ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

العراق ينتخب… لكن ماذا عن جيل زد الحائر في زمانه؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

جيل زد في العراق ليس ضد الدولة، بل ضد الطريقة التي تُدار بها الدولة، هو جيل يبحث عن وطن يعترف بقدراته لا بعمره، وطن يفتح له الأبواب ولا يضعه في الطوابير. المشاركة والمقاطعة ليستا النقيضين في معركة هذا الجيل، بل وجهان لسؤال واحد، هل ما زال في العراق مجال للتغيير الحقيقي؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يُولد جيل “زد” في العراق ليعيش حياة طبيعية، بل وجد نفسه منذ اللحظة الأولى في بلدٍ يحترق سياسياً وأمنياً واقتصادياً، لم يعرف معنى الاستقرار، ولا طعم الأمان، ولا فكرة الحلم المفتوح.

كان الجيل الذي سبقهم منشغلاً بمحاولة إعادة بناء ما دمّرته الحروب، أما هم فاستيقظوا على أنقاض الأمل نفسه. واليوم، في ظلّ حكوماتٍ متعاقبة تنتمي إلى مدرسة واحدة من الفساد والمحاصصة، تحوّل هذا الجيل إلى فائض بشري تُستدعى طاقته فقط عندما تحتاج السلطة إلى صوتٍ انتخابي أو بندقية جديدة.

منذ عام 2003، وُضع الشباب العراقي في موقع المتفرج داخل وطنه، الحكومات ترفع شعارات دعم الشباب وتمكينهم، بينما الواقع يقول العكس تماماً، لا فرص عمل حقيقية، لا تعليم يليق بعصرهم، ولا سياسة تراهم كقوة إنتاج وتفكير، الوزارات التي يُفترض أن تخدمهم تحوّلت إلى مقابر إدارية للأفكار الجديدة، فوزارة التربية خرّجت جيلاً ناقص المهارات، ووزارة التعليم العالي تحوّلت ممرّاً  إلى الغايات الحزبية، ووزارة الشباب والرياضة تكتفي بتصوير مهرجاناتها لتبدو وكأنها تصنع فرقاً.

جيل لم يُمنح حتى الآن دوراً حقيقياً في إدارة بلاده، يُستدعى في الأزمات ويُنسى في كل ما عداها. حين احتاجت السلطة الى مقاتلين ضد الإرهاب، كان الشباب أول من لبّوا النداء، وحين استقرت الكراسي، تم تجاهلهم، وعندما حلّت الانتخابات، أُعيد تدوير الخطاب نفسه: “الشباب هم الأمل”، “جيل التغيير”، “صوت المستقبل”. لكن ما إن تنتهي صناديق الاقتراع حتى يُعادون إلى مقاعد الانتظار، في المدارس، والمقاهي، ومكاتب البطالة.

عام 2019 كان نقطة التحوّل الكبرى، خرج الشباب، أبناء جيل زد تحديداً، إلى الشوارع مطالبين بوطن، لا أكثر. لم يطلبوا وزارة ولا مقعداً نيابياً، بل دولة تعترف بوجودهم. واجهوا الرصاص بصدورهم، وسقط منهم المئات. ذلك الحلم الذي بدأ من ساحة التحرير كان أوضح إعلان لولادة وعي سياسي جديد خارج منظومة المحاصصة والطائفية، لكن هذا الحلم لم يكتمل، إذ سُرقت انتفاضتهم كما سُرقت أصواتهم، الأحزاب نفسها التي قمعَت الاحتجاجات عادت لاحقاً لتتحدث باسمهم، وتترشح تحت شعاراتهم، وتضع صورهم في حملاتها الانتخابية.

بهذا الشكل، تحوّل الشباب من فاعلين إلى رموزٍ تزيينية، تُستثمر صورهم في الدعاية، وتُهمّش أصواتهم في القرار، لم يتغيّر شيء سوى طريقة التسويق، بالأمس كانوا “وقوداً للحرب”، واليوم أصبحوا “وقوداً للحملات الانتخابية”.

جيل زد ليس جاهلاً بالسياسة، هو جيل رقمي، يعرف العالم من نافذة الإنترنت، يرى كيف تُدار الدول وكيف تُحاسَب السلطات، ويفهم أن مشكلته ليست فقط في الفساد، بل في البنية التي تنتجه. هذا الجيل يعرف أن الوعود الحكومية أشبه بملفات “ورد” قديمة يُعاد فتحها كل أربع سنوات مع عناوين جديدة. لذلك، انقسم موقفه بين من يقاطع الانتخابات قناعةً، ومن يشارك اضطرارًا على أمل أن يختبر شكلًا جديدًا من التغيير.

جيل “زد” في العراق يشبه المراهق الذي كبر قبل أوانه، سمع عن الديمقراطية ولم يختبرها، وقرأ عن الحرية ولم يذقها، وعرف أن السياسة في بلاده ليست ميداناً للتفكير بل لعبةً للمحسوبية والولاءات. ولذلك لم يكن غريبًا أن نجد الغالبية منهم يميلون اليوم إلى الرفض لا المشاركة، وإلى المقاطعة لا التصويت، لأنهم لم يعودوا يرون صناديق الاقتراع كممرٍ للعدالة، بل كأداة لتدوير الوجوه نفسها.

حين تقترب الانتخابات، تتحوّل لغة الأحزاب فجأة إلى لهجة شبابية، تُطلق وعود التعيين، والمنح الدراسية، ومشاريع ريادة الأعمال، وكأنها تكتشف فجأة أن في العراق جيلاً كاملاً ينتظر الفرصة. 

هذه اللغة التسويقية لا تلبث أن تختفي بعد الانتخابات، لأنّ الشباب بالنسبة الى الأحزاب مجرد جمهور رقمي يُستخدم لتجميل الصورة أمام الخارج، أما في الواقع، فالمناصب العليا لا تزال تُوزع وفق معايير الولاء والمحسوبية، وليس الكفاءة أو العمر أو الرؤية.

حتى البرامج الحكومية الموجّهة للشباب غالبًا ما تكون إما مؤقتة أو تجميلية، منح صغيرة لا تُغيّر حياة أحد، مشاريع تبدأ بحفلة وتنتهي ببيان، ومبادرات تنشأ لتبرير ميزانيات لا لتصنع أثراً، والنتيجة أن الشباب العراقي يعيش بين خيارين، الهجرة إلى الخارج بحثًا عن فرصة، أو الانسحاب إلى الداخل في عزلة نفسية واجتماعية، خوفًا من الانتماء لأي مشروع سياسي.

وعلى رغم كل هذا السواد، فإن هذا الجيل لم ينكسر، لا يزال في داخله شغف الإصلاح الحقيقي، لكنه يبحث عن أدوات جديدة، لم يعد يؤمن بالأحزاب، ولا بالزعامات، ولا بالوجوه التقليدية، إنه يبحث عن مشروع وطني بلا لون طائفي ولا هوية حزبية، عن دولة لا تميّز بين ابن الجنوب وابن الغرب، ولا بين الكردي والعربي، عن فرصة لا تُقاس بالواسطة، وعن هوية مدنية تتّسع للجميع.

لكن هذه الرغبة تصطدم بجدار سميك من المصالح السياسية والاقتصادية التي تُبقي الشباب في موقع التابع لا الفاعل، وحتى عندما يُسمح لهم بدخول المشهد، فإنهم يُستخدمون كواجهة شبابية لقرارات يتخذها الكبار في الخلفية، وهكذا، تتكرّر الدورة ذاتها، الاستغلال ثم الإقصاء ثم الإحباط.

غياب سياسات شبابية حقيقية جعل هذا الجيل خارج منظومة التخطيط، لا أحد يسأل كيف يفكر الشاب العراقي، أو ما الذي يحتاجه فعلاً ليشارك في بناء الدولة، لا أحد يضعه في موقع القرار، بل يُعامل كشريحة تحتاج “احتواءً”، وكأنها مشكلة اجتماعية لا طاقة إنتاجية.

وفي بلدٍ تزيد فيه نسبة الشباب، فإن إقصاءهم عن مراكز القرار لا يعني فقط ظلم فئة عمرية، بل تعطيل مستقبل الدولة نفسها، فالدول التي تتجاهل طاقاتها البشرية، تبقى أسيرة الماضي مهما تغيّرت الحكومات.

شهادات من جيل لا يُسمع صوته

يقول وسام محمد (19 عامًا من الأنبار): “نعم أشارك لأنني من منطقة منكوبة لم تشهد إعمارًا حقيقيًا منذ 2014، بدأت ملامح تطور بظهور وجوه جديدة في الحكومة المحلية، لذلك أرى في الانتخابات فرصة لاختيار أسماء نزيهة، لكن على رغم ذلك، تبقى العملية السياسية غير موثوقة ويجب أن تتغير جذريًا”.

ويضيف: “فشل الوزارات واضح، من الزراعة التي دمّرت المزارع، إلى الموارد المائية التي سمّمت الفرات، والثقافة التي غابت عن دورها التوعوي، وصولًا إلى التربية التي دفعت التعليم إلى الهاوية. ومع كل ذلك، يبقى الشباب وحدهم القادرين على التغيير لو وُجّهوا بشكل صحيح”.

أما أحمد سعد (20 عامًا من بابل) فيقول: “لا أشارك، لأنني لا أرى مرشحًا كفوءًا أو غير متحزّب، العملية السياسية غير موثوقة بسبب الميليشيات والفساد وغياب العدالة. أشعر أن صوتي لن يغيّر شيئًا ما دامت المحاصصة قائمة، كما أن الشباب اليوم منشغلون بلقمة العيش ولا يملكون ترف الانخراط في السياسة”.

ومن ذي قار، يشرح حسين وئام (22 عاماً) سبب مقاطعته: “أعتبر المقاطعة فعلًا سياسيًا لأن الانتخابات بلا فائدة، والأحزاب التقليدية اشترت الأحزاب المدنية، العملية السياسية غير شفافة، والدليل ما حدث بعد فوز الكتلة الصدرية حين كدنا نصل إلى حرب أهلية. المشكلة أعمق، لا دولة وطنية ولا مفهوم مدني موحد، والشباب حين يدخلون السياسة يتلوثون لأن النظام يفرض ذلك”.

جيل زد في العراق ليس ضد الدولة، بل ضد الطريقة التي تُدار بها الدولة، هو جيل يبحث عن وطن يعترف بقدراته لا بعمره، وطن يفتح له الأبواب ولا يضعه في الطوابير. المشاركة والمقاطعة ليستا النقيضين في معركة هذا الجيل، بل وجهان لسؤال واحد، هل ما زال في العراق مجال للتغيير الحقيقي؟

الإجابة لا تزال معلقة بين إرادة الشباب ونظامٍ يصرّ على أن يبقيهم خارج المعادلة، لكن إن كان الماضي قد جعلهم وقودًا للحروب، والحاضر يستخدمهم كواجهة انتخابية، فإن المستقبل مهما تأخر سيُكتب بأيديهم وحدهم.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
10.11.2025
زمن القراءة: 5 minutes

جيل زد في العراق ليس ضد الدولة، بل ضد الطريقة التي تُدار بها الدولة، هو جيل يبحث عن وطن يعترف بقدراته لا بعمره، وطن يفتح له الأبواب ولا يضعه في الطوابير. المشاركة والمقاطعة ليستا النقيضين في معركة هذا الجيل، بل وجهان لسؤال واحد، هل ما زال في العراق مجال للتغيير الحقيقي؟

لم يُولد جيل “زد” في العراق ليعيش حياة طبيعية، بل وجد نفسه منذ اللحظة الأولى في بلدٍ يحترق سياسياً وأمنياً واقتصادياً، لم يعرف معنى الاستقرار، ولا طعم الأمان، ولا فكرة الحلم المفتوح.

كان الجيل الذي سبقهم منشغلاً بمحاولة إعادة بناء ما دمّرته الحروب، أما هم فاستيقظوا على أنقاض الأمل نفسه. واليوم، في ظلّ حكوماتٍ متعاقبة تنتمي إلى مدرسة واحدة من الفساد والمحاصصة، تحوّل هذا الجيل إلى فائض بشري تُستدعى طاقته فقط عندما تحتاج السلطة إلى صوتٍ انتخابي أو بندقية جديدة.

منذ عام 2003، وُضع الشباب العراقي في موقع المتفرج داخل وطنه، الحكومات ترفع شعارات دعم الشباب وتمكينهم، بينما الواقع يقول العكس تماماً، لا فرص عمل حقيقية، لا تعليم يليق بعصرهم، ولا سياسة تراهم كقوة إنتاج وتفكير، الوزارات التي يُفترض أن تخدمهم تحوّلت إلى مقابر إدارية للأفكار الجديدة، فوزارة التربية خرّجت جيلاً ناقص المهارات، ووزارة التعليم العالي تحوّلت ممرّاً  إلى الغايات الحزبية، ووزارة الشباب والرياضة تكتفي بتصوير مهرجاناتها لتبدو وكأنها تصنع فرقاً.

جيل لم يُمنح حتى الآن دوراً حقيقياً في إدارة بلاده، يُستدعى في الأزمات ويُنسى في كل ما عداها. حين احتاجت السلطة الى مقاتلين ضد الإرهاب، كان الشباب أول من لبّوا النداء، وحين استقرت الكراسي، تم تجاهلهم، وعندما حلّت الانتخابات، أُعيد تدوير الخطاب نفسه: “الشباب هم الأمل”، “جيل التغيير”، “صوت المستقبل”. لكن ما إن تنتهي صناديق الاقتراع حتى يُعادون إلى مقاعد الانتظار، في المدارس، والمقاهي، ومكاتب البطالة.

عام 2019 كان نقطة التحوّل الكبرى، خرج الشباب، أبناء جيل زد تحديداً، إلى الشوارع مطالبين بوطن، لا أكثر. لم يطلبوا وزارة ولا مقعداً نيابياً، بل دولة تعترف بوجودهم. واجهوا الرصاص بصدورهم، وسقط منهم المئات. ذلك الحلم الذي بدأ من ساحة التحرير كان أوضح إعلان لولادة وعي سياسي جديد خارج منظومة المحاصصة والطائفية، لكن هذا الحلم لم يكتمل، إذ سُرقت انتفاضتهم كما سُرقت أصواتهم، الأحزاب نفسها التي قمعَت الاحتجاجات عادت لاحقاً لتتحدث باسمهم، وتترشح تحت شعاراتهم، وتضع صورهم في حملاتها الانتخابية.

بهذا الشكل، تحوّل الشباب من فاعلين إلى رموزٍ تزيينية، تُستثمر صورهم في الدعاية، وتُهمّش أصواتهم في القرار، لم يتغيّر شيء سوى طريقة التسويق، بالأمس كانوا “وقوداً للحرب”، واليوم أصبحوا “وقوداً للحملات الانتخابية”.

جيل زد ليس جاهلاً بالسياسة، هو جيل رقمي، يعرف العالم من نافذة الإنترنت، يرى كيف تُدار الدول وكيف تُحاسَب السلطات، ويفهم أن مشكلته ليست فقط في الفساد، بل في البنية التي تنتجه. هذا الجيل يعرف أن الوعود الحكومية أشبه بملفات “ورد” قديمة يُعاد فتحها كل أربع سنوات مع عناوين جديدة. لذلك، انقسم موقفه بين من يقاطع الانتخابات قناعةً، ومن يشارك اضطرارًا على أمل أن يختبر شكلًا جديدًا من التغيير.

جيل “زد” في العراق يشبه المراهق الذي كبر قبل أوانه، سمع عن الديمقراطية ولم يختبرها، وقرأ عن الحرية ولم يذقها، وعرف أن السياسة في بلاده ليست ميداناً للتفكير بل لعبةً للمحسوبية والولاءات. ولذلك لم يكن غريبًا أن نجد الغالبية منهم يميلون اليوم إلى الرفض لا المشاركة، وإلى المقاطعة لا التصويت، لأنهم لم يعودوا يرون صناديق الاقتراع كممرٍ للعدالة، بل كأداة لتدوير الوجوه نفسها.

حين تقترب الانتخابات، تتحوّل لغة الأحزاب فجأة إلى لهجة شبابية، تُطلق وعود التعيين، والمنح الدراسية، ومشاريع ريادة الأعمال، وكأنها تكتشف فجأة أن في العراق جيلاً كاملاً ينتظر الفرصة. 

هذه اللغة التسويقية لا تلبث أن تختفي بعد الانتخابات، لأنّ الشباب بالنسبة الى الأحزاب مجرد جمهور رقمي يُستخدم لتجميل الصورة أمام الخارج، أما في الواقع، فالمناصب العليا لا تزال تُوزع وفق معايير الولاء والمحسوبية، وليس الكفاءة أو العمر أو الرؤية.

حتى البرامج الحكومية الموجّهة للشباب غالبًا ما تكون إما مؤقتة أو تجميلية، منح صغيرة لا تُغيّر حياة أحد، مشاريع تبدأ بحفلة وتنتهي ببيان، ومبادرات تنشأ لتبرير ميزانيات لا لتصنع أثراً، والنتيجة أن الشباب العراقي يعيش بين خيارين، الهجرة إلى الخارج بحثًا عن فرصة، أو الانسحاب إلى الداخل في عزلة نفسية واجتماعية، خوفًا من الانتماء لأي مشروع سياسي.

وعلى رغم كل هذا السواد، فإن هذا الجيل لم ينكسر، لا يزال في داخله شغف الإصلاح الحقيقي، لكنه يبحث عن أدوات جديدة، لم يعد يؤمن بالأحزاب، ولا بالزعامات، ولا بالوجوه التقليدية، إنه يبحث عن مشروع وطني بلا لون طائفي ولا هوية حزبية، عن دولة لا تميّز بين ابن الجنوب وابن الغرب، ولا بين الكردي والعربي، عن فرصة لا تُقاس بالواسطة، وعن هوية مدنية تتّسع للجميع.

لكن هذه الرغبة تصطدم بجدار سميك من المصالح السياسية والاقتصادية التي تُبقي الشباب في موقع التابع لا الفاعل، وحتى عندما يُسمح لهم بدخول المشهد، فإنهم يُستخدمون كواجهة شبابية لقرارات يتخذها الكبار في الخلفية، وهكذا، تتكرّر الدورة ذاتها، الاستغلال ثم الإقصاء ثم الإحباط.

غياب سياسات شبابية حقيقية جعل هذا الجيل خارج منظومة التخطيط، لا أحد يسأل كيف يفكر الشاب العراقي، أو ما الذي يحتاجه فعلاً ليشارك في بناء الدولة، لا أحد يضعه في موقع القرار، بل يُعامل كشريحة تحتاج “احتواءً”، وكأنها مشكلة اجتماعية لا طاقة إنتاجية.

وفي بلدٍ تزيد فيه نسبة الشباب، فإن إقصاءهم عن مراكز القرار لا يعني فقط ظلم فئة عمرية، بل تعطيل مستقبل الدولة نفسها، فالدول التي تتجاهل طاقاتها البشرية، تبقى أسيرة الماضي مهما تغيّرت الحكومات.

شهادات من جيل لا يُسمع صوته

يقول وسام محمد (19 عامًا من الأنبار): “نعم أشارك لأنني من منطقة منكوبة لم تشهد إعمارًا حقيقيًا منذ 2014، بدأت ملامح تطور بظهور وجوه جديدة في الحكومة المحلية، لذلك أرى في الانتخابات فرصة لاختيار أسماء نزيهة، لكن على رغم ذلك، تبقى العملية السياسية غير موثوقة ويجب أن تتغير جذريًا”.

ويضيف: “فشل الوزارات واضح، من الزراعة التي دمّرت المزارع، إلى الموارد المائية التي سمّمت الفرات، والثقافة التي غابت عن دورها التوعوي، وصولًا إلى التربية التي دفعت التعليم إلى الهاوية. ومع كل ذلك، يبقى الشباب وحدهم القادرين على التغيير لو وُجّهوا بشكل صحيح”.

أما أحمد سعد (20 عامًا من بابل) فيقول: “لا أشارك، لأنني لا أرى مرشحًا كفوءًا أو غير متحزّب، العملية السياسية غير موثوقة بسبب الميليشيات والفساد وغياب العدالة. أشعر أن صوتي لن يغيّر شيئًا ما دامت المحاصصة قائمة، كما أن الشباب اليوم منشغلون بلقمة العيش ولا يملكون ترف الانخراط في السياسة”.

ومن ذي قار، يشرح حسين وئام (22 عاماً) سبب مقاطعته: “أعتبر المقاطعة فعلًا سياسيًا لأن الانتخابات بلا فائدة، والأحزاب التقليدية اشترت الأحزاب المدنية، العملية السياسية غير شفافة، والدليل ما حدث بعد فوز الكتلة الصدرية حين كدنا نصل إلى حرب أهلية. المشكلة أعمق، لا دولة وطنية ولا مفهوم مدني موحد، والشباب حين يدخلون السياسة يتلوثون لأن النظام يفرض ذلك”.

جيل زد في العراق ليس ضد الدولة، بل ضد الطريقة التي تُدار بها الدولة، هو جيل يبحث عن وطن يعترف بقدراته لا بعمره، وطن يفتح له الأبواب ولا يضعه في الطوابير. المشاركة والمقاطعة ليستا النقيضين في معركة هذا الجيل، بل وجهان لسؤال واحد، هل ما زال في العراق مجال للتغيير الحقيقي؟

الإجابة لا تزال معلقة بين إرادة الشباب ونظامٍ يصرّ على أن يبقيهم خارج المعادلة، لكن إن كان الماضي قد جعلهم وقودًا للحروب، والحاضر يستخدمهم كواجهة انتخابية، فإن المستقبل مهما تأخر سيُكتب بأيديهم وحدهم.