكن خلالها من متابعة المنهج الذي كان يتابعه قبل النزوح، وفاتته مواد كثيرة لم يتمكن من تعويضها حتى نهاية العام.

يقول لـ”درج” إن أصعب ما واجهه كان الدراسة في مراكز الإيواء، حيث لم يكن لديه مكان هادئ أو مناسب للدراسة. “كنا قاعدين بمدرسة، وفي الصفوف والممرات، وكان في ضجيج وأولاد وطيش. قد ما فيني كنت عم حاول إني أدرس”، يقول.

وانعكست ظروف الدراسة أيضاً على مستواه الأكاديمي. كان معدله لا ينخفض عن 16، لكنه تراجع بعد الامتحانات التي أجراها إلكترونياً إلى 12 ووصل إلى 11، نتيجة الصعوبات التي واجهها في متابعة دروسه.

كما تنقّل محمد مرات عدة بسبب النزوح، بين مدارس مختلفة، وأحياناً بين مبانٍ وصفوف داخل المدرسة نفسها. وكانت مشكلة الإنترنت من أبرز العوائق أمام استمراره في التعليم.

وعلى رغم ذلك، حاول محمد ألا يسمح لهذه الظروف بأن تقطع الطريق على حلمه. قدّم امتحان الدخول إلى الجامعة، وتمكن من النجاح والقبول في تخصص الهندسة في كلية التكنولوجيا، وهو التخصص الذي كان يحلم بدراسته.

لكن استمرار النزوح، بالنسبة إليه، يعني استمرار هذه الصعوبات في المرحلة الجامعية أيضاً. “إذا بضل بمركز إيواء وبفترة أدرس بالجامعة، رح يكون الموضوع صعب جداً”، يقول، مشيراً إلى أن غياب الإنترنت والمواصلات ومكان مناسب للدراسة قد يؤثر في قدرته على متابعة الجامعة، وقد يصل الأمر، في حال طال النزوح، إلى الاضطرار إلى العمل وترك الدراسة.

تأمين المدرسة والمواصلات والمستلزمات

مشكلة الطلاب النازحين لا تتوقف عند تأمين مقاعد دراسية لهم، إذ تطرح ظروف النزوح أسئلة أوسع حول قدرتهم على متابعة تعليمهم.

ملكة حلبي، منسقة قطاع الحماية القانونية في اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان (URDA)، وهي أيضاً باحثة وناشطة قانونية وحقوقية، تحدثت لـ”درج”، قائلة إنهم كاتحاد كانوا موجودين في مراكز الإيواء منذ الساعات الأولى للحرب، فواكبوا المسيرة التعليمية فيها ولا يزالون حتى الآن.

وتشير إلى” أن احتياجات الطلاب الموجودين في مراكز الإيواء تتغير مع استمرار النزوح، خصوصاً أن بعضهم قد يضطر إلى الانتقال من مركز إيواء إلى آخر، أقرب إلى المناطق التي نزحوا منها”.

وتوضح أن “من أبرز الصعوبات التي يواجهها الطلاب الانتقال من منطقة إلى أخرى، ثم اختيار المدرسة الملائمة للمكان الذي سيستقرون فيه. كثير من الأهالي لا يملكون السيولة المالية اللازمة لتأمين تكاليف المواصلات لأبنائهم، ما يزيد من صعوبة انتظامهم في الدراسة”.

وتلفت حلبي إلى أن المستلزمات المدرسية تشكل عبئاً إضافياً على العائلات النازحة، قائلة “إن الاتحاد رفع تقريراً إلى إدارته لبحث كيفية تأمين الدفاتر والأقلام وغيرها من المستلزمات الأساسية للطلاب”.

طلاب جامعيون أمام تحديات مختلفة

يوجد في المركز، بحسب حلبي، طالبان جامعيان، من بينهما شابة تواجه مشكلة في تأمين السكن الجامعي في الجامعة اللبنانية في الحدث، إضافة إلى كلفة المواصلات.

وتوضح أن ظروفها العائلية، إلى جانب احتمال انتقال الأسرة إلى مكان آخر، تجعل تأمين تكاليف التنقل من أبرز احتياجاتها.

وترى حلبي أن غياب برنامج واضح من وزارة التربية للتعامل مع أوضاع الطلاب النازحين يزيد من صعوبة الوضع. وتروي أن بعض الأهالي حاولوا الاستفسار عن إمكانية تسجيل أبنائهم في المدارس القريبة من مراكز الإيواء التي يقيمون فيها، لكنهم أُبلغوا بأن عليهم التواصل مع المدارس التي كانوا مسجلين فيها سابقاً.

فيما طُلب من بعض الطلاب متابعة التعليم “أونلاين”، ما يعني حاجة إضافية إلى تأمين كلفة الإنترنت.

