ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

العائلة البديلة: عن ضرورة النجاة التي تفكّكنا أيضاً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كانت النساء المثليات أقلّ استهدافاً طبّياً بالإيدز، وأحياناً أقلّ نبذاً عائلياً من الرجال المثليين، مُنحن هامش تحرّك نسبي، استخدمنه في ملء الفراغ للاستثمار سياسياً في البقاء كجماعة، وسّعت أزمة الإيدز الصحّية  مفهوم العائلة البديلة جذرياً حتى وقتنا الحالي، وأصبحت الرعاية هي المعيار للقرابة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تكن العائلة البديلة في التجربة الكويرية الحديثة معطى طبيعياً، أو مساحة أمان تلقائية. فمنذ تشكّل المدن الصناعية الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في ذروة تشكّل الغرب الصناعي، كانت هجرة الأفراد الكويريين  إلى المدن ضرورة للنجاة، نتيجة انكشاف الهويّة أو الاشتباه بها، وليست هجرة داخلية ذات دوافع اقتصادية فقط، أو تحرراً رومانسياً من شكل العائلة التقليدي.

أنتجت هذه الضرورة انفصالاً عملياً عن العائلة البيولوجية، وولّدت معها شبكات قرابة غير بيولوجية: أصدقاء، عشّاق، بيوت، حانات، مقاهٍ، وحتى أمّهات وآباء رمزيون، أشكال من العائلات غير المعلنة بعد الانفصال الحتمي عن شكل العائلة التقليدي، الذي تطلّب اختراع أشكال قرابة بديلة داخل المدن الحديثة، التي غالباً ما تكون غير مستقرّة، لكنّها فعّالة داخل الواقع المعاش، كعلاقات تشبيك ولّدتها الهشاشة القانونية والاجتماعية أيضاً، كصيغة عيش مؤقّتة داخل عالم لا يعترف بقابليتهم للحياة. 

لم يتطوّر مفهوم العائلة البديلة بوصفها عائلة تعي بذاتها، حتى منتصف القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية في الخمسينيات والستينيات، مع موجة تصاعد القمع القانوني والطبّي. 

التجريم والعلاج القسري جعل من الانفصال عن العائلة البيولوجية أكثر شيوعاً، وبدأت الروابط البديلة تأخذ الطابع العائلي: سكن واقتصاد مشتركان، تضامن وسط الخطر، ورعاية في أوقات المرض، التي أخذت موقفها الحاسم في السبعينيات والثمانينيات مع الحركات النسوية، وحركات التحرّر الجنسي، التي بدأت تنتج خطاباً سياسياً وأشكالاً مختلفة من الحياة. 

لم تعد العائلة البديلة شبكة بقاء، أصبحت مضادّاً للعائلة النووية المعيارية، وأظهرت معها ” chosen family ” التي غيّرت مفهوم العائلة خارج إطار القرابة بالدم.  

ومع انتشار الإيدز في الثمانينيات، الكثير من الرجال المثليين تُركوا ليموتوا، بعدما تبرّأت منهم عائلاتهم، وأهملتهم الدولة، وبدأت المؤسّسة الطبّية تتعامل مع المرض كعقاب أخلاقي لا كأزمة صحّية. 

في هذا الفراغ قامت النساء المثليات بأدوار كانت تُعدّ خارج إطار نطاقهن، من التمريض والمرافقة، إلى الدفاع والتظاهر أمام المستشفيات، وصولاً إلى تنظيم الجنائز. هذه القرابة لم تعتمد على الدم أو العاطفة، كانت ذات طابع سياسي- أخلاقي وإدراك مشترك، أن مصير الجميع مرتبط داخل منظومة نبذ واحدة، وهنا لم تعد العائلة البديلة شبكة أمان، تحوّلت إلى اقتصاد  أمان ورعاية كويري. 

كانت النساء المثليات أقلّ استهدافاً طبّياً بالإيدز، وأحياناً أقلّ نبذاً عائلياً من الرجال المثليين، مُنحن هامش تحرّك نسبي، استخدمنه في ملء الفراغ للاستثمار سياسياً في البقاء كجماعة، وسّعت أزمة الإيدز الصحّية  مفهوم العائلة البديلة جذرياً حتى وقتنا الحالي، وأصبحت الرعاية هي المعيار للقرابة.

لكنّ هذا التاريخ الذي يستعاد بوصفه مساراً غربياً لتحرّر الهويّات الكويرية، لا يعمل كسردية منتهية أو منجزة، فالعائلة البديلة لم تكن نتيجة تحوّل ثقافي تقدّمي فقط، لكن كاستجابة متكرّرة لشروط قمع تتغيّر أشكالها ولا تختفي. خارج السياق الغربي، وفي أماكن لم تمرّ بتسلسل علني من الحركات التحرّرية و الاعتراف القانوني، تعود العائلة البديلة لتؤدّي وظيفتها الأولى: النجاة . 

العائلة البديلة بوصفها ممارسة يومية 

في السياقات غير الغربية، وخصوصاً في أماكن مثل العراق، لا تبدو العائلة البديلة امتداداً تاريخياً لمسار تحرّري متّصل، بقدر ما تتشكّل كاستجابة راهنة لعنف مضاعف، ولا يمكن تتبّع نشأتها بوصفها تاريخاً قابلاً للأرشفة، ليس بسبب قصور في البحث، لكن بسبب طبيعة هذه العائلات نفسها، التي تتكوّن بوصفها شبكات تواصل أكثر مما هي مساحات فيزيائية. 

فالقمع القانوني والاجتماعي للكويرية، إلى جانب الهشاشة الاقتصادية، جعل من العلاقات المشتركة والرعائية علاقات غير قابلة للتسجيل، لا تُنتج أثراً ثابتاً، ولا تترك سوى شذرات وحكايات بسيطة، غالباً ما ترتبط بالهجرة أو تُروى بعد النجاة. حكايات عن مساحات أمان تشكّلت ثم تفكّكت سريعاً بسبب القمع أو الملاحقة، ويظلّ الاستثناء النسبي لهذا الغياب محصوراً في أشكال توثيق أنتجتها طبقات اقتصادية أعلى، أتاح لها الاستقرار الاقتصادي والمحيط الاجتماعي من حولها أرشيفاً جزئياً لا يعكس تجربة الغالبية، بل يقدّم تمثيلاً طبقياً مميّزاً للعائلة البديلة في العراق.

في وقتنا الحالي، الانتقال إلى الفضاء الرقمي ليس تحوّلاً ثقافياً طوعياً، أو استجابة لحداثة تقنية، لكنّه ضرورة فرضتها الشروط المادّية والاجتماعية، فالعجز عن السكن المشترك مرتبط بعنف اقتصادي، وبتمييز جندري يجبر الأفراد على البقاء داخل العائلات البيولوجية، رغم عملها كأدوات ضبط اجتماعية لاستمرارية الهيمنة الأبوية، كما أن العيش المشترك حتى عندما يبدو ممكناً من الناحية المادّية، يبقى محاطاً بمخاطر اجتماعية وثقافية تجعل التشارك ذاته حالة انكشاف دائم. 

هذا الواقع أتاح للفضاء الرقمي إنتاج أشكال من القرب بدون وجود فيزيائي، وقرابة لا تترك أثراً مادّياً. لم يكن التواصل عبر الإنترنت تعويضاً ناقصاً عن العائلة البديلة، إنما الشكل الوحيد الذي أمكن من خلاله إنتاج الأمان، فتأسّست القرابة على المعرفة المتبادلة لا الحضور، معرفة من يمكن الوثوق به، من يوفّر المعلومة، من يحذّر من، من يتدخّل عند الضرورة. 

هكذا أصبحت العائلة البديلة شبكة تواصل تؤدّي وظائف الرعاية في الخفاء، لا يكون الأفراد المتواصلون/ ات عبر الإنترنت، أقلّ “عائلية”، لكنّهم/ ن أكثر انخراطاً بالنجاة تحت التهديد.

التواصل هنا هو عمليّة اجتماعية تنتج المعنى، والروابط منتجة لفضاءات تفاوض رمزية، تتشكّل وتنجو خلالها الهويّات اللامعيارية خارج إطار المؤسّسات، لكنّها أيضاً لا تنتج ذاتاً رمزية داخل المجال العامّ، فالعائلة البديلة وُجدت من أجل تجنّب الظهور في سياق يكون فيه الظهور العلني هو المخاطرة بالحياة، فيصبح التواصل أمنياً ووجودياً، لا اجتماعياً فقط . 

هذا التحوّل يعيد تعريف العائلة البديلة كشبكة علاقات خفيفة قابلة للتفكّك السريع، لا كمساحة دافئة للاستقرار، وظيفتها الأساسية مشاركة المعرفة من أجل تقليل المخاطر، لكنّ خفّتها هذه تجعلها شديدة الهشاشة، إذ يكفي رحيل فرد أو نجاته/ لتتعطّل المسارات المعرفية، وعلى الرغم من أن وظيفة هذه العوائل البديلة هي النجاة حتى الهروب، فالنجاة الفردية هنا خسارة جماعية غير معترف بها، فكلما نجح فرد بالخروج، ازدادت هشاشة من بقي بنيوياً. 

التفكّك لا يُرى من الخارج، لكنّه يختبَر داخلياً كفراغ معرفي ونفسي وأمني، وفي هذا السياق، تنتج العائلة البديلة نمط عيش وتواصل مصمّماً منذ البداية على افتراض التفكّك، لا  الاستمرارية التي يمكن اللجوء إليها، لكنّ التفكّك يستمرّ كأثر داخل الأفراد، دون أن يجد شكلاً اجتماعياً للظهور .

الحداد كأثر لبنية العيش المأزومة

الأثر الذي يُختبر داخلياً، والذي يتشكّل عند رحيل أحد أفراد العائلة البديلة، لا ينشأ لأن الأفراد هشّون، أو عاجزون عن التكيّف مع فقدان أحد الوسطاء الاجتماعيين، بل لأن البنية التي أُجبروا على العيش داخلها، تمنع تحويل الخسارة إلى حدث اجتماعي مفهوم، فما فُقد ليس علاقة معترف بها اجتماعياً، ولا موقعاً يمكن الإشارة إليه علناً، لذلك لا يملك الحداد مساراً للخروج، لا يوجد اسم لما حدث، ولا طقس يضبطه، النتيجة حالة نفسية غير مستقرّة وحزن غير واضح المعالم.

هذا الفراغ نتيجة حتمية للعنف البنيوي الواقع على الأفراد، لا يكتفي بحرمانهم من الأمان، بل يحرمهم أيضاً من لغة تفسير الألم، على الرغم من أن ما يشعرون به نتيجة منطقية لخسارة شبكة النجاة، النجاة هي الهدف، والهجرة هدف مشترك، لكنّ تحقيقه ينتج خسارة لا يمكن الاعتراف بها.

من يبقى/ تبقى في الداخل، يشعر أنه فقد شيئاً لا يحقّ له الحزن عليه، ومن يخرج يشعر بذنب لا يملك لغة للتعبير عنه، كلا الطرفين يُجبَر على الصمت، ويدفع ثمن بُنية صُمّمت لتجعل النجاة فردية والخسارة غير مرئية .

لا يمكن فهم الأثر النفسي كاستجابة فردية لحدث شخصي فقط، هو مؤشّر شخصي على بنية عيش مأزومة. أشكال القرابة التي أُنتجت للنجاة، لم تُمنح الشروط الاجتماعية والرمزية، التي تسمح لها بأن تُفقد بكرامة، ما يتحطّم في الداخل ليس القدرة على التحمّل، إنما القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
14.02.2026
زمن القراءة: 5 minutes

كانت النساء المثليات أقلّ استهدافاً طبّياً بالإيدز، وأحياناً أقلّ نبذاً عائلياً من الرجال المثليين، مُنحن هامش تحرّك نسبي، استخدمنه في ملء الفراغ للاستثمار سياسياً في البقاء كجماعة، وسّعت أزمة الإيدز الصحّية  مفهوم العائلة البديلة جذرياً حتى وقتنا الحالي، وأصبحت الرعاية هي المعيار للقرابة.

لم تكن العائلة البديلة في التجربة الكويرية الحديثة معطى طبيعياً، أو مساحة أمان تلقائية. فمنذ تشكّل المدن الصناعية الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في ذروة تشكّل الغرب الصناعي، كانت هجرة الأفراد الكويريين  إلى المدن ضرورة للنجاة، نتيجة انكشاف الهويّة أو الاشتباه بها، وليست هجرة داخلية ذات دوافع اقتصادية فقط، أو تحرراً رومانسياً من شكل العائلة التقليدي.

أنتجت هذه الضرورة انفصالاً عملياً عن العائلة البيولوجية، وولّدت معها شبكات قرابة غير بيولوجية: أصدقاء، عشّاق، بيوت، حانات، مقاهٍ، وحتى أمّهات وآباء رمزيون، أشكال من العائلات غير المعلنة بعد الانفصال الحتمي عن شكل العائلة التقليدي، الذي تطلّب اختراع أشكال قرابة بديلة داخل المدن الحديثة، التي غالباً ما تكون غير مستقرّة، لكنّها فعّالة داخل الواقع المعاش، كعلاقات تشبيك ولّدتها الهشاشة القانونية والاجتماعية أيضاً، كصيغة عيش مؤقّتة داخل عالم لا يعترف بقابليتهم للحياة. 

لم يتطوّر مفهوم العائلة البديلة بوصفها عائلة تعي بذاتها، حتى منتصف القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية في الخمسينيات والستينيات، مع موجة تصاعد القمع القانوني والطبّي. 

التجريم والعلاج القسري جعل من الانفصال عن العائلة البيولوجية أكثر شيوعاً، وبدأت الروابط البديلة تأخذ الطابع العائلي: سكن واقتصاد مشتركان، تضامن وسط الخطر، ورعاية في أوقات المرض، التي أخذت موقفها الحاسم في السبعينيات والثمانينيات مع الحركات النسوية، وحركات التحرّر الجنسي، التي بدأت تنتج خطاباً سياسياً وأشكالاً مختلفة من الحياة. 

لم تعد العائلة البديلة شبكة بقاء، أصبحت مضادّاً للعائلة النووية المعيارية، وأظهرت معها ” chosen family ” التي غيّرت مفهوم العائلة خارج إطار القرابة بالدم.  

ومع انتشار الإيدز في الثمانينيات، الكثير من الرجال المثليين تُركوا ليموتوا، بعدما تبرّأت منهم عائلاتهم، وأهملتهم الدولة، وبدأت المؤسّسة الطبّية تتعامل مع المرض كعقاب أخلاقي لا كأزمة صحّية. 

في هذا الفراغ قامت النساء المثليات بأدوار كانت تُعدّ خارج إطار نطاقهن، من التمريض والمرافقة، إلى الدفاع والتظاهر أمام المستشفيات، وصولاً إلى تنظيم الجنائز. هذه القرابة لم تعتمد على الدم أو العاطفة، كانت ذات طابع سياسي- أخلاقي وإدراك مشترك، أن مصير الجميع مرتبط داخل منظومة نبذ واحدة، وهنا لم تعد العائلة البديلة شبكة أمان، تحوّلت إلى اقتصاد  أمان ورعاية كويري. 

كانت النساء المثليات أقلّ استهدافاً طبّياً بالإيدز، وأحياناً أقلّ نبذاً عائلياً من الرجال المثليين، مُنحن هامش تحرّك نسبي، استخدمنه في ملء الفراغ للاستثمار سياسياً في البقاء كجماعة، وسّعت أزمة الإيدز الصحّية  مفهوم العائلة البديلة جذرياً حتى وقتنا الحالي، وأصبحت الرعاية هي المعيار للقرابة.

لكنّ هذا التاريخ الذي يستعاد بوصفه مساراً غربياً لتحرّر الهويّات الكويرية، لا يعمل كسردية منتهية أو منجزة، فالعائلة البديلة لم تكن نتيجة تحوّل ثقافي تقدّمي فقط، لكن كاستجابة متكرّرة لشروط قمع تتغيّر أشكالها ولا تختفي. خارج السياق الغربي، وفي أماكن لم تمرّ بتسلسل علني من الحركات التحرّرية و الاعتراف القانوني، تعود العائلة البديلة لتؤدّي وظيفتها الأولى: النجاة . 

العائلة البديلة بوصفها ممارسة يومية 

في السياقات غير الغربية، وخصوصاً في أماكن مثل العراق، لا تبدو العائلة البديلة امتداداً تاريخياً لمسار تحرّري متّصل، بقدر ما تتشكّل كاستجابة راهنة لعنف مضاعف، ولا يمكن تتبّع نشأتها بوصفها تاريخاً قابلاً للأرشفة، ليس بسبب قصور في البحث، لكن بسبب طبيعة هذه العائلات نفسها، التي تتكوّن بوصفها شبكات تواصل أكثر مما هي مساحات فيزيائية. 

فالقمع القانوني والاجتماعي للكويرية، إلى جانب الهشاشة الاقتصادية، جعل من العلاقات المشتركة والرعائية علاقات غير قابلة للتسجيل، لا تُنتج أثراً ثابتاً، ولا تترك سوى شذرات وحكايات بسيطة، غالباً ما ترتبط بالهجرة أو تُروى بعد النجاة. حكايات عن مساحات أمان تشكّلت ثم تفكّكت سريعاً بسبب القمع أو الملاحقة، ويظلّ الاستثناء النسبي لهذا الغياب محصوراً في أشكال توثيق أنتجتها طبقات اقتصادية أعلى، أتاح لها الاستقرار الاقتصادي والمحيط الاجتماعي من حولها أرشيفاً جزئياً لا يعكس تجربة الغالبية، بل يقدّم تمثيلاً طبقياً مميّزاً للعائلة البديلة في العراق.

في وقتنا الحالي، الانتقال إلى الفضاء الرقمي ليس تحوّلاً ثقافياً طوعياً، أو استجابة لحداثة تقنية، لكنّه ضرورة فرضتها الشروط المادّية والاجتماعية، فالعجز عن السكن المشترك مرتبط بعنف اقتصادي، وبتمييز جندري يجبر الأفراد على البقاء داخل العائلات البيولوجية، رغم عملها كأدوات ضبط اجتماعية لاستمرارية الهيمنة الأبوية، كما أن العيش المشترك حتى عندما يبدو ممكناً من الناحية المادّية، يبقى محاطاً بمخاطر اجتماعية وثقافية تجعل التشارك ذاته حالة انكشاف دائم. 

هذا الواقع أتاح للفضاء الرقمي إنتاج أشكال من القرب بدون وجود فيزيائي، وقرابة لا تترك أثراً مادّياً. لم يكن التواصل عبر الإنترنت تعويضاً ناقصاً عن العائلة البديلة، إنما الشكل الوحيد الذي أمكن من خلاله إنتاج الأمان، فتأسّست القرابة على المعرفة المتبادلة لا الحضور، معرفة من يمكن الوثوق به، من يوفّر المعلومة، من يحذّر من، من يتدخّل عند الضرورة. 

هكذا أصبحت العائلة البديلة شبكة تواصل تؤدّي وظائف الرعاية في الخفاء، لا يكون الأفراد المتواصلون/ ات عبر الإنترنت، أقلّ “عائلية”، لكنّهم/ ن أكثر انخراطاً بالنجاة تحت التهديد.

التواصل هنا هو عمليّة اجتماعية تنتج المعنى، والروابط منتجة لفضاءات تفاوض رمزية، تتشكّل وتنجو خلالها الهويّات اللامعيارية خارج إطار المؤسّسات، لكنّها أيضاً لا تنتج ذاتاً رمزية داخل المجال العامّ، فالعائلة البديلة وُجدت من أجل تجنّب الظهور في سياق يكون فيه الظهور العلني هو المخاطرة بالحياة، فيصبح التواصل أمنياً ووجودياً، لا اجتماعياً فقط . 

هذا التحوّل يعيد تعريف العائلة البديلة كشبكة علاقات خفيفة قابلة للتفكّك السريع، لا كمساحة دافئة للاستقرار، وظيفتها الأساسية مشاركة المعرفة من أجل تقليل المخاطر، لكنّ خفّتها هذه تجعلها شديدة الهشاشة، إذ يكفي رحيل فرد أو نجاته/ لتتعطّل المسارات المعرفية، وعلى الرغم من أن وظيفة هذه العوائل البديلة هي النجاة حتى الهروب، فالنجاة الفردية هنا خسارة جماعية غير معترف بها، فكلما نجح فرد بالخروج، ازدادت هشاشة من بقي بنيوياً. 

التفكّك لا يُرى من الخارج، لكنّه يختبَر داخلياً كفراغ معرفي ونفسي وأمني، وفي هذا السياق، تنتج العائلة البديلة نمط عيش وتواصل مصمّماً منذ البداية على افتراض التفكّك، لا  الاستمرارية التي يمكن اللجوء إليها، لكنّ التفكّك يستمرّ كأثر داخل الأفراد، دون أن يجد شكلاً اجتماعياً للظهور .

الحداد كأثر لبنية العيش المأزومة

الأثر الذي يُختبر داخلياً، والذي يتشكّل عند رحيل أحد أفراد العائلة البديلة، لا ينشأ لأن الأفراد هشّون، أو عاجزون عن التكيّف مع فقدان أحد الوسطاء الاجتماعيين، بل لأن البنية التي أُجبروا على العيش داخلها، تمنع تحويل الخسارة إلى حدث اجتماعي مفهوم، فما فُقد ليس علاقة معترف بها اجتماعياً، ولا موقعاً يمكن الإشارة إليه علناً، لذلك لا يملك الحداد مساراً للخروج، لا يوجد اسم لما حدث، ولا طقس يضبطه، النتيجة حالة نفسية غير مستقرّة وحزن غير واضح المعالم.

هذا الفراغ نتيجة حتمية للعنف البنيوي الواقع على الأفراد، لا يكتفي بحرمانهم من الأمان، بل يحرمهم أيضاً من لغة تفسير الألم، على الرغم من أن ما يشعرون به نتيجة منطقية لخسارة شبكة النجاة، النجاة هي الهدف، والهجرة هدف مشترك، لكنّ تحقيقه ينتج خسارة لا يمكن الاعتراف بها.

من يبقى/ تبقى في الداخل، يشعر أنه فقد شيئاً لا يحقّ له الحزن عليه، ومن يخرج يشعر بذنب لا يملك لغة للتعبير عنه، كلا الطرفين يُجبَر على الصمت، ويدفع ثمن بُنية صُمّمت لتجعل النجاة فردية والخسارة غير مرئية .

لا يمكن فهم الأثر النفسي كاستجابة فردية لحدث شخصي فقط، هو مؤشّر شخصي على بنية عيش مأزومة. أشكال القرابة التي أُنتجت للنجاة، لم تُمنح الشروط الاجتماعية والرمزية، التي تسمح لها بأن تُفقد بكرامة، ما يتحطّم في الداخل ليس القدرة على التحمّل، إنما القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك.