ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“العلّاسة الولائيون” في العراق: من لا يصفّق لإيران فهو مطبّع!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003، ظن العراقيون أنهم تخلصوا من زمن التقارير والعيون، لكن المفارقة أن بعض أولئك الكتبة عادوا الى الواجهة مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحت عباءة “المثقف الولائي”، وأقلامهم باتت تخدم “مقاومة إسلامية” لها تصوّر واحد للحقيقة، وتُقصي كل من يختلف معها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في العراق، يبدو أن بعض الظواهر لا تموت، بل تعود بأزياء جديدة وشعارات مختلفة. كتبة التقارير الذين ملأوا حياة العراقيين في زمن حزب البعث رعباً ووشاية، عادوا اليوم بأسماء مستعارة، ورايات دينية، وحسابات على مواقع التواصل، يرفعون فيها شعار الولاء المطلق لإيران، ويطالبون بمحاسبة كل من لم يُظهر تأييداً علنياً للحرب التي خاضتها “الجمهورية الإسلامية” ضد إسرائيل.

خلال حكم حزب البعث (1968–2003)، كان تقرير صغير من “رفيق حزبي” كفيلاً بإدخال الإنسان إلى دهاليز الموت، أو على الأقل إلى زنزانة مظلمة. في ذلك الزمن، لم يكن أحد آمناً من رقابة العيون الحزبية. في العمل، في الجامعة، وأحياناً حتى داخل البيت، قد يتحوّل الزوج أو الأخ أو الصديق الأقرب، في لحظة، إلى مخبر سري يكتب عن “همسة” معارضة، أو حتى “نكتة سياسية” قيلت سهواً في جلسة عائلية.

دفن كثر من المثقفين كتبهم تحت الأرض، وآثروا الصمت، واختفى آخرون في المنافي أو المعتقلات. ووفق تقارير منظمات حقوقية، فإن آلاف العراقيين قضوا في تلك الحقبة بسبب تقارير حزبية كيدية كتبها أصحاب مصالح أو حاسدون.

بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003، ظن العراقيون أنهم تخلصوا من زمن التقارير والعيون، لكن المفارقة أن بعض أولئك الكتبة عادوا الى الواجهة مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحت عباءة “المثقف الولائي”، وأقلامهم باتت تخدم “مقاومة إسلامية” لها تصوّر واحد للحقيقة، وتُقصي كل من يختلف معها.

اليوم، صار بعضهم يحرّض ضد من لا يشارك منشوراً مؤيداً لإيران، ويطالب بـ”محاسبته قانونياً”. بل وصل الأمر إلى نشر أرقام هواتف “الأمن الوطني”، داعين متابعيهم إلى الإبلاغ عن كل من يعارض “خط المقاومة”.

“من لا يصفّق لإيران، فهو مطبّع مع إسرائيل”، هذه هي المعادلة التي يروّج لها بعض الأدباء والكتّاب المحسوبين على “ثقافة الولاية”، وهي معادلة تضع المثقف العراقي في مأزق أخلاقي خطير: فهل دوره أن يكون تابعاً للسلطة، أم ضميراً حياً يحاسب الجميع، من دون اصطفاف مذهبي أو طائفي؟

مصطلح “العلّاسة”، الذي يعني الوشاية أو الإبلاغ الكيدي، عاد اليوم بصيغة إلكترونية: صفحات موالية تنشر تحذيرات، وتدعو متابعيها إلى الإبلاغ عن كل من ينتقد إيران أو يرفض الانجرار إلى صراعاتها الإقليمية، تحت تهمتي “التطبيع” أو “العداء لمحور المقاومة”.

