ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“العرب” بين نارين: ماذا لو نجحت الحرب على إيران أو فشلت؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل لحظة تاريخية قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لعقود مقبلة. وبينما تتصارع القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العرب الخروج من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، أم سيستمرون في دفع ثمن صراعات لا يملكون قرارها؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تجد الدول العربية الحليفة لواشنطن نفسها اليوم في قلب معادلة استراتيجية معقدة: بين دعم حرب على إيران لا دور لها في قرارها، وخشية من نتائجها سواء نجحت أو فشلت. ففي الحالتين، تبدو المنطقة مقبلة على تحولات عميقة قد تعيد رسم توازناتها، ليس لصالح العرب بالضرورة، بل على حسابهم. فمنذ اندلاع المواجهة يوم 28 شباط/ فبراير الماضي، انكشف موقع هذه الدول كمتلقٍّ للتداعيات لا صانع لها.

دول الخليج، إلى جانب الأردن، لم تكن جزءًا من قرار الحرب، لكنها تتحمل مخاطرها الأمنية والاقتصادية. الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي اخترقت الأجواء الإقليمية، واستهدفت قواعد ومصالح أميركية، لم تميّز بين طرف وآخر، ما أعاد طرح سؤال جوهري: ما قيمة التحالفات الأمنية الأجنبية إذا لم توفّر الحماية عند لحظة الاختبار؟

لكن القلق العربي لا يتوقف عند إيران، فالمفارقة أن الحرب التي يُفترض أنها تستهدف “الخطر الإيراني” على المنطقة والعالم، قد تفتح الباب أمام خطر آخر لا يقل تهديداً: إسرائيل ما بعد إيران.

معادلة “الخطرين”

للمرة الأولى منذ عقود، يُطرح داخل دوائر القرار مفهوم مزدوج للتهديد: إيران وإسرائيل معًا. ليس باعتبارهما خطرين متوازيين فقط، بل كقوتين تسعيان الى ملء الفراغ الإقليمي في غياب مشروع عربي واضح.

مسؤول عربي رفيع، رفض الكشف عن اسمه، يلخّص هذه المعضلة بوضوح: “من مصلحتنا إضعاف إيران. لولا إيران لظل العراق قويًا، واليمن موحدًا، ولبنان معافى”، ويضيف: “لكن الخطر لا ينتهي عند هذا الحد. بعد إيران، سنواجه إسرائيل أكثر قوة واندفاعًا. تهديدها طويل الأمد على الأردن والمنطقة”.

هذا الإدراك يعكس تحوّلًا عميقًا في التفكير الاستراتيجي العربي. فإيران، على رغم عدائيتها، شكّلت لسنوات عنصر توازن نسبي في مواجهة التفوق الإسرائيلي. أما القضاء عليها أو إضعافها بشدة، فقد يطلق يد إسرائيل في الإقليم بدون رادع حقيقي.

الفراغ الذي يملؤه الآخرون!

في هذا السياق، يبرز تحذير د. مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق، الذي يرى أن المشكلة ليست فقط في المشاريع الإقليمية المتنافسة، بل في غياب مشروع عربي مقابل.

يقول د. المعشر إن المنطقة اليوم تعجّ بمشاريع واضحة: “مشروع إيراني يقول إن الحرب لا تُربح بالوسائل العسكرية، إنما بالصبر والقدرة على التحمّل والردع. ومشروع إسرائيلي يقول: سننفّذ مشروع إسرائيل الكبرى بالقوة العسكرية والهيمنة بلا منازع… وهناك مشاريع أخرى دولية تعيد تشكيل التوازنات”، ويختتم: “لكن، لا يوجد مشروع عربي”.

هذا الفراغ الاستراتيجي أتاح لقوى إقليمية أخرى أن تفرض مشاريعها على المنطقة. فإيران طوّرت شبكة من الحلفاء والوكلاء تمتد من العراق إلى لبنان وسوريا سابقًا، بينما عملت إسرائيل على تعزيز تفوقها العسكري وتوسيع دائرة علاقاتها الإقليمية، مستفيدة من الانقسامات العربية. هذا الفراغ هو ما يجعل الدول العربية تتحرك بردود فعل لا بمبادرة، ويُبقيها عرضة لنتائج صراعات لا تملك قرارها، بل تتحمّل تبعاتها.

سيناريو التخلي: الخوف غير المعلن!

أحد أكثر المخاوف حساسية هو احتمال أن يخرج العرب من هذه الحرب خاسرين استراتيجيًا، ليس فقط بسبب نتائجها، بل بسبب موقفهم منها. فقد اختارت الدول العربية عدم الانخراط المباشر في المواجهة ضد إيران. هذا القرار، على رغم وجاهته من منظور تجنّب التصعيد، يثير قلقًا من سيناريو لاحق: ماذا لو قالت واشنطن وتل أبيب لاحقًا: “لقد طلبنا دعمكم ورفضتم، الآن واجهوا التهديدات بأنفسكم”؟

هذا السيناريو يُنظر إليه كاحتمال واقعي، ويعكس خشية عميقة من أن تتحول الشراكة مع الولايات المتحدة إلى علاقة انتقائية، تُستخدم فيها التحالفات حين تخدم الأولويات الأميركية فقط.

الحرب كشفت أيضًا عن حقيقة غير مريحة: الأولوية الأميركية المطلقة هي أمن إسرائيل. وفي لحظات الضغط، تم توجيه منظومات الدفاع والصواريخ الاعتراضية أولًا لحماية إسرائيل، بينما تُركت دول أخرى أكثر عرضة للمخاطر. هذه الرسالة لم تمر بدون أثر، وأدّت إلى تراجع الثقة وارتفاع منسوب الشك في التزام واشنطن بأمن حلفائها.

ماذا لو نجحت الحرب؟

نجاح الحرب في تدمير البرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران قد يبدو مكسبًا، لكنه يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فإيران ليست دولة يمكن إسقاطها بدون تداعيات. أي انهيار أو ضعف كبير قد يؤدي إلى فوضى داخلية وصراعات، وربما موجات عدم استقرار تمتد إلى الجوار ولسنوات.

وفي المقابل، ستجد إسرائيل نفسها في موقع غير مسبوق من التفوق، ما يعزز قدرتها على فرض وقائع جديدة في المنطقة، بخاصة في الأراضي الفلسطينية، وفي لبنان وسوريا.

ماذا لو فشلت؟

في حال فشل الحرب، أو انتهائها من دون حسم، يُتوقع أن تعود إيران أكثر تشددًا وعدائية، مع سعي الى إعادة بناء قدراتها بسرعة. مسؤول أردني رفيع، فضل إخفاء اسمه، يحذّر من هذا السيناريو: “إيران بعد الحرب قد تصبح أخطر بكثير مما كانت عليه قبلها”. هذه الفرضية تعني أن الدول العربية ستواجه تهديدًا مضاعفًا، من دون ضمانات أميركية واضحة.

في الخليج، تتباين المواقف بين الدول، لكن القاسم المشترك هو القلق من تداعيات أي تصعيد إقليمي. فالدول التي استثمرت بشكل كبير في الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات والسياحة، تدرك أن أي اضطرابات أمنية قد تقوّض هذه الإنجازات. كما أن تعرض البنية التحتية الحيوية لهجمات محتملة يشكّل هاجسًا دائمًا في ظل التوترات الحالية.

إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الثقة في الولايات المتحدة كعامل حاسم في إعادة تقييم السياسات الإقليمية. فالإدارة الأميركية، التي تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية، قد تسعى إلى إنهاء أي حرب بسرعة من دون ضمانات واضحة لمرحلة ما بعد الصراع. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة، مثل العراق بعد 2003، إذ أدى غياب التخطيط لليوم التالي إلى فوضى طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، تُطرح سيناريوهات عدة لمستقبل إيران بعد الحرب، تتراوح بين انهيار النظام وظهور قيادة جديدة ضعيفة، أو بقاء النظام مع إعادة بناء قدراته، أو حتى تكرار نموذج العقوبات الطويلة من دون تغيير جذري. كل من هذه السيناريوهات يحمل في طياته مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة.

الأخطر من ذلك هو احتمال انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع، قد تشمل استخدام أسلحة غير تقليدية أو توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل دولًا أخرى. مثل هذا التطور قد يدفع المنطقة إلى مرحلة من الفوضى يصعب احتواؤها، مع تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.

المنطقة العربية ما بعد إيران

القلق الأكبر يتمحور حول ما قد تفعله إسرائيل بعد انتهاء الحرب. بحسب د. مروان المعشر، فإن إسرائيل تتحرك وفق خطة واضحة لإعادة تشكيل الضفة الغربية، تقوم على ضم مناطق (ج) بالكامل، وأجزاء واسعة من (ب)، واستخدام (ب) لتقطيع أوصال مناطق (أ)، التي تضم المدن الفلسطينية الرئيسية.

هذا المخطط لا يستهدف فقط توسيع السيطرة، بل إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية، عبر تحويل التجمعات الفلسطينية إلى جيوب منفصلة تُدار إداريًا من دون سيادة، بضمانات عربية وإقليمية، على غرار المشروع الآلي في غزة بعد الحرب: إسرائيل صاحبة السيادة على الأرض والجو والموجات الكهرومغناطيسية، مع الدفع لاحقًا نحو تهجير الفلسطينيين طوعًا أو قسرًا إلى دول الجوار.

أما في لبنان، فتشير التقديرات إلى أن إسرائيل قد تتجه نحو تصعيد عسكري واسع جنوب نهر الليطاني، يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، بهدف تدمير ما تبقى من البنية التحتية العسكرية لحزب الله، وفرض واقع أمني جديد قد يُترجم لاحقًا في شكل اتفاق أمني لفض الاشتباك، واعتراف بحق إسرائيل في الوجود، تمهيدًا لمعاهدة سلام عندما تخف حدة الانقسامات.

وفي ما يخص سوريا، قد تستغل إسرائيل إضعاف إيران لتوسيع عملياتها في الجنوب، وربما إعادة تشكيل البيئة الأمنية هناك، سواء عبر الضربات المباشرة أو عبر توظيف التوازنات المحلية وحالات العداء، بما في ذلك العلاقة بين بعض المكونات المحلية والنظام.

هذا التمدد يعكس تصورًا إسرائيليًا أوسع لإعادة هندسة المجال الأمني المحيط بها، والاحتفاظ بالهيمنة، والانخراط في معاهدات اقتصادية وأمنية مع الدول العربية مقابل السلام، بدلًا من مفهوم الشرعية الدولية الذي تمسّك به العالم لعقود: الأرض مقابل السلام.

في هذا السياق، تتعرض القيادة الأردنية لضغوط متزايدة منذ شهور، بخاصة على الملك عبد الله الثاني، للقاء بنيامين نتانياهو، لكن عمّان لم تذهب نحو هذا اللقاء من دون شروط. فقد أرسلت رسالة تطلب إجابات عن نحو 15 سؤالًا محوريًا، تتعلق بملفات مثل الضم والمياه والطاقة والترتيبات الأمنية والحدود… الرد الإسرائيلي جاء غير واضح وغير مطمئن، ما أدى إلى تجميد فكرة اللقاء، في حين تستمر اللقاءات الأمنية بين البلدين بصورة دورية.

الإمارات والسعودية: ورقة الضغط الأقرب إلى ترامب

في هذا المشهد، تبرز الإمارات كلاعب يمتلك إحدى أهم أوراق التأثير العربي على دونالد ترامب، بسبب “التفاهمات الإبراهيمية” التي وقعتها مع إسرائيل في نهاية ولايته الأولى.

في ظل هذه التعقيدات، تبرز الحاجة الملحة إلى بلورة مشروع عربي مشترك، قادر على التعامل مع التحديات الراهنة والمستقبلية. هذا المشروع يجب أن يتجاوز ردود الفعل الآنية، ويستند إلى رؤية استراتيجية واضحة تأخذ في الاعتبار مصالح الدول العربية وأمنها القومي.

لكن تحقيق ذلك يتطلب أولًا تجاوز الخلافات الداخلية بين الإمارات والسعودية، وبناء حد أدنى من التوافق السياسي. كما يستدعي إعادة تعريف العلاقة مع القوى الدولية، بما يضمن تحقيق توازن أفضل بين المصالح والالتزامات.

من جهة أخرى، تمتلك بعض الدول العربية مثل الإمارات والسعودية أوراق ضغط يمكن توظيفها بشكل أكثر فاعلية، مثل العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة أو اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. غير أن استخدام هذه الأوراق يتطلب إرادة سياسية موحدة واستعدادًا لتحمّل التبعات.

فأقرب الملفات إلى إرث ترامب السياسي هو “التفاهمات الإبراهيمية”، التي تمثل إنجازه الأبرز في المنطقة. وهذه الورقة تحديدًا تمنح أبو ظبي قدرة حقيقية على التأثير إذا قررت استخدامها. ضمن هذا الإطار، تبرز إمكانية أن تلوّح الإمارات بتصعيد، أو تقود موقفًا عربيًا-إسلاميًا بتجميد هذه التفاهمات، أو حتى تجميد عضوية الدول المشاركة في مجلس السلام الذي يرأسه ترامب.

مثل هذه الخطوة سيشكل ضربة مباشرة لإرث ترامب السياسي، وقد يدفعه الى الضغط على إسرائيل. لكن حتى الآن، لم تُستخدم هذه الأوراق بشكل حاسم وواضح، وربما تساهم الحرب المفاجئة على المنطقة في تقريب وجهات النظر بين السعودية والإمارات.

لحظة الحقيقة

تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل قد تستمر لسنوات. وفي هذا السياق، ستتحدد مكانة الدول العربية ليس فقط بناءً على قدرتها على التعامل مع التحديات، بل أيضًا على مدى قدرتها على المبادرة وصياغة مستقبلها بدل الاكتفاء بالتكيّف مع قرارات الآخرين.

ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل لحظة تاريخية قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لعقود مقبلة. وبينما تتصارع القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العرب الخروج من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، أم سيستمرون في دفع ثمن صراعات لا يملكون قرارها؟

24.03.2026
زمن القراءة: 7 minutes

ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل لحظة تاريخية قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لعقود مقبلة. وبينما تتصارع القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العرب الخروج من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، أم سيستمرون في دفع ثمن صراعات لا يملكون قرارها؟

تجد الدول العربية الحليفة لواشنطن نفسها اليوم في قلب معادلة استراتيجية معقدة: بين دعم حرب على إيران لا دور لها في قرارها، وخشية من نتائجها سواء نجحت أو فشلت. ففي الحالتين، تبدو المنطقة مقبلة على تحولات عميقة قد تعيد رسم توازناتها، ليس لصالح العرب بالضرورة، بل على حسابهم. فمنذ اندلاع المواجهة يوم 28 شباط/ فبراير الماضي، انكشف موقع هذه الدول كمتلقٍّ للتداعيات لا صانع لها.

دول الخليج، إلى جانب الأردن، لم تكن جزءًا من قرار الحرب، لكنها تتحمل مخاطرها الأمنية والاقتصادية. الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي اخترقت الأجواء الإقليمية، واستهدفت قواعد ومصالح أميركية، لم تميّز بين طرف وآخر، ما أعاد طرح سؤال جوهري: ما قيمة التحالفات الأمنية الأجنبية إذا لم توفّر الحماية عند لحظة الاختبار؟

لكن القلق العربي لا يتوقف عند إيران، فالمفارقة أن الحرب التي يُفترض أنها تستهدف “الخطر الإيراني” على المنطقة والعالم، قد تفتح الباب أمام خطر آخر لا يقل تهديداً: إسرائيل ما بعد إيران.

معادلة “الخطرين”

للمرة الأولى منذ عقود، يُطرح داخل دوائر القرار مفهوم مزدوج للتهديد: إيران وإسرائيل معًا. ليس باعتبارهما خطرين متوازيين فقط، بل كقوتين تسعيان الى ملء الفراغ الإقليمي في غياب مشروع عربي واضح.

مسؤول عربي رفيع، رفض الكشف عن اسمه، يلخّص هذه المعضلة بوضوح: “من مصلحتنا إضعاف إيران. لولا إيران لظل العراق قويًا، واليمن موحدًا، ولبنان معافى”، ويضيف: “لكن الخطر لا ينتهي عند هذا الحد. بعد إيران، سنواجه إسرائيل أكثر قوة واندفاعًا. تهديدها طويل الأمد على الأردن والمنطقة”.

هذا الإدراك يعكس تحوّلًا عميقًا في التفكير الاستراتيجي العربي. فإيران، على رغم عدائيتها، شكّلت لسنوات عنصر توازن نسبي في مواجهة التفوق الإسرائيلي. أما القضاء عليها أو إضعافها بشدة، فقد يطلق يد إسرائيل في الإقليم بدون رادع حقيقي.

الفراغ الذي يملؤه الآخرون!

في هذا السياق، يبرز تحذير د. مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق، الذي يرى أن المشكلة ليست فقط في المشاريع الإقليمية المتنافسة، بل في غياب مشروع عربي مقابل.

يقول د. المعشر إن المنطقة اليوم تعجّ بمشاريع واضحة: “مشروع إيراني يقول إن الحرب لا تُربح بالوسائل العسكرية، إنما بالصبر والقدرة على التحمّل والردع. ومشروع إسرائيلي يقول: سننفّذ مشروع إسرائيل الكبرى بالقوة العسكرية والهيمنة بلا منازع… وهناك مشاريع أخرى دولية تعيد تشكيل التوازنات”، ويختتم: “لكن، لا يوجد مشروع عربي”.

هذا الفراغ الاستراتيجي أتاح لقوى إقليمية أخرى أن تفرض مشاريعها على المنطقة. فإيران طوّرت شبكة من الحلفاء والوكلاء تمتد من العراق إلى لبنان وسوريا سابقًا، بينما عملت إسرائيل على تعزيز تفوقها العسكري وتوسيع دائرة علاقاتها الإقليمية، مستفيدة من الانقسامات العربية. هذا الفراغ هو ما يجعل الدول العربية تتحرك بردود فعل لا بمبادرة، ويُبقيها عرضة لنتائج صراعات لا تملك قرارها، بل تتحمّل تبعاتها.

سيناريو التخلي: الخوف غير المعلن!

أحد أكثر المخاوف حساسية هو احتمال أن يخرج العرب من هذه الحرب خاسرين استراتيجيًا، ليس فقط بسبب نتائجها، بل بسبب موقفهم منها. فقد اختارت الدول العربية عدم الانخراط المباشر في المواجهة ضد إيران. هذا القرار، على رغم وجاهته من منظور تجنّب التصعيد، يثير قلقًا من سيناريو لاحق: ماذا لو قالت واشنطن وتل أبيب لاحقًا: “لقد طلبنا دعمكم ورفضتم، الآن واجهوا التهديدات بأنفسكم”؟

هذا السيناريو يُنظر إليه كاحتمال واقعي، ويعكس خشية عميقة من أن تتحول الشراكة مع الولايات المتحدة إلى علاقة انتقائية، تُستخدم فيها التحالفات حين تخدم الأولويات الأميركية فقط.

الحرب كشفت أيضًا عن حقيقة غير مريحة: الأولوية الأميركية المطلقة هي أمن إسرائيل. وفي لحظات الضغط، تم توجيه منظومات الدفاع والصواريخ الاعتراضية أولًا لحماية إسرائيل، بينما تُركت دول أخرى أكثر عرضة للمخاطر. هذه الرسالة لم تمر بدون أثر، وأدّت إلى تراجع الثقة وارتفاع منسوب الشك في التزام واشنطن بأمن حلفائها.

ماذا لو نجحت الحرب؟

نجاح الحرب في تدمير البرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران قد يبدو مكسبًا، لكنه يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فإيران ليست دولة يمكن إسقاطها بدون تداعيات. أي انهيار أو ضعف كبير قد يؤدي إلى فوضى داخلية وصراعات، وربما موجات عدم استقرار تمتد إلى الجوار ولسنوات.

وفي المقابل، ستجد إسرائيل نفسها في موقع غير مسبوق من التفوق، ما يعزز قدرتها على فرض وقائع جديدة في المنطقة، بخاصة في الأراضي الفلسطينية، وفي لبنان وسوريا.

ماذا لو فشلت؟

في حال فشل الحرب، أو انتهائها من دون حسم، يُتوقع أن تعود إيران أكثر تشددًا وعدائية، مع سعي الى إعادة بناء قدراتها بسرعة. مسؤول أردني رفيع، فضل إخفاء اسمه، يحذّر من هذا السيناريو: “إيران بعد الحرب قد تصبح أخطر بكثير مما كانت عليه قبلها”. هذه الفرضية تعني أن الدول العربية ستواجه تهديدًا مضاعفًا، من دون ضمانات أميركية واضحة.

في الخليج، تتباين المواقف بين الدول، لكن القاسم المشترك هو القلق من تداعيات أي تصعيد إقليمي. فالدول التي استثمرت بشكل كبير في الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات والسياحة، تدرك أن أي اضطرابات أمنية قد تقوّض هذه الإنجازات. كما أن تعرض البنية التحتية الحيوية لهجمات محتملة يشكّل هاجسًا دائمًا في ظل التوترات الحالية.

إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الثقة في الولايات المتحدة كعامل حاسم في إعادة تقييم السياسات الإقليمية. فالإدارة الأميركية، التي تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية، قد تسعى إلى إنهاء أي حرب بسرعة من دون ضمانات واضحة لمرحلة ما بعد الصراع. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة، مثل العراق بعد 2003، إذ أدى غياب التخطيط لليوم التالي إلى فوضى طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، تُطرح سيناريوهات عدة لمستقبل إيران بعد الحرب، تتراوح بين انهيار النظام وظهور قيادة جديدة ضعيفة، أو بقاء النظام مع إعادة بناء قدراته، أو حتى تكرار نموذج العقوبات الطويلة من دون تغيير جذري. كل من هذه السيناريوهات يحمل في طياته مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة.

الأخطر من ذلك هو احتمال انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع، قد تشمل استخدام أسلحة غير تقليدية أو توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل دولًا أخرى. مثل هذا التطور قد يدفع المنطقة إلى مرحلة من الفوضى يصعب احتواؤها، مع تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.

المنطقة العربية ما بعد إيران

القلق الأكبر يتمحور حول ما قد تفعله إسرائيل بعد انتهاء الحرب. بحسب د. مروان المعشر، فإن إسرائيل تتحرك وفق خطة واضحة لإعادة تشكيل الضفة الغربية، تقوم على ضم مناطق (ج) بالكامل، وأجزاء واسعة من (ب)، واستخدام (ب) لتقطيع أوصال مناطق (أ)، التي تضم المدن الفلسطينية الرئيسية.

هذا المخطط لا يستهدف فقط توسيع السيطرة، بل إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية، عبر تحويل التجمعات الفلسطينية إلى جيوب منفصلة تُدار إداريًا من دون سيادة، بضمانات عربية وإقليمية، على غرار المشروع الآلي في غزة بعد الحرب: إسرائيل صاحبة السيادة على الأرض والجو والموجات الكهرومغناطيسية، مع الدفع لاحقًا نحو تهجير الفلسطينيين طوعًا أو قسرًا إلى دول الجوار.

أما في لبنان، فتشير التقديرات إلى أن إسرائيل قد تتجه نحو تصعيد عسكري واسع جنوب نهر الليطاني، يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، بهدف تدمير ما تبقى من البنية التحتية العسكرية لحزب الله، وفرض واقع أمني جديد قد يُترجم لاحقًا في شكل اتفاق أمني لفض الاشتباك، واعتراف بحق إسرائيل في الوجود، تمهيدًا لمعاهدة سلام عندما تخف حدة الانقسامات.

وفي ما يخص سوريا، قد تستغل إسرائيل إضعاف إيران لتوسيع عملياتها في الجنوب، وربما إعادة تشكيل البيئة الأمنية هناك، سواء عبر الضربات المباشرة أو عبر توظيف التوازنات المحلية وحالات العداء، بما في ذلك العلاقة بين بعض المكونات المحلية والنظام.

هذا التمدد يعكس تصورًا إسرائيليًا أوسع لإعادة هندسة المجال الأمني المحيط بها، والاحتفاظ بالهيمنة، والانخراط في معاهدات اقتصادية وأمنية مع الدول العربية مقابل السلام، بدلًا من مفهوم الشرعية الدولية الذي تمسّك به العالم لعقود: الأرض مقابل السلام.

في هذا السياق، تتعرض القيادة الأردنية لضغوط متزايدة منذ شهور، بخاصة على الملك عبد الله الثاني، للقاء بنيامين نتانياهو، لكن عمّان لم تذهب نحو هذا اللقاء من دون شروط. فقد أرسلت رسالة تطلب إجابات عن نحو 15 سؤالًا محوريًا، تتعلق بملفات مثل الضم والمياه والطاقة والترتيبات الأمنية والحدود… الرد الإسرائيلي جاء غير واضح وغير مطمئن، ما أدى إلى تجميد فكرة اللقاء، في حين تستمر اللقاءات الأمنية بين البلدين بصورة دورية.

الإمارات والسعودية: ورقة الضغط الأقرب إلى ترامب

في هذا المشهد، تبرز الإمارات كلاعب يمتلك إحدى أهم أوراق التأثير العربي على دونالد ترامب، بسبب “التفاهمات الإبراهيمية” التي وقعتها مع إسرائيل في نهاية ولايته الأولى.

في ظل هذه التعقيدات، تبرز الحاجة الملحة إلى بلورة مشروع عربي مشترك، قادر على التعامل مع التحديات الراهنة والمستقبلية. هذا المشروع يجب أن يتجاوز ردود الفعل الآنية، ويستند إلى رؤية استراتيجية واضحة تأخذ في الاعتبار مصالح الدول العربية وأمنها القومي.

لكن تحقيق ذلك يتطلب أولًا تجاوز الخلافات الداخلية بين الإمارات والسعودية، وبناء حد أدنى من التوافق السياسي. كما يستدعي إعادة تعريف العلاقة مع القوى الدولية، بما يضمن تحقيق توازن أفضل بين المصالح والالتزامات.

من جهة أخرى، تمتلك بعض الدول العربية مثل الإمارات والسعودية أوراق ضغط يمكن توظيفها بشكل أكثر فاعلية، مثل العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة أو اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. غير أن استخدام هذه الأوراق يتطلب إرادة سياسية موحدة واستعدادًا لتحمّل التبعات.

فأقرب الملفات إلى إرث ترامب السياسي هو “التفاهمات الإبراهيمية”، التي تمثل إنجازه الأبرز في المنطقة. وهذه الورقة تحديدًا تمنح أبو ظبي قدرة حقيقية على التأثير إذا قررت استخدامها. ضمن هذا الإطار، تبرز إمكانية أن تلوّح الإمارات بتصعيد، أو تقود موقفًا عربيًا-إسلاميًا بتجميد هذه التفاهمات، أو حتى تجميد عضوية الدول المشاركة في مجلس السلام الذي يرأسه ترامب.

مثل هذه الخطوة سيشكل ضربة مباشرة لإرث ترامب السياسي، وقد يدفعه الى الضغط على إسرائيل. لكن حتى الآن، لم تُستخدم هذه الأوراق بشكل حاسم وواضح، وربما تساهم الحرب المفاجئة على المنطقة في تقريب وجهات النظر بين السعودية والإمارات.

لحظة الحقيقة

تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل قد تستمر لسنوات. وفي هذا السياق، ستتحدد مكانة الدول العربية ليس فقط بناءً على قدرتها على التعامل مع التحديات، بل أيضًا على مدى قدرتها على المبادرة وصياغة مستقبلها بدل الاكتفاء بالتكيّف مع قرارات الآخرين.

ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل لحظة تاريخية قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لعقود مقبلة. وبينما تتصارع القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العرب الخروج من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، أم سيستمرون في دفع ثمن صراعات لا يملكون قرارها؟