ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

العالم يقولها مرة واحدة: “لا مزيد من اللاجئين!”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في عالمٍ يزداد اضطرابه سياسياً ومناخياً ومعه قدرته على توليد اللاجئين، تُبتكَر الكوابيس الجديدة لتقع على من نالوا نصيبهم الأكبر من الكوابيس قبل خوض رحلة اللجوء نفسها، ولا نقصَ في توريد الأقنعة والسكاكين والقوارب السريعة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يتعامل الناس في البداية بجدّية بالغة مع الحكاية القائلة إنه بمجرد وصول طالبي اللجوء إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، تطاردهم فوراً مجموعات من “الرجال الملثمين” المُكلَّفين باختطافهم، إذ واجه الصحافيون الاستقصائيون والحقوقيون الذين كشفوا تلك القصص أولاً، عبئاً إضافياً لإضفاء المصداقية على تلك القصص.

انتشرت بعد ذلك التقارير والإشاعات تباعاً حول العمليات السرية التي اتضح أن السلطات اليونانية تمارسها لسنوات، لكن فكرة وجود “بلطجية” مُعتَمدين من الدولة يتجولون ويضربون المهاجرين ويلقون بهم في صناديق السيارات ويجبرونهم على العودة إلى القوارب، كانت أكثر مما يمكن للعالم تصديقه، خصوصاً عندما يأتي من دولة تابعة للاتحاد الأوروبي، حيث تسود دول القانون.

أجرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مقابلةً مع الحقوقي النمساوي فيّاض مُلّا كجزء من فيلمها الوثائقي الذي حمل عنوان “الهدوء التام: القتل في البحر الأبيض المتوسط؟”، والذي يبدأ بالسؤال وينتهي بالحقائق؛ لقد حوّل خفر السواحل اليوناني الحق المعترف به دولياً للاجئين في التقدم بطلب اللجوء إلى لعبة مُريضة من قُماشة “سكويد جيم”، يُطارد فيها كل رجل وامرأة وطفل يهبطون من دون دعوة في أرخبيل البلاد، كجزء من جهدٍ يبدو مُنَسّقاً لحرمانهم من حقوق اللجوء.

بدلاً من أن تكون استثناءً، يتبيّن مع مضيّ الأيام، أن الاستراتيجية اليونانية نموذج مميز في ما يمكن وصفه بـ “الحرب العالمية على طالبي اللجوء”. من فنزويلا إلى المكسيك إلى ليبيا إلى المجر إلى اليابان، نشهد جهداً شبه منسق بين البلدان الغنية لإلغاء إحدى المسؤوليات القانونية القليلة التي يتحمّلها أثرياء العالم والميسورون منه تجاه فقرائه ومُصابيه الذين يدفع جزء يسيرٌ منهم ثمن أفعال الفريق الأول.

مقطع الفيديو الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عام 2023، الذي أظهر رجلاً مُقنّعاً يرتدي زياً رسمياً ويعيد طفلاً إلى قارب في اليونان، يشكّل وحده دليلاً قاطعاً، لكن المحلّلين والاستقصائيين جمعوا أيضاً قدراً هائلاً من الأدلة الظرفية التي تكشف نمطاً لا تنصُّل منه.

 مؤسسة “فورينزيك أركيتكتشر” للتحقيقات البصرية، رسمت خريطة لأكثر من 2000 حالة لما تسميه “الانجرافات” من المياه الإقليمية اليونانية بين عامي 2020 و2023. وينطوي السواد الأعظم من تلك الحالات على قصة خيوطها بسيطة وواضحة: بمجرد القبض على المهاجرين من الرجال الملثمين، يوضعون في قوارب مطاطية من دون محركات ودفعهم – حرفياً – نحو المياه الإقليمية التركية. وبدلاً من طرد السلطات الأشخاص بشكل مباشر، وفقاً لـ “فورينزيك أركيتكتشر”، فإن العوامل الطبيعية والمميزات الجغرافية لأرخبيل بحر إيجه – بما في ذلك التيارات والأمواج والرياح والصخور غير المأهولة – تنفّذ عملية الطرد، ما يخلق مساحةً فاصلةً بين الجناة وتأثير أفعالهم المميتة.

 تحصي المجموعة البحثية 55445 شخصاً طُردوا بهذا الأسلوب على مدى ثلاث سنوات، بما في ذلك 24 حالة وفاة و17 حالة اختفاء.

لم يشمل ذاك الإحصاء حادثة غرق سفينة المهاجرين أدريانا الشهيرة في يونيو/ حزيران 2023 في البحر الأبيض المتوسط، والتي راح ضحيتها أكثر من 600 شخص. وكما روى ناجو تلك الكارثة الإنسانية في وثائقي بي بي سي آنف الذكر. وفي تحقيقاتٍ أخرى، كان خفر السواحل اليوناني بطيئاً للغاية في الاستجابة لكارثة السفينة، الى درجة أن الإهمال الذي بدا كتقاعس في البداية تحوَّل إلى نية خبيثة. وفي النهاية، يختٌ مكسيكيٌّ فاخرٌ مملوك للمكسيك هو من أنقذ السفينة. 

خفر السواحل اليوناني لم يكن المسؤول الوحيد عن كارثة أدريانا؛ إذ إنَّ اليونان جزءٌ من الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي لديه “فرونتكس”، وكالة حرس الحدود والسواحل. وفي مقرها البولندي، كانت فرونتكس تراقب الوضع، لكن هذا لم يفد الركاب على متن أدريانا كثيراً، وتحت ضغط من هيئة الإذاعة البريطانية لإدانة الممارسات الموثّقة لخفر السواحل اليوناني، غادر ضابط الحقوق الأساسية في فرونتكس جوناس جريمهيدن موقع التصوير.

“حراسة” الحدود غير الأوروبيّة

تمثّل اليونان الزاوية الجنوبية الشرقية للاتحاد الأوروبي، ويتم التعامل معها على أنها خط الدفاع الأول، وتُلقى على عاتقها مسؤولية صدّ أكبر عدد ممكن من المهاجرين عن أوروبا. إلا أنَّ أوروبا لا تموّل الجانب اليوناني فحسب: فقد أرسل الاتحاد الأوروبي أكثر من 10 مليارات دولار من المساعدات إلى تركيا، وهي دولة غير عضو، للمساعدة في “حراسة الحدود”، وهي إحدى أوراق إردوغان التي باتت مكشوفةً في تعامله مع الأوروبيين. وذهبت مليارات أخرى إلى مصر وتونس وموريتانيا، وذلك كله بهدف تقليل عدد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى مكان ما داخل الاتحاد الأوروبي حيث يمكنهم ممارسة حقوقهم التي لا تنتهك، ولا يهمّ كيف يتم ذلك.

سلطت القصص اليونانية الضوء على الظاهرة وفتحت صندوق باندورا. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2023، كشف تحقيق أُنجز بالتعاون بين “سراج” و”لايتهاوس ريبورتس” و”مالطا توداي” و”دير شبيغل”، عن تعاون بين قوات خفر السواحل الأوروبية وسفينة “طارق بن زياد” التابعة لقوات الجنرال الليبي خليفة حفتر لمضايقة قوارب اللاجئين وإعادتهم إلى ليبيا ليستفرد بهم عناصر ميليشيات حفتر، يطعمونهم الأرز المطبوخ بمياه البحر، يعذبونهم ويطلبون الفدية من ذوي من يبقى منهم.

بعدها بأشهر قليلة، يكشف تحقيق آخر أجرته مؤسسة “لايتهاوس ريبورتس” بالتعاون مع صحف “لوموند” و”أوبزرفر” و”دير شبيغل”، أن الحكومة البريطانية أقنعت فرنسا بـ “إيقاف القوارب” المتّجهة نحو سواحلها عبر القنال مقابل 500 مليون جنيه إسترليني. ليبدأ ضباط الشرطة الفرنسية بتنفيذ ما يسمى “عمليات الانسحاب”، أو بشكلٍ أدق: الإغراق، في القناة، من خلال تحرّكات تعكس التكتيكات القاتلة وغير القانونية المستخدمة في بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط ​​​​من خفر السواحل اليوناني والليبي. 

كل ما سبق يضاف إلى البرنامج الذي عملت عليه الحكومة البريطانية لسنواتٍ لإرسال طالبي اللجوء إليها إلى رواندا، والذي أُجهض مع وصول حزب العمل إلى الحكم. إضافةً إلى أعمال الشغب التي تثور لدى الثنائي الفرانكفوني بين الحين الآخر في وجه المهاجرين.

وفي أيار/ مايو الفائت، وفي تحقيق من “لايتهاوس ريبورتس” أيضاً، تكشَّف أن أوروبا تموِّل عن علم، وفي بعض الحالات تشارك بشكل مباشر في احتجاز وطرد مجتمعات سوداء على أساس عرقي ممنهج في ثلاث دول على الأقل في شمال إفريقيا، وهي المغرب وموريتانيا وتونس، حيث يتم القبض على اللاجئين والعمال المهاجرين، بعضهم في طريقهم إلى أوروبا، وكذلك الأشخاص الذين يتمتعون بوضع قانوني وسبل عيش مستقرة في هذه البلدان، على أساس لون بشرتهم، وتحميلهم في حافلات ونقلهم إلى وسط اللامكان، غالباً في قلب الصحراء الأفريقية.

 هناك، يُترَك هؤلاء من دون أي مساعدة أو ماء أو طعام، ما يجعلهم معرضين لخطر الاختطاف والابتزاز والتعذيب والعنف الجنسي، وفي أسوأ الحالات، الموت. ويُؤخذ آخرون إلى مناطق حدودية، حيث يُقال إن السلطات تبيعهم إلى المتاجرين بالبشر والعصابات التي تعذبهم مقابل فدية.

أزمة حدود المكسيك

في نصف الكرة الآخر، لا يقلّ الوضع جنوناً، إذ تعمل المكسيك كخط دفاع عن الولايات المتحدة في وجه موجات المهاجرين القادمين من مختلف أصقاع المعمورة طمعاً بالحلم الأميركي. وصحيحٌ أن الرئيس الحالي جو بايدن المُنسحب من السباق الرئاسي، حدّ من سياسة “البقاء في المكسيك” التي بدأت في عهد ترامب، لكن أمره الصادر في حزيران/ يونيو الفائت بوقف معالجة طلبات اللجوء على الحدود الجنوبية لم يقلّ تأثيراً. 

وكما هي الديناميكية الأوروبية-اليونانية، تبنّت المكسيك، بضغطٍ أميركي، سياسة دفع المهاجرين إلى جنوب البلاد، والاعتماد على الرحلة الطويلة والشاقّة لثني الأشخاص الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة من أميركا الوسطى والجنوبية. إذ نقلت وكالة أسوشييتد برس في هذا الصدد، اتهامات من طالبة لجوء بأنها تعرضت للضرب من جنود مكسيكيين أمام أطفالها قبل وضعهم جميعاً في حافلة متّجهة إلى الجنوب. وحوادث مثل هذه شديدة التوثيق بما يجعل مساءلتها، وليس إنكارها، أمراً غير مقبول.

أما إذا فاز دونالد ترامب بالانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، فإن الحرب الأميركية على اللجوء ستشتعل وتتوسَّع. ومثله كمثل غيره من الديماغوجيين المحافظين، جعل الرئيس السابق “جرائم المهاجرين” محور حملته، واستخدمها كإجابة على معظم المحاور في مناظرته مع جو بايدن قبل أن ينسحب. ليفجّرها لاحقاً منذ أيام في مناظرته مع منافسته كامالا هاريس ويدّعي أن المهاجرين في سبرينغفيلد في أوهايو يأكلون قطط الأهالي وكلابهم هناك. وإلى جانب العودة إلى “البقاء في المكسيك”، فإن خطة النصر التي وضعتها مؤسسة “هيريتيج” تحت عنوان “مشروع 2025” وتبنّاها ترامب، تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فتلمّح إلى دحض حقّ اللجوء نفسه. إذ يكتب المؤلفون: “لا ينبغي إصلاح المنظمات والاتفاقيات الدولية التي تقوض دستورنا أو سيادة القانون أو السيادة الشعبية، بل ينبغي التخلي عنها”.

تجارة “حقوق الإنسان” وتعديل قوانين التجنيس 

من المفترض أن عدم الإعادة القسرية هو حقّ من حقوق الإنسان، تحفظه اتفاقية جنيف، وعلى رغم عدم تجرّؤ أحد حتى الآن على نبذه صراحةً كما يعد مشروع 2025، إلا أننا نبدو وكأننا نسير بخطى ثابتة نحو ذلك “الهدف”. تخضع المجر حالياً لغرامة قدرها مليون يورو يومياً من أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي عقاباً على الإعادة القسرية للمهاجرين، ولكن في المقابل، جعل الاتحاد الأوروبي رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان قادراً على تحمّل تلك الفاتورة من خلال إطلاق أكثر من 10 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي المجمّدة لصالح الزمرة الحاكمة في المجر في كانون الأول/ ديسمبر الفائت. 

وفي الأيام الأخيرة فقط، بدأت تظهر بوادر انتهاء ما وصفه البعض بـ “شهر العسل بين أوروبا” واللاجئين، إذ توالت ‏مجموعة إجراءات مؤقتة أقرّتها بعض الدول الأوروبية، تستهدف إيقاف قدوم اللاجئين، وتشير إلى سياسة لجوء جديدة ستعتمدها أوروبا مع حلول عام 2026، العام المزمع تطبيق قوانين لجوء جديدة فيه.

فأعلنت هولندا تشديد قانون التجنيس، ورفع الإقامة المطلوبة إلى 10 سنوات، وأنها ستوقف معالجة طلبات اللجوء لمدة عامين، وستجعل لم الشمل محدوداً للغاية، من خلال إعلان حالة طوارئ خاصة باللجوء. أما السويد، فقد رفعت مبلغ “العودة الطوعية” نحو 9 أضعاف، إذ ستحصل العائلة على مبلغ يصل إلى 34 ألف دولار إذا قررت العودة إلى بلدها، وكانت وزيرة سويدية أعلنت أن الدعم المالي يشمل أيضاً المجنّسين (إذا قرروا التخلي عن جنسيتهم والعودة)، ويبدأ التطبيق مع ميزانية عام 2026.

ألمانيا بدورها، وهي الدولة الأوروبية الأكثر احتضاناً للاجئين، والتي فتحت هذا الباب منذ أكثر من عقد في عهد المستشارة أنجيلا ميركل، أعلنت منذ أسابيع ترحيل أول دفعة من طالبي اللجوء مُرتكبي الجرائم الأفغانيين إلى أفغانستان مباشرةً، مؤكدةً أن تلك الخطوة لن تكون الأخيرة، ويوجد سوريون كذلك على قوائم الانتظار، التي لم تتوانَ صحيفة بيلد اليمينية عن نشرها إلى الرأي العام. 

وفي إطار سعيها الى تعويض النقص في العمال المهرة نتيجة تلك الإجراءات، عقدت ألمانيا اتفاقيات عدة لجذب العمال من الخارج مع الهند وجورجيا والمغرب، وآخرها كان يوم الجمعة الفائت مع كينيا، ومن المتوقع عقد اتفاقية أخرى مع أوزبكستان خلال زيارة شولتز‬⁩ هناك.

ولا تقتصر هذه الحرب على دول “الشمال العالمي” أو الدول الغنية وحسب، فقد أعلنت المفوضية العامة لحقوق اللاجئين تعاونها مع الحكومة اللبنانية لإعادة 30 ألف سوري بعدما “لمست تطوراً لدى الحكومة السورية في التعامل مع السوريين العائدين”، وهي التي ما زالت تعتقل العشرات منهم فور تجاوزهم الحدود. كذلك الأمر في مصر التي بدأت تشهد خطاباً قومياً يحمّل اللاجئين – السوريين والسودانيين بشكلٍ أساسي – مشاكل الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عقد، الخطاب الذي نما في تركيا فأزهر أحداث مدينة قيصري الدامية منذ شهرين. فيما تشدد دول مثل العراق والأردن والإمارات شروط استقبال الوافدين من الدول “المغضوب عليها”.

تقاذفت الأمواج اللاجئين لسنوات، ليبتلع البحر المتوسط وحده أكثر من 65 ألفاً من أجسادهم خلال عشر سنوات، لينجوا من نجى منهم نحو السياسات المتلاطمة ويتقاذفهم صنّاع القرار مع حرس الحدود. وفي عالمٍ يزداد اضطرابه سياسياً ومناخياً ومعه قدرته على توليد اللاجئين، تُبتكَر الكوابيس الجديدة لتقع على من نالوا نصيبهم الأكبر من الكوابيس قبل خوض رحلة اللجوء نفسها، ولا نقصَ في توريد الأقنعة والسكاكين والقوارب السريعة. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
19.09.2024
زمن القراءة: 8 minutes

في عالمٍ يزداد اضطرابه سياسياً ومناخياً ومعه قدرته على توليد اللاجئين، تُبتكَر الكوابيس الجديدة لتقع على من نالوا نصيبهم الأكبر من الكوابيس قبل خوض رحلة اللجوء نفسها، ولا نقصَ في توريد الأقنعة والسكاكين والقوارب السريعة. 

لم يتعامل الناس في البداية بجدّية بالغة مع الحكاية القائلة إنه بمجرد وصول طالبي اللجوء إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، تطاردهم فوراً مجموعات من “الرجال الملثمين” المُكلَّفين باختطافهم، إذ واجه الصحافيون الاستقصائيون والحقوقيون الذين كشفوا تلك القصص أولاً، عبئاً إضافياً لإضفاء المصداقية على تلك القصص.

انتشرت بعد ذلك التقارير والإشاعات تباعاً حول العمليات السرية التي اتضح أن السلطات اليونانية تمارسها لسنوات، لكن فكرة وجود “بلطجية” مُعتَمدين من الدولة يتجولون ويضربون المهاجرين ويلقون بهم في صناديق السيارات ويجبرونهم على العودة إلى القوارب، كانت أكثر مما يمكن للعالم تصديقه، خصوصاً عندما يأتي من دولة تابعة للاتحاد الأوروبي، حيث تسود دول القانون.

أجرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مقابلةً مع الحقوقي النمساوي فيّاض مُلّا كجزء من فيلمها الوثائقي الذي حمل عنوان “الهدوء التام: القتل في البحر الأبيض المتوسط؟”، والذي يبدأ بالسؤال وينتهي بالحقائق؛ لقد حوّل خفر السواحل اليوناني الحق المعترف به دولياً للاجئين في التقدم بطلب اللجوء إلى لعبة مُريضة من قُماشة “سكويد جيم”، يُطارد فيها كل رجل وامرأة وطفل يهبطون من دون دعوة في أرخبيل البلاد، كجزء من جهدٍ يبدو مُنَسّقاً لحرمانهم من حقوق اللجوء.

بدلاً من أن تكون استثناءً، يتبيّن مع مضيّ الأيام، أن الاستراتيجية اليونانية نموذج مميز في ما يمكن وصفه بـ “الحرب العالمية على طالبي اللجوء”. من فنزويلا إلى المكسيك إلى ليبيا إلى المجر إلى اليابان، نشهد جهداً شبه منسق بين البلدان الغنية لإلغاء إحدى المسؤوليات القانونية القليلة التي يتحمّلها أثرياء العالم والميسورون منه تجاه فقرائه ومُصابيه الذين يدفع جزء يسيرٌ منهم ثمن أفعال الفريق الأول.

مقطع الفيديو الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عام 2023، الذي أظهر رجلاً مُقنّعاً يرتدي زياً رسمياً ويعيد طفلاً إلى قارب في اليونان، يشكّل وحده دليلاً قاطعاً، لكن المحلّلين والاستقصائيين جمعوا أيضاً قدراً هائلاً من الأدلة الظرفية التي تكشف نمطاً لا تنصُّل منه.

 مؤسسة “فورينزيك أركيتكتشر” للتحقيقات البصرية، رسمت خريطة لأكثر من 2000 حالة لما تسميه “الانجرافات” من المياه الإقليمية اليونانية بين عامي 2020 و2023. وينطوي السواد الأعظم من تلك الحالات على قصة خيوطها بسيطة وواضحة: بمجرد القبض على المهاجرين من الرجال الملثمين، يوضعون في قوارب مطاطية من دون محركات ودفعهم – حرفياً – نحو المياه الإقليمية التركية. وبدلاً من طرد السلطات الأشخاص بشكل مباشر، وفقاً لـ “فورينزيك أركيتكتشر”، فإن العوامل الطبيعية والمميزات الجغرافية لأرخبيل بحر إيجه – بما في ذلك التيارات والأمواج والرياح والصخور غير المأهولة – تنفّذ عملية الطرد، ما يخلق مساحةً فاصلةً بين الجناة وتأثير أفعالهم المميتة.

 تحصي المجموعة البحثية 55445 شخصاً طُردوا بهذا الأسلوب على مدى ثلاث سنوات، بما في ذلك 24 حالة وفاة و17 حالة اختفاء.

لم يشمل ذاك الإحصاء حادثة غرق سفينة المهاجرين أدريانا الشهيرة في يونيو/ حزيران 2023 في البحر الأبيض المتوسط، والتي راح ضحيتها أكثر من 600 شخص. وكما روى ناجو تلك الكارثة الإنسانية في وثائقي بي بي سي آنف الذكر. وفي تحقيقاتٍ أخرى، كان خفر السواحل اليوناني بطيئاً للغاية في الاستجابة لكارثة السفينة، الى درجة أن الإهمال الذي بدا كتقاعس في البداية تحوَّل إلى نية خبيثة. وفي النهاية، يختٌ مكسيكيٌّ فاخرٌ مملوك للمكسيك هو من أنقذ السفينة. 

خفر السواحل اليوناني لم يكن المسؤول الوحيد عن كارثة أدريانا؛ إذ إنَّ اليونان جزءٌ من الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي لديه “فرونتكس”، وكالة حرس الحدود والسواحل. وفي مقرها البولندي، كانت فرونتكس تراقب الوضع، لكن هذا لم يفد الركاب على متن أدريانا كثيراً، وتحت ضغط من هيئة الإذاعة البريطانية لإدانة الممارسات الموثّقة لخفر السواحل اليوناني، غادر ضابط الحقوق الأساسية في فرونتكس جوناس جريمهيدن موقع التصوير.

“حراسة” الحدود غير الأوروبيّة

تمثّل اليونان الزاوية الجنوبية الشرقية للاتحاد الأوروبي، ويتم التعامل معها على أنها خط الدفاع الأول، وتُلقى على عاتقها مسؤولية صدّ أكبر عدد ممكن من المهاجرين عن أوروبا. إلا أنَّ أوروبا لا تموّل الجانب اليوناني فحسب: فقد أرسل الاتحاد الأوروبي أكثر من 10 مليارات دولار من المساعدات إلى تركيا، وهي دولة غير عضو، للمساعدة في “حراسة الحدود”، وهي إحدى أوراق إردوغان التي باتت مكشوفةً في تعامله مع الأوروبيين. وذهبت مليارات أخرى إلى مصر وتونس وموريتانيا، وذلك كله بهدف تقليل عدد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى مكان ما داخل الاتحاد الأوروبي حيث يمكنهم ممارسة حقوقهم التي لا تنتهك، ولا يهمّ كيف يتم ذلك.

سلطت القصص اليونانية الضوء على الظاهرة وفتحت صندوق باندورا. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2023، كشف تحقيق أُنجز بالتعاون بين “سراج” و”لايتهاوس ريبورتس” و”مالطا توداي” و”دير شبيغل”، عن تعاون بين قوات خفر السواحل الأوروبية وسفينة “طارق بن زياد” التابعة لقوات الجنرال الليبي خليفة حفتر لمضايقة قوارب اللاجئين وإعادتهم إلى ليبيا ليستفرد بهم عناصر ميليشيات حفتر، يطعمونهم الأرز المطبوخ بمياه البحر، يعذبونهم ويطلبون الفدية من ذوي من يبقى منهم.

بعدها بأشهر قليلة، يكشف تحقيق آخر أجرته مؤسسة “لايتهاوس ريبورتس” بالتعاون مع صحف “لوموند” و”أوبزرفر” و”دير شبيغل”، أن الحكومة البريطانية أقنعت فرنسا بـ “إيقاف القوارب” المتّجهة نحو سواحلها عبر القنال مقابل 500 مليون جنيه إسترليني. ليبدأ ضباط الشرطة الفرنسية بتنفيذ ما يسمى “عمليات الانسحاب”، أو بشكلٍ أدق: الإغراق، في القناة، من خلال تحرّكات تعكس التكتيكات القاتلة وغير القانونية المستخدمة في بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط ​​​​من خفر السواحل اليوناني والليبي. 

كل ما سبق يضاف إلى البرنامج الذي عملت عليه الحكومة البريطانية لسنواتٍ لإرسال طالبي اللجوء إليها إلى رواندا، والذي أُجهض مع وصول حزب العمل إلى الحكم. إضافةً إلى أعمال الشغب التي تثور لدى الثنائي الفرانكفوني بين الحين الآخر في وجه المهاجرين.

وفي أيار/ مايو الفائت، وفي تحقيق من “لايتهاوس ريبورتس” أيضاً، تكشَّف أن أوروبا تموِّل عن علم، وفي بعض الحالات تشارك بشكل مباشر في احتجاز وطرد مجتمعات سوداء على أساس عرقي ممنهج في ثلاث دول على الأقل في شمال إفريقيا، وهي المغرب وموريتانيا وتونس، حيث يتم القبض على اللاجئين والعمال المهاجرين، بعضهم في طريقهم إلى أوروبا، وكذلك الأشخاص الذين يتمتعون بوضع قانوني وسبل عيش مستقرة في هذه البلدان، على أساس لون بشرتهم، وتحميلهم في حافلات ونقلهم إلى وسط اللامكان، غالباً في قلب الصحراء الأفريقية.

 هناك، يُترَك هؤلاء من دون أي مساعدة أو ماء أو طعام، ما يجعلهم معرضين لخطر الاختطاف والابتزاز والتعذيب والعنف الجنسي، وفي أسوأ الحالات، الموت. ويُؤخذ آخرون إلى مناطق حدودية، حيث يُقال إن السلطات تبيعهم إلى المتاجرين بالبشر والعصابات التي تعذبهم مقابل فدية.

أزمة حدود المكسيك

في نصف الكرة الآخر، لا يقلّ الوضع جنوناً، إذ تعمل المكسيك كخط دفاع عن الولايات المتحدة في وجه موجات المهاجرين القادمين من مختلف أصقاع المعمورة طمعاً بالحلم الأميركي. وصحيحٌ أن الرئيس الحالي جو بايدن المُنسحب من السباق الرئاسي، حدّ من سياسة “البقاء في المكسيك” التي بدأت في عهد ترامب، لكن أمره الصادر في حزيران/ يونيو الفائت بوقف معالجة طلبات اللجوء على الحدود الجنوبية لم يقلّ تأثيراً. 

وكما هي الديناميكية الأوروبية-اليونانية، تبنّت المكسيك، بضغطٍ أميركي، سياسة دفع المهاجرين إلى جنوب البلاد، والاعتماد على الرحلة الطويلة والشاقّة لثني الأشخاص الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة من أميركا الوسطى والجنوبية. إذ نقلت وكالة أسوشييتد برس في هذا الصدد، اتهامات من طالبة لجوء بأنها تعرضت للضرب من جنود مكسيكيين أمام أطفالها قبل وضعهم جميعاً في حافلة متّجهة إلى الجنوب. وحوادث مثل هذه شديدة التوثيق بما يجعل مساءلتها، وليس إنكارها، أمراً غير مقبول.

أما إذا فاز دونالد ترامب بالانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، فإن الحرب الأميركية على اللجوء ستشتعل وتتوسَّع. ومثله كمثل غيره من الديماغوجيين المحافظين، جعل الرئيس السابق “جرائم المهاجرين” محور حملته، واستخدمها كإجابة على معظم المحاور في مناظرته مع جو بايدن قبل أن ينسحب. ليفجّرها لاحقاً منذ أيام في مناظرته مع منافسته كامالا هاريس ويدّعي أن المهاجرين في سبرينغفيلد في أوهايو يأكلون قطط الأهالي وكلابهم هناك. وإلى جانب العودة إلى “البقاء في المكسيك”، فإن خطة النصر التي وضعتها مؤسسة “هيريتيج” تحت عنوان “مشروع 2025” وتبنّاها ترامب، تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فتلمّح إلى دحض حقّ اللجوء نفسه. إذ يكتب المؤلفون: “لا ينبغي إصلاح المنظمات والاتفاقيات الدولية التي تقوض دستورنا أو سيادة القانون أو السيادة الشعبية، بل ينبغي التخلي عنها”.

تجارة “حقوق الإنسان” وتعديل قوانين التجنيس 

من المفترض أن عدم الإعادة القسرية هو حقّ من حقوق الإنسان، تحفظه اتفاقية جنيف، وعلى رغم عدم تجرّؤ أحد حتى الآن على نبذه صراحةً كما يعد مشروع 2025، إلا أننا نبدو وكأننا نسير بخطى ثابتة نحو ذلك “الهدف”. تخضع المجر حالياً لغرامة قدرها مليون يورو يومياً من أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي عقاباً على الإعادة القسرية للمهاجرين، ولكن في المقابل، جعل الاتحاد الأوروبي رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان قادراً على تحمّل تلك الفاتورة من خلال إطلاق أكثر من 10 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي المجمّدة لصالح الزمرة الحاكمة في المجر في كانون الأول/ ديسمبر الفائت. 

وفي الأيام الأخيرة فقط، بدأت تظهر بوادر انتهاء ما وصفه البعض بـ “شهر العسل بين أوروبا” واللاجئين، إذ توالت ‏مجموعة إجراءات مؤقتة أقرّتها بعض الدول الأوروبية، تستهدف إيقاف قدوم اللاجئين، وتشير إلى سياسة لجوء جديدة ستعتمدها أوروبا مع حلول عام 2026، العام المزمع تطبيق قوانين لجوء جديدة فيه.

فأعلنت هولندا تشديد قانون التجنيس، ورفع الإقامة المطلوبة إلى 10 سنوات، وأنها ستوقف معالجة طلبات اللجوء لمدة عامين، وستجعل لم الشمل محدوداً للغاية، من خلال إعلان حالة طوارئ خاصة باللجوء. أما السويد، فقد رفعت مبلغ “العودة الطوعية” نحو 9 أضعاف، إذ ستحصل العائلة على مبلغ يصل إلى 34 ألف دولار إذا قررت العودة إلى بلدها، وكانت وزيرة سويدية أعلنت أن الدعم المالي يشمل أيضاً المجنّسين (إذا قرروا التخلي عن جنسيتهم والعودة)، ويبدأ التطبيق مع ميزانية عام 2026.

ألمانيا بدورها، وهي الدولة الأوروبية الأكثر احتضاناً للاجئين، والتي فتحت هذا الباب منذ أكثر من عقد في عهد المستشارة أنجيلا ميركل، أعلنت منذ أسابيع ترحيل أول دفعة من طالبي اللجوء مُرتكبي الجرائم الأفغانيين إلى أفغانستان مباشرةً، مؤكدةً أن تلك الخطوة لن تكون الأخيرة، ويوجد سوريون كذلك على قوائم الانتظار، التي لم تتوانَ صحيفة بيلد اليمينية عن نشرها إلى الرأي العام. 

وفي إطار سعيها الى تعويض النقص في العمال المهرة نتيجة تلك الإجراءات، عقدت ألمانيا اتفاقيات عدة لجذب العمال من الخارج مع الهند وجورجيا والمغرب، وآخرها كان يوم الجمعة الفائت مع كينيا، ومن المتوقع عقد اتفاقية أخرى مع أوزبكستان خلال زيارة شولتز‬⁩ هناك.

ولا تقتصر هذه الحرب على دول “الشمال العالمي” أو الدول الغنية وحسب، فقد أعلنت المفوضية العامة لحقوق اللاجئين تعاونها مع الحكومة اللبنانية لإعادة 30 ألف سوري بعدما “لمست تطوراً لدى الحكومة السورية في التعامل مع السوريين العائدين”، وهي التي ما زالت تعتقل العشرات منهم فور تجاوزهم الحدود. كذلك الأمر في مصر التي بدأت تشهد خطاباً قومياً يحمّل اللاجئين – السوريين والسودانيين بشكلٍ أساسي – مشاكل الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عقد، الخطاب الذي نما في تركيا فأزهر أحداث مدينة قيصري الدامية منذ شهرين. فيما تشدد دول مثل العراق والأردن والإمارات شروط استقبال الوافدين من الدول “المغضوب عليها”.

تقاذفت الأمواج اللاجئين لسنوات، ليبتلع البحر المتوسط وحده أكثر من 65 ألفاً من أجسادهم خلال عشر سنوات، لينجوا من نجى منهم نحو السياسات المتلاطمة ويتقاذفهم صنّاع القرار مع حرس الحدود. وفي عالمٍ يزداد اضطرابه سياسياً ومناخياً ومعه قدرته على توليد اللاجئين، تُبتكَر الكوابيس الجديدة لتقع على من نالوا نصيبهم الأكبر من الكوابيس قبل خوض رحلة اللجوء نفسها، ولا نقصَ في توريد الأقنعة والسكاكين والقوارب السريعة.