ضمن فعاليات مؤتمر “دعم وتنمية الاقتصاد المصري”، الذي انعقد في مارس/ آذار 2015 في مدينة شرم الشيخ، أُعلن تأسيس مدينة مصرية جديدة، الهدف منها أن تكون عاصمة إدارية جديدة للدولة المصرية.
وفقاً لهذا الإعلان تم إنشاء مدينة جديدة باسم “العاصمة الإدارية الجديدة” سنة 2016، بقرار رقم 57، وتم تخصيص أكثر من 166 ألف فدان شرق القاهرة، تحديداً على بعد 45 كيلومتراً تقريباً من المدينة القديمة.
إثر القرار تم تأسيس شركة تتولى عملية إنشاء المدينة عن طريق بيع الأراضي وتطويرها بما يتوافق وطبيعة العمران في المدن الجديدة، كانت تلك الشركة تجمع “هيئة المجتمعات العمرانية” الجديدة التابعة لوزارة الإسكان و”جهاز المشروعات الخدمة الوطنية” و”جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة”.
أثار قرار إنشاء العاصمة الجديدة حفيظة الكثير من المهتمين بالعمران في مصر، مما أنتج أسئلة تتعلق بجدوى إنشاء تلك المدينة الجديدة، وتأثيرها على الاقتصاد المصري، وكان جواب الحكومة على طول الخط، أن إنشاء المدينة الجديدة بمثابة حل لمشاكل التكدس المروري ومشاكل البنية التحتية والإسكان في المدينة القديمة، عن طريق استغلال الأراضي الصحراوية شرق القاهرة، وتوطين عدد كبير من المواطنين فيها.
“الأهداف” السابقة ستفكك الكثافة السكانية داخل أحياء المدينة القديمة، فضلاً عن ذلك، ستُخصص العاصمة الإدارية لكل الطبقات الاجتماعية كي تكون حلاً فعالاً ومستداماً للمشكلة الإسكانية في مصر، لكن يبقى السؤال الأهم هل ستكون العاصمة الإدارية حلاً مستداماً لمشاكل المدينة الإسكانية؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال عبر عدة معايير، أولها مدى سهولة الوصول إليها، فسهولة الوصول إلى المدن هي أولى المبادئ التي يمكن الحكم من خلالها على استدامتها من الناحية العمرانية من عدمها، ويمكن تحديد هذا الأمر من خلال المواصلات العامة داخل المدينة وخارجها بالإضافة إلى الطرق والشوارع فيها.
الجانب الاقتصادي أيضاً أمر بالغ الأهمية، ويتعلق بطبيعة الوحدات السكنية في المدينة، وإلى أي مدى يمكن للمواطن من الطبقة الوسطى شراء وحدة سكنية فيها، فضلاً عن ذلك، فإن الخدمات العامة مثل التعليم والصحة هي عوامل رئيسية للحكم على معيار تلك المدينة وتحديد ما إذا كانت تستهدف شرائح اجتماعية معينة أم كل الشرائح الاجتماعية. فطبيعة “العمل” داخل المدينة هو أحد أهم العوامل المؤثرة في ديمومة المدينة من عدمها.
عمران العاصمة: كيف تقسم المدينة؟
تنقسم المدينة إلى جزءين تقريباً شمالي وجنوبي، يقسمهما النهر الأخضر أو الحديقة المركزية التي تُعد واحدة من أكبر الحدائق المركزية في العالم، تخدم تلك المنطقة الخضراء الأحياء السكنية في المدينة الجديدة كمتنفس للهواء النقي فيها، فيما تأخذ الأحياء اسم R بدءاً من رقم 1 حتى رقم 8، وعدد من الأحياء الأخرى مثل الحي المالي والحي الحكومي فضلاً عن القصر الرئاسي والكيان العسكري، أحد أكبر المساحات العمرانية في المدينة.
تحوي المدينة مؤسسات أخرى سلطت الحكومة الضوء عليها، مثل أكبر مسجد وأكبر كنيسة وأطول ناطحة سحاب في إفريقيا، وقد لعبت تلك العوامل دوراً كبيراً في رسم الصورة الذهنية عن العاصمة الإدارية الجديدة.
من ناحية الإسكان، تعكس مؤشرات متوسط سعر المتر فيها واقعاً مغايراً عما تتحدث عنه الحكومة، فمتوسط سعر المتر فى الشقق السكنية يصل إلى 26.100 جنيه مصري، وتتعارض هذه الأرقام مع متوسط دخل المصريين في العام، إذا استثنينا حالة التضخم التي يمر بها الاقتصاد المصري بين فترة وأخرى جراء السياسة الاقراضية التي تنتهجها الدولة، لذلك فإن هذه الأرقام تعكس ابتعاد النسبة الكبيرة من المصريين عن شراء وحدات سكنية داخل تلك المدينة.
تروج الحكومة المصرية لفكرة السكن المتوسط للمصريين عن طريق مدينة بدر، المدينة التي تجاور العاصمة الإدارية الجديدة ويتم التعامل معها كمنطقة سكنية بديلة للباحثين عن سكن متوسط في العاصمة الإدارية الجديدة.
لكن تواجه مدينة بدر بعض المشاكل العمرانية التي يصعب حلها، أولها، بُعدها عن العاصمة الإدارية الجديدة، حيث تبعد عنها مسافة 15 كيلومتراً، وهي مدة يمكن أن تستغرق بالسيارة الخاصة من 25 إلى 30 دقيقة، بالإضافة إلى عدم توفر شبكة مواصلات تربط مدينة بدر بالعاصمة الجديدة، إلا في حالات استثنائية تستهدف بعض المناطق فقط داخل العاصمة.
ناهيك بأن متوسط سعر المتر في مدينة بدر يبلغ 6000 جنيه مصري، يتزايد بشكل مرتفع بسبب الزيادة المستمرة في أسعار العقارات في مصر، فضلاً عن التضخم، وبالتالي تقف أوضاع المدينة العمرانية عائقاً أمام سكن الناس فيها.
هل يسهل الوصول للعاصمة الجديدة؟
في حديث أجريته مع سعيد عبد الرحمن الموظف في إحدى الوزارات التي نقلت مقرها إلى العاصمة الإدارية، أشار إلى أن “الموظفين لا يعتمدون على المواصلات التي خصصتها الدولة لنقلهم إلى العاصمة الإدارية الجديدة”.
يقول عبد الرحمن إنه وعدد من زملائه “لجأوا إلى حل آخر، إذ اتفقوا مع ميكروباص ينقلهم يومياً إلى مقرات عملهم في العاصمة الإدارية، حيث يمر الميكروباص على منزل كل واحد منهم أو في نقطة قريبة منها، ثم يرجع مرة أخرى في نهاية اليوم ليوصلهم إلى النقطة نفسها”.
يتقاضى كل موظف في تلك الهيئات والوزارات التي نقلت مقارّها إلى العاصمة قيمة 2000 جنيه كبدل مواصلات، كما وفرت الدولة عدداً من المواصلات المختلفة نحو العاصمة، تجري على هذا المستوى، بداية من مترو الأنفاق الجديد حتى محطة عدلي منصور، ثم القطار السريع حتى محطة الفنون والثقافة، ثم عن طريق أتوبيسات مخصصة تنقلهم نحو مقارّ أعمالهم في المدينة، لكن يواجه الموظفون مشكلة جوهرية مع تلك الوسائل حيث أنها تستغرق وقتاً طويلاً حتى تصل إلى نهاية الخط، فضلاً عن ذلك فإنهم يواجهون مشكلة أكبر في الوصول إليها.
الوصول إلى محطة مترو قريبة أمراً ليس سهلاً إلى حد كبير، إذ إن المترو لا يغطي كل مناطق القاهرة الكبرى، وهو ما يجعل تكلفة هذه العملية كبيرة، لذلك يلجأ هؤلاء الموظفون وهو مثال واحد ضمن عشرات الأمثلة إلى هذا الحل.
يذكرنا هذا الحل بما لجأت إليه الدولة ذاتها في سبعينيات القرن الماضي، حين قننت المواصلات غير الرسمية لكي تساعد المواصلات الحكومية في تغطية خدمات النقل في المدينة، مما فتح الباب أمام الميكروباص ليصبح وسيلة نقل رئيسية داخل القاهرة.
وفقاً لدراسة البنك الدولي عن المواصلات في مصر عام 2014 فإن أتوبيسات النقل العام تشكل 2% من المواصلات العامة في مصر فيما تشكل الميكروباصات الخاصة نحو 14% من النسبة.
تعتمد المدن الجديدة مثل العاصمة، بشكل رئيسي على وسيلة نقل واحدة، وهي السيارة الخاصة، وهو أمر يعتمد على نوع الطبقة الاجتماعية التي تسكن المدينة، فلا يمكن لكل فئات المجتمع المصري أن تمتلك سيارة خاصة بهدف التنقل داخل المدينة الواحدة، فضلاً عن التنقل من مدينة إلى أخرى.
الخدمات العامة كمعيار
تشير أميرة الهاكع في مقالتها “العاصمة الإدارية الجديدة من منظور الشمول”، إلى أن جهود الحكومة المصرية في العاصمة الإدارية تدور حول جلب أكبر قدر من الاستثمارات والأموال، فيما تُنحي جانباً ما أسمته “السياسات التي يكون محورها الناس”، وهو ما يعوّق فكرة استمراريتها وشمولها الاجتماعي.
هناك دلائل ظاهرة لهذا الأمر تتضح بانعدام وجود الجامعات الحكومية في العاصمة الإدارية الجديدة، وتركيز حضور الجامعات الخاصة التي تستهدف طبقات اجتماعية عالية، يمكنها دفع مبالغ مالية طائلة في السنة الواحدة، وبالعملات الأجنبية أحياناً.
لا تحوي كذلك العاصمة الإدارية الجديدة سوى مستشفى حكومي واحد، وغابت عنها المدارس الحكومية أيضاً، فيما احتلت أحياءها المدارس الخاصة والأجنبية (وفي حالات أخرى نصف الحكومية).
لا يمكن تفسير ما سبق إلا في سياق استثماري يبحث عن جني الأموال بعيداً عن خدمات عامة تمثل أساساً من أسس الحياة في المدن.
ما مدى تأثير الناس في الأحياء الأخرى؟
تأتي هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة كواحدة من الهيئات التي شكلت شركة العاصمة الإدارية الجديدة، وتقوم بالأساس على خدمة المجتمعات العمرانية في المدن المصرية، من خلال تأسيس بنية تحتية صالحة، ورفع كفاءة الإسكان فيها، فضلاً عن إنشاء أحياء سكنية جديدة تكون فيها الوحدات السكنية المتوسطة أساساً رئيسياً في تكوينها وفقاً لما يُقر به القانون.
لكن بناءً على رصد طبيعة النفقات التي تتولاها “هيئة المجتمعات العمرانية” يبدو أن الكفة مائلة تماماً لصالح العاصمة الإدارية الجديدة، والأحياء الجديدة التي تخدم طبقات اجتماعية معينة دون الأخرى، وهو ما يزيد الأمر تعقيداً داخل الأحياء القديمة.
عام 2015 قام وزير الإسكان مصطفى مدبولي بتخصيص 5 مليار جنيه كمشاركة من “هيئة المجتمعات العمرانية” لإنشاء المدينة الجديدة، وعلى الرغم من أن الدولة أقرت في أكثر من مناسبة أن إنشاء العاصمة الإدارية لن يكلف الدولة جنيهاً واحداً، إلا أن هذه العملية وعمليات أخرى أثبتت عدم صحة تلك المعادلة.
تم تخصيص المبلغ السابق من أجل مد المدينة الوليدة بالبنية التحتية اللازمة لبدء عملية إنشائها، ومن أجل المزيد من تلك العمليات وافقت الحكومة في السنة نفسها على زيادة بنسبة 100% في ميزانية “هيئة المجتمعات العمرانية” الجديدة لتصل إلى 28 مليار جنيه مصري. في المقابل تم تخصيص 500 مليون جنيه فقط لتنمية الأحياء الفقيرة.
يركز يحيى شوكت في دراسته عن الإنفاق الحكومي في العمران لسنة 2016-2017، إلى أن الإنفاق الحكومي على المدن الجديدة في القاهرة الكبرى أكبر من التي تنفقه على الأحياء القائمة بالفعل، والتي بالمناسبة تحوي عدداً أكبر بكثير من السكان.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فشبكة الطرق والمحاور التي تم إنشاؤها في القاهرة لخدمة الوصول إلى المدينة الجديدة، كان لها تأثير كبير على تهجير السكان وتدمير المبانى السكنية فيها، إذ تم بناء عدد ضخم من الكباري (الجسور) في مناطق مثل مصر الجديدة، ومنطقة الإمام الشافعي والبساتين وصلاح سالم، لتكون بمثابة الطريق السهل الموصل للأحياء الجديدة شرق القاهرة، شكلت تلك العمليات تهديداً رئيسياً للسكان في تلك المناطق القديمة، وهو ما يجعل من فكرة استمراريتهم فيها أمراً مشكوكاً فيه.
تجربة عمرانية إقصائية
وفقاً لتصريح خالد عباس، فإن العاصمة الآن تخدم ألف أسرة فقط، يعكس هذا الأمر فشلاً كبيراً في استهداف الأرقام السكانية التي وضعتها الدولة لنفسها منذ الإعلان عن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، تبدو شوارع المدينة وكأنها خالية بالفعل من السكان، وسط أكوام هائلة من البنايات المرتفعة والوحدات السكنية الفارغة والطرق الطويلة والمباني الضخمة التي تروج لها الدولة باستماتة.
تأتي تلك المدينة على حساب حيوات مواطنين آخرين يعيشون في المدينة نفسها بمفهومها الواسع “القاهرة”، وعلى حساب مستقبلهم الاقتصادي كذلك، يمكن القول إن العاصمة الإدارية بما وضعته لنفسها من معايير صارمة في استقطاب فئة معينة، هي تجربة عمرانية إقصائية في المقام الأول، إذ تستهدف طبقة اجتماعية تستطيع أن تواكب الحياة اقتصادياً ومعيشياً فيها، تتوافق طبيعة حياتها مع ما تنتهجه الدولة سياسياً واقتصادياً، حتى لو جاء هذا على حساب فئة اجتماعية أخرى.