وتضيف حلبي أن هناك “كتير تفاصيل”، لكن المشكلة الأساسية، برأيها، “هي أن وزارة التربية لم تضع حتى الآن مخططاً واضحاً للطلاب النازحين، وهذا ما طرحته النائبة عناية عز الدين في مجلس النواب أخيراً”، في وقت أكدت عز الدين أن هناك 350 ألف طالب جنوبي لا يُعرف مصيرهم على المستوى التعليمي، وهذا في حدّ ذاته “كارثة” بحسب حلبي.

عام دراسي تحت الاختبار

مع بدء عام دراسي جديد، لا تبدو أزمة الطلاب النازحين مرتبطة بتأمين مقعد دراسي فقط، وإنما بقدرتهم على استعادة مسار تعليمي انقطع أو اضطرب بشكل حاد بسبب الحرب. فالتنقل بين مراكز الإيواء، وتبدّل المدارس، وغياب أماكن مناسبة للدراسة، إلى جانب كلفة المواصلات والقرطاسية والإنترنت، كلها عوامل تجعل انتظام هؤلاء الطلاب في التعليم أكثر صعوبة.

وبينما تستمر عائلات لبنانية كثيرة في النزوح من مناطقها، يبقى السؤال حول مصير الطلاب مفتوحاً: أين سيدرسون؟ وهل سيتمكنون من متابعة المناهج نفسها التي يتابعها أقرانهم؟ وكيف ستتعامل المدارس ووزارة التربية مع الفجوة التي خلّفتها الحرب في تعليمهم؟

بالتالي، يبقى التعليم معلّقاً بين مدرسة وأخرى، ومركز إيواء وآخر، فيما لا تزال الإجابة عن مصير هؤلاء الطلاب غير واضحة.

21.09.2026
زمن القراءة: 6 minutes

هناك 350 ألف طالب جنوبي لا يُعرف مصيرهم على المستوى التعليمي، وهذا في حدّ ذاته “كارثة”

بالنسبة إلى الطلاب النازحين، لا يبدأ العام الدراسي الجديد من النقطة نفسها التي يبدأ منها زملاؤهم. بعضهم يحمل معه مواد دراسية لم يتمكن من تعويضها، وبعضهم الآخر لا يعرف بعد أين ستكون مدرسته؟ أو كيف سيصل إليها؟ فيما يواجه آخرون كلفة السكن والمواصلات والإنترنت والقرطاسية.

على الرغم من إعلان وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي انطلاق العام الدراسي الجديد 2026-2027 في المدارس والثانويات الرسمية في 15 أيلول/ سبتمبر 2026، لا يزال الكثير من الطلاب النازحين يعانون صعوبة في الاندماج في مسار تربوي منتظم، وكذلك طلاب المدارس التي تستقبل نازحين.

ففي ظل الحرب المستمرة، وتدمير مزيد من البيوت والمؤسسات التعليمية، واستمرار حالة عدم الاستقرار، يواجه الطلاب اللبنانيون النازحون خسارة منازلهم وابتعادهم عن محيطهم، إلى جانب خطر اضطراب مسارهم التعليمي بشكل جذري، في وقت يفترض أن يكون التعليم أحد أكثر جوانب حياتهم استقراراً.

أكثر من 250 ألف طالب تأثروا بالحرب

النزوح يعني بالنسبة إلى الطلاب الابتعاد عن منازلهم ومدارسهم، فيما يواجه قطاع التعليم نفسه أضراراً واسعة تهدّد قدرة آلاف الطلاب على متابعة تعليمهم. ووفق أحدث المعطيات الصادرة عن منظمة اليونيسف، يتأثر نحو 256  ألف طالب بالنزوح، وإغلاق المدارس في المناطق المتضررة من النزاع، وتحويل عدد من المدارس إلى مراكز إيواء.

وفي أحدث مسح وطني أجرته وزارة التربية والتعليم العالي، بدعم من اليونيسف، وشمل1,089 منشأة تعليمية في مختلف أنحاء لبنان، تبيّن أن436 منشأة تعليمية تضررت، فيما دُمّرت 37 منشأة بالكامل منذ تصعيد الأعمال القتالية في 2 آذار/ مارس 2026. ويشمل المسح منشآت تعليمية مختلفة، وليس المدارس وحدها.

وكان تقييم وطني سابق أجرته وزارة التربية في حزيران/ يونيو قد أظهر تضرر340 مدرسة رسمية وخاصة وتقنية ومهنية، بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل. وحذّرت اليونيسف آنذاك من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل قد يجدون أنفسهم من دون صفوف دراسية عند بدء العام الدراسي، في حال عدم الإسراع في إصلاح المدارس المتضررة وإعادة تأهيلها.

ولا تتوقف المشكلة عند الأضرار المادية. فمع انطلاق العام الدراسي في 15 أيلول/ سبتمبر، لا تزال نحو 80 مدرسة رسمية تُستخدم كمراكز إيواء للنازحين، وفق معطيات وزارة التربية التي نقلتها “رويترز”. ومن بين هذه المدارس، ستعيد نحو 30 مدرسة فتح أبوابها جزئياً مع استمرار استخدامها لإيواء النازحين، فيما تبقى9  مدارس مستخدمة بالكامل كمراكز إيواء. كما أفادت الوزارة بأن نحو50 مدرسة رسمية أخرى دُمّرت أو تضررت بشدة، فيما لحقت أضرار متوسطة أو طفيفة بأكثر من200 مدرسة إضافية.

حلول جذرية غائبة

تقول مديرة خلية إدارة الكوارث والأزمات في بلدية صيدا، وفاء شعيب لـ”درج”، إن بدء العام الدراسي سيكون صعباً بالنسبة إلى الطلاب النازحين، خصوصاً أن كثيرين منهم لم يتمكنوا من متابعة تعليمهم بالوتيرة نفسها التي يتابع بها أقرانهم.

وتوضح أن مهنية صيدا ومدرستي الكويتية والزعتري تستقبل حالياً الطلاب النازحين مع أهلهم من النبطية ومناطق جنوبية أخرى، بعدما تضررت مدارسهم أو لم يعد بإمكان عائلاتهم البقاء في قراهم. وفي الوقت نفسه، ستستقبل هذه المدارس طلابها، ما سيجعل الوضع صعباً بين طلاب نازحين تركوا مدارسهم وطلاب آخرين عادوا إلى صفوفهم بشكل طبيعي.

وتضيف أنه على الرغم من توفّر الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب في مراكز الإيواء منذ الأسابيع الأولى للحرب، تبقى المشكلة الأساسية في انقطاعهم عن التعليم أو عدم قدرتهم على مواكبة زملائهم.

وتشير شعيب إلى أن النزوح من الجنوب لم يتوقف حتى الآن، إذ لا تزال عائلات تصل إلى صيدا، لذلك ترى أن إغلاق مراكز الإيواء، لا سيما المهنيات والمدارس، في الوقت الحالي ليس حلاً واقعياً، في ظل غياب مؤشرات واضحة على عودة قريبة إلى المناطق الجنوبية.

وبرأيها، المطلوب إيجاد حل جذري يضمن للطلاب النازحين حقهم في التعليم، بدل أن يبقى مستقبلهم مرتبطاً بظروف النزوح ومراكز الإيواء.

عوائق ترافق الطلاب من المدرسة إلى الجامعة

محمد حمد النمر، طالب نازح من بلدة الطيبة، انقطع عن الدراسة نحو شهرين بعد اندلاع الحرب، وهي فترة يعتبرها من أهم مراحل السنة الدراسية، إذ لم يتمكن خلالها من متابعة المنهج الذي كان يتابعه قبل النزوح، وفاتته مواد كثيرة لم يتمكن من تعويضها حتى نهاية العام.

يقول لـ”درج” إن أصعب ما واجهه كان الدراسة في مراكز الإيواء، حيث لم يكن لديه مكان هادئ أو مناسب للدراسة. “كنا قاعدين بمدرسة، وفي الصفوف والممرات، وكان في ضجيج وأولاد وطيش. قد ما فيني كنت عم حاول إني أدرس”، يقول.

وانعكست ظروف الدراسة أيضاً على مستواه الأكاديمي. كان معدله لا ينخفض عن 16، لكنه تراجع بعد الامتحانات التي أجراها إلكترونياً إلى 12 ووصل إلى 11، نتيجة الصعوبات التي واجهها في متابعة دروسه.

كما تنقّل محمد مرات عدة بسبب النزوح، بين مدارس مختلفة، وأحياناً بين مبانٍ وصفوف داخل المدرسة نفسها. وكانت مشكلة الإنترنت من أبرز العوائق أمام استمراره في التعليم.

وعلى رغم ذلك، حاول محمد ألا يسمح لهذه الظروف بأن تقطع الطريق على حلمه. قدّم امتحان الدخول إلى الجامعة، وتمكن من النجاح والقبول في تخصص الهندسة في كلية التكنولوجيا، وهو التخصص الذي كان يحلم بدراسته.

لكن استمرار النزوح، بالنسبة إليه، يعني استمرار هذه الصعوبات في المرحلة الجامعية أيضاً. “إذا بضل بمركز إيواء وبفترة أدرس بالجامعة، رح يكون الموضوع صعب جداً”، يقول، مشيراً إلى أن غياب الإنترنت والمواصلات ومكان مناسب للدراسة قد يؤثر في قدرته على متابعة الجامعة، وقد يصل الأمر، في حال طال النزوح، إلى الاضطرار إلى العمل وترك الدراسة.

تأمين المدرسة والمواصلات والمستلزمات

مشكلة الطلاب النازحين لا تتوقف عند تأمين مقاعد دراسية لهم، إذ تطرح ظروف النزوح أسئلة أوسع حول قدرتهم على متابعة تعليمهم.

ملكة حلبي، منسقة قطاع الحماية القانونية في اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان (URDA)، وهي أيضاً باحثة وناشطة قانونية وحقوقية، تحدثت لـ”درج”، قائلة إنهم كاتحاد كانوا موجودين في مراكز الإيواء منذ الساعات الأولى للحرب، فواكبوا المسيرة التعليمية فيها ولا يزالون حتى الآن.

وتشير إلى” أن احتياجات الطلاب الموجودين في مراكز الإيواء تتغير مع استمرار النزوح، خصوصاً أن بعضهم قد يضطر إلى الانتقال من مركز إيواء إلى آخر، أقرب إلى المناطق التي نزحوا منها”.

وتوضح أن “من أبرز الصعوبات التي يواجهها الطلاب الانتقال من منطقة إلى أخرى، ثم اختيار المدرسة الملائمة للمكان الذي سيستقرون فيه. كثير من الأهالي لا يملكون السيولة المالية اللازمة لتأمين تكاليف المواصلات لأبنائهم، ما يزيد من صعوبة انتظامهم في الدراسة”.

وتلفت حلبي إلى أن المستلزمات المدرسية تشكل عبئاً إضافياً على العائلات النازحة، قائلة “إن الاتحاد رفع تقريراً إلى إدارته لبحث كيفية تأمين الدفاتر والأقلام وغيرها من المستلزمات الأساسية للطلاب”.

طلاب جامعيون أمام تحديات مختلفة

يوجد في المركز، بحسب حلبي، طالبان جامعيان، من بينهما شابة تواجه مشكلة في تأمين السكن الجامعي في الجامعة اللبنانية في الحدث، إضافة إلى كلفة المواصلات.

وتوضح أن ظروفها العائلية، إلى جانب احتمال انتقال الأسرة إلى مكان آخر، تجعل تأمين تكاليف التنقل من أبرز احتياجاتها.

وترى حلبي أن غياب برنامج واضح من وزارة التربية للتعامل مع أوضاع الطلاب النازحين يزيد من صعوبة الوضع. وتروي أن بعض الأهالي حاولوا الاستفسار عن إمكانية تسجيل أبنائهم في المدارس القريبة من مراكز الإيواء التي يقيمون فيها، لكنهم أُبلغوا بأن عليهم التواصل مع المدارس التي كانوا مسجلين فيها سابقاً.

فيما طُلب من بعض الطلاب متابعة التعليم “أونلاين”، ما يعني حاجة إضافية إلى تأمين كلفة الإنترنت.

وتضيف حلبي أن هناك “كتير تفاصيل”، لكن المشكلة الأساسية، برأيها، “هي أن وزارة التربية لم تضع حتى الآن مخططاً واضحاً للطلاب النازحين، وهذا ما طرحته النائبة عناية عز الدين في مجلس النواب أخيراً”، في وقت أكدت عز الدين أن هناك 350 ألف طالب جنوبي لا يُعرف مصيرهم على المستوى التعليمي، وهذا في حدّ ذاته “كارثة” بحسب حلبي.

عام دراسي تحت الاختبار

مع بدء عام دراسي جديد، لا تبدو أزمة الطلاب النازحين مرتبطة بتأمين مقعد دراسي فقط، وإنما بقدرتهم على استعادة مسار تعليمي انقطع أو اضطرب بشكل حاد بسبب الحرب. فالتنقل بين مراكز الإيواء، وتبدّل المدارس، وغياب أماكن مناسبة للدراسة، إلى جانب كلفة المواصلات والقرطاسية والإنترنت، كلها عوامل تجعل انتظام هؤلاء الطلاب في التعليم أكثر صعوبة.

وبينما تستمر عائلات لبنانية كثيرة في النزوح من مناطقها، يبقى السؤال حول مصير الطلاب مفتوحاً: أين سيدرسون؟ وهل سيتمكنون من متابعة المناهج نفسها التي يتابعها أقرانهم؟ وكيف ستتعامل المدارس ووزارة التربية مع الفجوة التي خلّفتها الحرب في تعليمهم؟

بالتالي، يبقى التعليم معلّقاً بين مدرسة وأخرى، ومركز إيواء وآخر، فيما لا تزال الإجابة عن مصير هؤلاء الطلاب غير واضحة.

21.09.2026
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية