ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“العالمان العربي والإسلامي”: وهمٌ وعجز و”بيانات” أمام الإبادة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يمكن الحديث عن “عالم عربي” فعلي، طالما أن وحداته السياسية تعاني هشاشة داخلية. البداية الحقيقية تكمن في التحول من أنظمة تسلطية إلى دول مؤسسات وقانون ومواطنين، لأن أي مواجهة خارجية لا معنى لها من دون جبهة داخلية صلبة، وأي احترام خارجي لن يُكتسب من دون احترام الدولة لمواطنيها أولاً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا تكمن مشكلة العالمين العربي والإسلامي في التسمية، وإنما في الايحاءات الافتراضية المخاتلة التي تقف خلفها، والتي تحاول التغطية على واقع العجز، وانعدام الفعالية، وتضارب المصالح، لمعظم الوحدات السياسية المشكلة للعالمين المذكورين.

ولعل أكثر مثالين يؤكدان ذلك، في ظرفنا الراهن، هما حرب الإبادة الجماعية الوحشية التي تشنّها إسرائيل ضد الفلسطينيين منذ عامين، والعدوان الإسرائيلي على دولة قطر، وكل ذلك أمام سمع ونظر العالمين المذكورين، اللذان لم يصدر عنهما أي حراك عملي، باستثناء التعبير عن إدانة إسرائيل، والتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين، ثم مع قطر، علما إنه تم عقد مثل تلك القمة مرتين أو ثلاثة في غضون العامين السابقين، لكن فاعليتها كانت تنتهي، في كل مرة، عند انفضاض الجمع، بعد القاء الكلمات، وإصدار البيانات، والتصريح بمجرد توعدات، ما يشكل فضيحة بكل معنى الكلمة. 

بداية لنلاحظ أن العالمين العربي والإسلامي، والحديث عن عشرات الدول (57 دولة)، بعدد سكان يناهز 2 مليار نسمة، في 32 مليون كيلو متر مربع، ضمنها بلدان عربية تستحوذ على 500 مليون نسمة، يعيشون في 12 مليون كيلومتر مربع، مع ثروات باطنية هائلة، وقوة اقتصادية تقارب في ناتجها السنوي الاجمالي 10 ترليون دولار، وكل ذلك في مواجهة إسرائيل، التي تعتبر من أصغر الدول في العالم، بعدد سكانها، وحجمها، رغم قوتها الاقتصادية نسبيا.

ليس القصد من كل ما تقدم نفخ مزيد من الأوهام، في شأن قوة العالمين العربي والإسلامي، وإنما التأكيد بأن المعطيات الكمية في ظرفنا الراهن، لم تعد تفيد شيئا، وحتى في التاريخ” يمكننا ملاحظة أن دولة مثل بريطانيا العظمى فعليا، الصغيرة من حيث المساحة (ربع مليون كيلو متر مربع)، كانت تعرف بـ “الامبراطورية لا تغرب عنها الشمس”، إذ بلغت مساحتها أواخر القرن التاسع عشر 35 مليون كيلومتر مربع، ضمنها الهند، مثلا، التي خضعت لاحتلال بريطانيا لحوالي 200 سنة، مع عشرات الدول في اسيا وأفريقيا وأمريكا. 

أيضا، ليس من شأن الجردة السابقة الإيحاء بانتهاج خيار عسكري، لسبب بسيط مفاده إن من يملك مفاتيح القوة العسكرية في عالم اليوم، ليس صاحب عدد الجنود الأكثر أو المساحة الأوسع، أو صاحب المال الأوفر، وإنما الذي يمتلك ناصية العلوم والتكنولوجيا والقوة الاقتصادية وإدارة الموارد البشرية، بالطريقة الأمثل والأنجع، وللأسف فهذه معظمها في يد الدول الغربية الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة، التي تضمن تفوق وأمن إسرائيل، كما بينت التجربة.