المثقف العراقي، الذي عانى من القمع لعقود، مطالب اليوم بألّا يتحوّل إلى جلاد جديد، حتى وإن غيّر جلده. فالبلاد تغرق في الفساد، والبطالة، والنزوح، والتصحر. فهل من المنطقي أن تُهدر الطاقات في مطاردة رأي أو “بوست” لا يعجب “الثقافة” الجديدة؟

الاعتراف بأن الجميع يعاني من رواسب الماضي، وأن البلاد ما زالت محكومة بمرجعيات فوق الدولة، هو الخطوة الأولى نحو تحرر حقيقي. أما استمرار “حرب التقارير”، فليس سوى عودة الى البؤس بوجه جديد.

لم يعد تأثير المثقف أو الصحافي أو صانع المحتوى في العراق نتاجاً طبيعياً لحضوره الثقافي أو رصيده المهني، بل بات في كثير من الأحيان مشروطاً بالتموضع ضمن سرديات القوى المهيمنة. لقد نجحت الجهات الإعلامية والمنصات الإسلامية الممولة من إيران في استقطاب شريحة واسعة من الكتّاب والصحافيين والمثقفين، ليكونوا أبواقاً ترفع الصوت عندما تضيق الساحات على “الولي”، حتى وإن كان الثمن تجاوز المصلحة الوطنية.

تجدهم يكتبون ويسوّقون السردية الإيرانية بحماسة لا تقل عن حماسة من يرى نفسه في معركة وجودية لا تتّسع لأي رأي آخر. وفي لحظة اشتداد الأزمات، يزداد الضخ الإعلامي، وتُستثمر المنصات في خنق كل خطاب وطني مستقل أو عقلاني.

وفي مفارقة تكشف عمق التناقض والانفصام في الخطاب الثقافي والسياسي، يمتدح نواب برلمانيون ومثقفون عراقيون اليوم المعارضة الإيرانية لأنها لم تقف مع “العدو الإسرائيلي” الذي يهاجم إيران، بينما يصفّق هؤلاء أنفسهم للولايات المتحدة الأميركية التي يفاخرون بأنها “خلّصتهم من نظام البعث” في 2003.

هذه الازدواجية تكشف عن أزمة أعمق: مثقف متسلق على مبادئه، يختار موقعه الأخلاقي وفقاً لحسابات ظرفية، لا لقناعة فكرية أو موقف وطني ثابت.

فهل تحوّلت الوطنية إلى ورقة تُستخدم وتُبدَّل حسب الجهة التي تنتصر مؤقتاً؟ يبدو أن هذا الانفصام صار جزءاً من الحالة العامة، وربما لن ينتهي ما لم تحدث قطيعة معرفية وأخلاقية حقيقية مع هذا الإرث الملوّث بالتبعية والانتهازية.

أما أكثر ما يوجع في هذا المشهد المقلوب، فهو أن نخبة واسعة من الصحافيين والمثقفين والمؤثرين العراقيين، ممن يُفترض أنهم حاملو ذاكرة بلدهم، يشاركون اليوم ويتغنون بـ”سمفونية خرمشهر” – وهي المقطوعة التي ألّفها الموسيقار الإيراني مجيد انتظامي لتخليد تحرير المدينة من الجيش العراقي خلال الحرب الإيرانية – العراقية (1980–1988)، تلك الحرب التي حصدت أرواح مئات الآلاف من الطرفين.

تخيّل أن هؤلاء أنفسهم الذين يمجّدون اليوم المعارضة الإيرانية لأنها لم تؤيد “العدو” ضد بلادها، لا يجدون حرجاً في الاحتفاء بعمل فني يُخلّد هزيمة جيش وطنهم، ويستحضر ذكريات مؤلمة للعراقيين، خصوصاً أولئك الذين فقدوا أبناءهم في تلك الحرب الطويلة.

إنها الذاكرة الانتقائية، والانحياز الأعمى، والانسلاخ عن الحس الوطني… تجتمع كلها في مشهد صارخ، يكشف كيف يمكن للمثقف أن يتحوّل إلى أداة للسلطة أو للتمويل، يختار ما يتذكّره وما ينساه، وفقاً لما يخدم الولاء، لا الوعي.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
25.06.2025
زمن القراءة: 4 minutes

بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003، ظن العراقيون أنهم تخلصوا من زمن التقارير والعيون، لكن المفارقة أن بعض أولئك الكتبة عادوا الى الواجهة مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحت عباءة “المثقف الولائي”، وأقلامهم باتت تخدم “مقاومة إسلامية” لها تصوّر واحد للحقيقة، وتُقصي كل من يختلف معها.

في العراق، يبدو أن بعض الظواهر لا تموت، بل تعود بأزياء جديدة وشعارات مختلفة. كتبة التقارير الذين ملأوا حياة العراقيين في زمن حزب البعث رعباً ووشاية، عادوا اليوم بأسماء مستعارة، ورايات دينية، وحسابات على مواقع التواصل، يرفعون فيها شعار الولاء المطلق لإيران، ويطالبون بمحاسبة كل من لم يُظهر تأييداً علنياً للحرب التي خاضتها “الجمهورية الإسلامية” ضد إسرائيل.

خلال حكم حزب البعث (1968–2003)، كان تقرير صغير من “رفيق حزبي” كفيلاً بإدخال الإنسان إلى دهاليز الموت، أو على الأقل إلى زنزانة مظلمة. في ذلك الزمن، لم يكن أحد آمناً من رقابة العيون الحزبية. في العمل، في الجامعة، وأحياناً حتى داخل البيت، قد يتحوّل الزوج أو الأخ أو الصديق الأقرب، في لحظة، إلى مخبر سري يكتب عن “همسة” معارضة، أو حتى “نكتة سياسية” قيلت سهواً في جلسة عائلية.

دفن كثر من المثقفين كتبهم تحت الأرض، وآثروا الصمت، واختفى آخرون في المنافي أو المعتقلات. ووفق تقارير منظمات حقوقية، فإن آلاف العراقيين قضوا في تلك الحقبة بسبب تقارير حزبية كيدية كتبها أصحاب مصالح أو حاسدون.

بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003، ظن العراقيون أنهم تخلصوا من زمن التقارير والعيون، لكن المفارقة أن بعض أولئك الكتبة عادوا الى الواجهة مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحت عباءة “المثقف الولائي”، وأقلامهم باتت تخدم “مقاومة إسلامية” لها تصوّر واحد للحقيقة، وتُقصي كل من يختلف معها.

اليوم، صار بعضهم يحرّض ضد من لا يشارك منشوراً مؤيداً لإيران، ويطالب بـ”محاسبته قانونياً”. بل وصل الأمر إلى نشر أرقام هواتف “الأمن الوطني”، داعين متابعيهم إلى الإبلاغ عن كل من يعارض “خط المقاومة”.

“من لا يصفّق لإيران، فهو مطبّع مع إسرائيل”، هذه هي المعادلة التي يروّج لها بعض الأدباء والكتّاب المحسوبين على “ثقافة الولاية”، وهي معادلة تضع المثقف العراقي في مأزق أخلاقي خطير: فهل دوره أن يكون تابعاً للسلطة، أم ضميراً حياً يحاسب الجميع، من دون اصطفاف مذهبي أو طائفي؟

مصطلح “العلّاسة”، الذي يعني الوشاية أو الإبلاغ الكيدي، عاد اليوم بصيغة إلكترونية: صفحات موالية تنشر تحذيرات، وتدعو متابعيها إلى الإبلاغ عن كل من ينتقد إيران أو يرفض الانجرار إلى صراعاتها الإقليمية، تحت تهمتي “التطبيع” أو “العداء لمحور المقاومة”.

المثقف العراقي، الذي عانى من القمع لعقود، مطالب اليوم بألّا يتحوّل إلى جلاد جديد، حتى وإن غيّر جلده. فالبلاد تغرق في الفساد، والبطالة، والنزوح، والتصحر. فهل من المنطقي أن تُهدر الطاقات في مطاردة رأي أو “بوست” لا يعجب “الثقافة” الجديدة؟

الاعتراف بأن الجميع يعاني من رواسب الماضي، وأن البلاد ما زالت محكومة بمرجعيات فوق الدولة، هو الخطوة الأولى نحو تحرر حقيقي. أما استمرار “حرب التقارير”، فليس سوى عودة الى البؤس بوجه جديد.

لم يعد تأثير المثقف أو الصحافي أو صانع المحتوى في العراق نتاجاً طبيعياً لحضوره الثقافي أو رصيده المهني، بل بات في كثير من الأحيان مشروطاً بالتموضع ضمن سرديات القوى المهيمنة. لقد نجحت الجهات الإعلامية والمنصات الإسلامية الممولة من إيران في استقطاب شريحة واسعة من الكتّاب والصحافيين والمثقفين، ليكونوا أبواقاً ترفع الصوت عندما تضيق الساحات على “الولي”، حتى وإن كان الثمن تجاوز المصلحة الوطنية.

تجدهم يكتبون ويسوّقون السردية الإيرانية بحماسة لا تقل عن حماسة من يرى نفسه في معركة وجودية لا تتّسع لأي رأي آخر. وفي لحظة اشتداد الأزمات، يزداد الضخ الإعلامي، وتُستثمر المنصات في خنق كل خطاب وطني مستقل أو عقلاني.

وفي مفارقة تكشف عمق التناقض والانفصام في الخطاب الثقافي والسياسي، يمتدح نواب برلمانيون ومثقفون عراقيون اليوم المعارضة الإيرانية لأنها لم تقف مع “العدو الإسرائيلي” الذي يهاجم إيران، بينما يصفّق هؤلاء أنفسهم للولايات المتحدة الأميركية التي يفاخرون بأنها “خلّصتهم من نظام البعث” في 2003.

هذه الازدواجية تكشف عن أزمة أعمق: مثقف متسلق على مبادئه، يختار موقعه الأخلاقي وفقاً لحسابات ظرفية، لا لقناعة فكرية أو موقف وطني ثابت.

فهل تحوّلت الوطنية إلى ورقة تُستخدم وتُبدَّل حسب الجهة التي تنتصر مؤقتاً؟ يبدو أن هذا الانفصام صار جزءاً من الحالة العامة، وربما لن ينتهي ما لم تحدث قطيعة معرفية وأخلاقية حقيقية مع هذا الإرث الملوّث بالتبعية والانتهازية.

أما أكثر ما يوجع في هذا المشهد المقلوب، فهو أن نخبة واسعة من الصحافيين والمثقفين والمؤثرين العراقيين، ممن يُفترض أنهم حاملو ذاكرة بلدهم، يشاركون اليوم ويتغنون بـ”سمفونية خرمشهر” – وهي المقطوعة التي ألّفها الموسيقار الإيراني مجيد انتظامي لتخليد تحرير المدينة من الجيش العراقي خلال الحرب الإيرانية – العراقية (1980–1988)، تلك الحرب التي حصدت أرواح مئات الآلاف من الطرفين.

تخيّل أن هؤلاء أنفسهم الذين يمجّدون اليوم المعارضة الإيرانية لأنها لم تؤيد “العدو” ضد بلادها، لا يجدون حرجاً في الاحتفاء بعمل فني يُخلّد هزيمة جيش وطنهم، ويستحضر ذكريات مؤلمة للعراقيين، خصوصاً أولئك الذين فقدوا أبناءهم في تلك الحرب الطويلة.

إنها الذاكرة الانتقائية، والانحياز الأعمى، والانسلاخ عن الحس الوطني… تجتمع كلها في مشهد صارخ، يكشف كيف يمكن للمثقف أن يتحوّل إلى أداة للسلطة أو للتمويل، يختار ما يتذكّره وما ينساه، وفقاً لما يخدم الولاء، لا الوعي.