إلى ذلك، لا يفترض أن يفهم مما تقدم أن هذه دعوة لاستسلام أحد، بحسب بعض الخطابات، أو التوهمات، أو المزايدات، ولا يستنتج منها، أيضا، التعويل على القرارات الدولية، إذ تبين في التجربة، كما لاحظنا، مؤخرا، في قصة “اعلان نيويورك” بشأن شرعنة حق الفلسطينيين بإقامة دولة لهم، أن الولايات المتحدة، وبضعة دول هامشية وصغيرة، وقفت ضد 142 دولة، ضمنها أربع دول أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، علما إن ثمة قرار صدر عن مجلس الأمن الدولي ينص على إقامة دولة فلسطينية (القرار 1397/لعام 2002) لكنه ظل حبيس الأدراج. وكنا لاحظنا أن ذلك تكرر في مداولات مجلس الامن الدولي الذي عقد على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطر، إذ لم يصدر هذا المجلس أي قرار، مكتفيا بمجرد إعلان مبتور، إذ أدان الاعتداء على مدنيين، وعلى سيادة قطر، من دون أن يذكر إسرائيل كدولة معتدية! 

تبقى فكرة السلام، التي مازال العالم كله، وضمنه العربي والإسلامي، يتحدث عنها كلازمة في كل البيانات، متناسيا أن حرب تشرين 1 (1973) كانت اخر الحروب العربية ـ الإسرائيلية، إذ العالم العربي انتقل بالجملة، بعدها، نحو الاعتراف بإسرائيل، ثم تطور ذلك إلى حد الاستعداد لإقامة علاقات تعاون في كل المجالات معها، وفق مؤتمرات القمة الاقتصادية، التي عقدت في الدار البيضاء والدوحة والقاهرة وعمان، في سياق المفاوضات متعددة الطرف التي عقدت في عقد التسعينيات، وانتقل ذلك إلى مستوى اعلى مع قرار القمة العربية في بيروت (2002) للاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، بشكل جماعي.

وكما بات معلوما، فإن ردة فعل إسرائيل على كل تلك التحولات اتت جلفة، وعنجهية، وبحسب نتنياهو مثلا، فإن إسرائيل ستفرض السلام الذي تريد بالقوة، وهو الذي صرح علنا بأنه يحلم بإسرائيل الكبرى، التي تضم أراض من سوريا ولبنان والأردن ومصر، مع محاولاته الحثيثة لهندسة الوضع في المشرق العربي (خاصة سوريا ولبنان)، بواسطة ذراعه العسكرية الطويلة، وبتدخلاته في الشؤون الداخلية، بزعم “حماية الأقليات”، لفرض مشرق عربي متطبع بطابع إسرائيل، بوصفها دولة يهودية طائفية واثنية.  

في الحقيقة، فإن ما يغفل عنه أرباب النظامين العربي والإسلامي أن إسرائيل لا تتميز، أو لا تتمتع بقوة مضافة، فقط، من العلاقة الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تقدم لها الدعم اللامحدود السياسي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، إذ هي تتميز، أو تتفوق، أيضا، بطريقة استثمارها لمواردها البشرية والاقتصادية، وبطبيعة نظام الحكم فيها، الذي يجعل من مواطنيها اليهود، المتحدرين من عشرات القوميات، والبلدان، مع لغات متعددة، وخلفيات يهودية مذهبية مختلفة، وبرغم تضارب الايدلوجيات، يشكلون مجتمعا متمحورا على ذاته، يضمن المشاركة السياسية لمواطنيها اليهود في نظام ديمقراطي. 

الآن، لندع العالم الإسلامي جانبا لأنه في أغلبه مجرد حالة هشة، وجسم افتراضي، وهو لم يثبت يوما، في سياق الصراع ضد إسرائيل، ولنركز على العالم العربي الذي يعاني نقصا أساسيا، وعضويا، في جانبين: الأول، النقص في تمكين المواطنة. ثانيا، النقص في تمكين الدولة. هذا على خلاف ما جاء في “تقارير التنمية الإنسانية العربية”، التي صاغها بعض خيرة الأكاديميين وعلماء الاجتماع العرب، وأحالوا أسباب تعثر العالم العربي إلى نقص الحرية ونقص المعرفة ونقص تمكين المرأة، فقط، ليس لجهل منهم بالنقصين المذكورين، وإنما بسبب القيود الرسمية، المحيطة بهذا العمل آنذاك، وأيضا بسبب لا مبالاة معظم التيارات الأيدلوجية العربية (القومية واليسارية والإسلامية) لفكرة نقص المواطنة، ونقص الدولة، في واقع هيمنت، أو تغولت، فيه السلطات العربية القائمة الدولة.

القصد من كل ما تقدم أنه لا يمكن الحديث عن عالم عربي لأن الوحدات المشكلة له تعتورها عديد من النواقص، ما يفترض بداية فتح مسار التحول من أنظمة تسلطية إلى دول بمعنى الكلمة، أي دول مؤسسات وقانون ومواطنين، فهذه هي البداية الضرورية، لوعي الذات، والواقع، والعالم، لمعرفة الضرورات والاولويات والامكانيات، التي تبدأ من الداخل، قبل أي مواجهة مع الخارج، إذ لا يمكن الحديث عن مواجهة أي تحدي خارجي، مهما كان حجمه، ونوعه، دون وضع داخلي، ولا يمكن حيازة أي احترام من أي طرف خارجي، بدون احترام أي دولة لذاتها، ولقدراتها، ولمواطنيها، إذ إن هذا الأمر هو الذي يحصن الدولة، أية دولة، ضد التدخلات والابتزازات والتهديدات الخارجية.

الآن، يمكن أن نلاحظ وقاحة ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الذي أتى لإسرائيل، وزار بعض المواقع الحساسة في القدس الشرقية، مؤكدا على أن العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، لا يمكن ان تمس مهما حدث، وذلك بعد العدوان الإسرائيلي على قطر، وفي ظل الحرب الوحشية التي تواصل شنها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وبعد العربدة الأمريكية في مجلس الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد ثلاثة أرباع الدول الأعضاء فيها.

لكن المسألة لا تتوقف عند روبيو، أو عند الرئيس ترامب ذاته، إذ إنها تشمل أرباب النظام العربي، الذين يصرون على انهم يأخذون في الاعتبار مصالح بلادهم، أو شعوبهم، في حين إنهم يتصرفون، من الناحية العملية، كأصحاب مصلحة في السلطة، وهذا ما يفسر القفز عن الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل، أو تجاهله، أو التعامل معه كشيء عادي، ويشمل ذلك تجاهل دور القواعد الأمريكية في المنطقة كلها، وضمنها قاعدة “العيديد” في قطر، التي لم تفعل شيئا، وهي لن تفعل شيئا بالطبع، في مواجهة إسرائيل لأنها لم تصمم لتلك الوظيفة.

ولعل المشكلة هنا تكمن في محاولة الاستخفاف بالعقول بادعاء أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم بالغارة على قطر، أو انها أبلغت بشكل متأخر، فهذه تقولات للحجب والمواربة والتلاعب، وليس أكثر، وهو أمر شائن، ومضر، لكنه يكشف طبيعة السلطة في العالم العربي، وما يزيد الطين بلة اقتناع أسياد قطر بأن بلادهم في علاقة متميزة مع الولايات المتحدة، وإن ثمة اتفاقية دفاع مشترك بينهم وبينها، وهذا من غرائب هذا الزمان، فها هي الولايات المتحدة لم تدافع عن قطر، لذا فإن قطر ربما لن تدافع بدورها عن الولايات المتحدة، مستقبلا، ولعله  كان الأجدى أو الأنسب، في هذا المقام، التزام الصمت عن ذلك الادعاء.

لم يفعل العالم العربي ولا الإسلامي شيئا لوقف حرب الإبادة والتجويع والتشريد والتركيع التي تشنها إسرائيل منذ عامين على الفلسطينيين، ولا يوجد، للأسف، أي أثر عملي لأي موقف صادر عن الأنظمة للتخفيف من نكبة الفلسطينيين أو من نكبة أو مصيبة أي شعب أخر، لذا يفترض طي صفحة هكذا تسميات افتراضية، لهكذا عوالم هشة وعاجزة غير فاعلة، ونبذ الأوهام والمراهنات المبنية عليها، فلشعوب العربية المغلوبة على أمرها في واد والأنظمة في واد اخر.

18.09.2025
زمن القراءة: 6 minutes

لا يمكن الحديث عن “عالم عربي” فعلي، طالما أن وحداته السياسية تعاني هشاشة داخلية. البداية الحقيقية تكمن في التحول من أنظمة تسلطية إلى دول مؤسسات وقانون ومواطنين، لأن أي مواجهة خارجية لا معنى لها من دون جبهة داخلية صلبة، وأي احترام خارجي لن يُكتسب من دون احترام الدولة لمواطنيها أولاً.

لا تكمن مشكلة العالمين العربي والإسلامي في التسمية، وإنما في الايحاءات الافتراضية المخاتلة التي تقف خلفها، والتي تحاول التغطية على واقع العجز، وانعدام الفعالية، وتضارب المصالح، لمعظم الوحدات السياسية المشكلة للعالمين المذكورين.

ولعل أكثر مثالين يؤكدان ذلك، في ظرفنا الراهن، هما حرب الإبادة الجماعية الوحشية التي تشنّها إسرائيل ضد الفلسطينيين منذ عامين، والعدوان الإسرائيلي على دولة قطر، وكل ذلك أمام سمع ونظر العالمين المذكورين، اللذان لم يصدر عنهما أي حراك عملي، باستثناء التعبير عن إدانة إسرائيل، والتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين، ثم مع قطر، علما إنه تم عقد مثل تلك القمة مرتين أو ثلاثة في غضون العامين السابقين، لكن فاعليتها كانت تنتهي، في كل مرة، عند انفضاض الجمع، بعد القاء الكلمات، وإصدار البيانات، والتصريح بمجرد توعدات، ما يشكل فضيحة بكل معنى الكلمة. 

بداية لنلاحظ أن العالمين العربي والإسلامي، والحديث عن عشرات الدول (57 دولة)، بعدد سكان يناهز 2 مليار نسمة، في 32 مليون كيلو متر مربع، ضمنها بلدان عربية تستحوذ على 500 مليون نسمة، يعيشون في 12 مليون كيلومتر مربع، مع ثروات باطنية هائلة، وقوة اقتصادية تقارب في ناتجها السنوي الاجمالي 10 ترليون دولار، وكل ذلك في مواجهة إسرائيل، التي تعتبر من أصغر الدول في العالم، بعدد سكانها، وحجمها، رغم قوتها الاقتصادية نسبيا.

ليس القصد من كل ما تقدم نفخ مزيد من الأوهام، في شأن قوة العالمين العربي والإسلامي، وإنما التأكيد بأن المعطيات الكمية في ظرفنا الراهن، لم تعد تفيد شيئا، وحتى في التاريخ” يمكننا ملاحظة أن دولة مثل بريطانيا العظمى فعليا، الصغيرة من حيث المساحة (ربع مليون كيلو متر مربع)، كانت تعرف بـ “الامبراطورية لا تغرب عنها الشمس”، إذ بلغت مساحتها أواخر القرن التاسع عشر 35 مليون كيلومتر مربع، ضمنها الهند، مثلا، التي خضعت لاحتلال بريطانيا لحوالي 200 سنة، مع عشرات الدول في اسيا وأفريقيا وأمريكا. 

أيضا، ليس من شأن الجردة السابقة الإيحاء بانتهاج خيار عسكري، لسبب بسيط مفاده إن من يملك مفاتيح القوة العسكرية في عالم اليوم، ليس صاحب عدد الجنود الأكثر أو المساحة الأوسع، أو صاحب المال الأوفر، وإنما الذي يمتلك ناصية العلوم والتكنولوجيا والقوة الاقتصادية وإدارة الموارد البشرية، بالطريقة الأمثل والأنجع، وللأسف فهذه معظمها في يد الدول الغربية الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة، التي تضمن تفوق وأمن إسرائيل، كما بينت التجربة.

إلى ذلك، لا يفترض أن يفهم مما تقدم أن هذه دعوة لاستسلام أحد، بحسب بعض الخطابات، أو التوهمات، أو المزايدات، ولا يستنتج منها، أيضا، التعويل على القرارات الدولية، إذ تبين في التجربة، كما لاحظنا، مؤخرا، في قصة “اعلان نيويورك” بشأن شرعنة حق الفلسطينيين بإقامة دولة لهم، أن الولايات المتحدة، وبضعة دول هامشية وصغيرة، وقفت ضد 142 دولة، ضمنها أربع دول أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، علما إن ثمة قرار صدر عن مجلس الأمن الدولي ينص على إقامة دولة فلسطينية (القرار 1397/لعام 2002) لكنه ظل حبيس الأدراج. وكنا لاحظنا أن ذلك تكرر في مداولات مجلس الامن الدولي الذي عقد على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطر، إذ لم يصدر هذا المجلس أي قرار، مكتفيا بمجرد إعلان مبتور، إذ أدان الاعتداء على مدنيين، وعلى سيادة قطر، من دون أن يذكر إسرائيل كدولة معتدية! 

تبقى فكرة السلام، التي مازال العالم كله، وضمنه العربي والإسلامي، يتحدث عنها كلازمة في كل البيانات، متناسيا أن حرب تشرين 1 (1973) كانت اخر الحروب العربية ـ الإسرائيلية، إذ العالم العربي انتقل بالجملة، بعدها، نحو الاعتراف بإسرائيل، ثم تطور ذلك إلى حد الاستعداد لإقامة علاقات تعاون في كل المجالات معها، وفق مؤتمرات القمة الاقتصادية، التي عقدت في الدار البيضاء والدوحة والقاهرة وعمان، في سياق المفاوضات متعددة الطرف التي عقدت في عقد التسعينيات، وانتقل ذلك إلى مستوى اعلى مع قرار القمة العربية في بيروت (2002) للاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، بشكل جماعي.

وكما بات معلوما، فإن ردة فعل إسرائيل على كل تلك التحولات اتت جلفة، وعنجهية، وبحسب نتنياهو مثلا، فإن إسرائيل ستفرض السلام الذي تريد بالقوة، وهو الذي صرح علنا بأنه يحلم بإسرائيل الكبرى، التي تضم أراض من سوريا ولبنان والأردن ومصر، مع محاولاته الحثيثة لهندسة الوضع في المشرق العربي (خاصة سوريا ولبنان)، بواسطة ذراعه العسكرية الطويلة، وبتدخلاته في الشؤون الداخلية، بزعم “حماية الأقليات”، لفرض مشرق عربي متطبع بطابع إسرائيل، بوصفها دولة يهودية طائفية واثنية.  

في الحقيقة، فإن ما يغفل عنه أرباب النظامين العربي والإسلامي أن إسرائيل لا تتميز، أو لا تتمتع بقوة مضافة، فقط، من العلاقة الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تقدم لها الدعم اللامحدود السياسي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، إذ هي تتميز، أو تتفوق، أيضا، بطريقة استثمارها لمواردها البشرية والاقتصادية، وبطبيعة نظام الحكم فيها، الذي يجعل من مواطنيها اليهود، المتحدرين من عشرات القوميات، والبلدان، مع لغات متعددة، وخلفيات يهودية مذهبية مختلفة، وبرغم تضارب الايدلوجيات، يشكلون مجتمعا متمحورا على ذاته، يضمن المشاركة السياسية لمواطنيها اليهود في نظام ديمقراطي. 

الآن، لندع العالم الإسلامي جانبا لأنه في أغلبه مجرد حالة هشة، وجسم افتراضي، وهو لم يثبت يوما، في سياق الصراع ضد إسرائيل، ولنركز على العالم العربي الذي يعاني نقصا أساسيا، وعضويا، في جانبين: الأول، النقص في تمكين المواطنة. ثانيا، النقص في تمكين الدولة. هذا على خلاف ما جاء في “تقارير التنمية الإنسانية العربية”، التي صاغها بعض خيرة الأكاديميين وعلماء الاجتماع العرب، وأحالوا أسباب تعثر العالم العربي إلى نقص الحرية ونقص المعرفة ونقص تمكين المرأة، فقط، ليس لجهل منهم بالنقصين المذكورين، وإنما بسبب القيود الرسمية، المحيطة بهذا العمل آنذاك، وأيضا بسبب لا مبالاة معظم التيارات الأيدلوجية العربية (القومية واليسارية والإسلامية) لفكرة نقص المواطنة، ونقص الدولة، في واقع هيمنت، أو تغولت، فيه السلطات العربية القائمة الدولة.

القصد من كل ما تقدم أنه لا يمكن الحديث عن عالم عربي لأن الوحدات المشكلة له تعتورها عديد من النواقص، ما يفترض بداية فتح مسار التحول من أنظمة تسلطية إلى دول بمعنى الكلمة، أي دول مؤسسات وقانون ومواطنين، فهذه هي البداية الضرورية، لوعي الذات، والواقع، والعالم، لمعرفة الضرورات والاولويات والامكانيات، التي تبدأ من الداخل، قبل أي مواجهة مع الخارج، إذ لا يمكن الحديث عن مواجهة أي تحدي خارجي، مهما كان حجمه، ونوعه، دون وضع داخلي، ولا يمكن حيازة أي احترام من أي طرف خارجي، بدون احترام أي دولة لذاتها، ولقدراتها، ولمواطنيها، إذ إن هذا الأمر هو الذي يحصن الدولة، أية دولة، ضد التدخلات والابتزازات والتهديدات الخارجية.

الآن، يمكن أن نلاحظ وقاحة ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الذي أتى لإسرائيل، وزار بعض المواقع الحساسة في القدس الشرقية، مؤكدا على أن العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، لا يمكن ان تمس مهما حدث، وذلك بعد العدوان الإسرائيلي على قطر، وفي ظل الحرب الوحشية التي تواصل شنها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وبعد العربدة الأمريكية في مجلس الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد ثلاثة أرباع الدول الأعضاء فيها.

لكن المسألة لا تتوقف عند روبيو، أو عند الرئيس ترامب ذاته، إذ إنها تشمل أرباب النظام العربي، الذين يصرون على انهم يأخذون في الاعتبار مصالح بلادهم، أو شعوبهم، في حين إنهم يتصرفون، من الناحية العملية، كأصحاب مصلحة في السلطة، وهذا ما يفسر القفز عن الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل، أو تجاهله، أو التعامل معه كشيء عادي، ويشمل ذلك تجاهل دور القواعد الأمريكية في المنطقة كلها، وضمنها قاعدة “العيديد” في قطر، التي لم تفعل شيئا، وهي لن تفعل شيئا بالطبع، في مواجهة إسرائيل لأنها لم تصمم لتلك الوظيفة.

ولعل المشكلة هنا تكمن في محاولة الاستخفاف بالعقول بادعاء أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم بالغارة على قطر، أو انها أبلغت بشكل متأخر، فهذه تقولات للحجب والمواربة والتلاعب، وليس أكثر، وهو أمر شائن، ومضر، لكنه يكشف طبيعة السلطة في العالم العربي، وما يزيد الطين بلة اقتناع أسياد قطر بأن بلادهم في علاقة متميزة مع الولايات المتحدة، وإن ثمة اتفاقية دفاع مشترك بينهم وبينها، وهذا من غرائب هذا الزمان، فها هي الولايات المتحدة لم تدافع عن قطر، لذا فإن قطر ربما لن تدافع بدورها عن الولايات المتحدة، مستقبلا، ولعله  كان الأجدى أو الأنسب، في هذا المقام، التزام الصمت عن ذلك الادعاء.

لم يفعل العالم العربي ولا الإسلامي شيئا لوقف حرب الإبادة والتجويع والتشريد والتركيع التي تشنها إسرائيل منذ عامين على الفلسطينيين، ولا يوجد، للأسف، أي أثر عملي لأي موقف صادر عن الأنظمة للتخفيف من نكبة الفلسطينيين أو من نكبة أو مصيبة أي شعب أخر، لذا يفترض طي صفحة هكذا تسميات افتراضية، لهكذا عوالم هشة وعاجزة غير فاعلة، ونبذ الأوهام والمراهنات المبنية عليها، فلشعوب العربية المغلوبة على أمرها في واد والأنظمة في واد اخر.