في كل مرّة تُوجَّه فيها تهم بالتحرّش أو الاعتداء الجنسي إلى فنّان مشهور، ينقسم الرأي العامّ بسرعة إلى معسكرين. الأوّل يطالب بإدانته فوراً، والثاني يرفع راية قرينة البراءة وينادي باستمرار حفلاته وجولاته الفنّية وتكريمه الإعلامي، وكأن شيئاً لم يكن.
لكن بين الإدانة المسبقة والتبرئة المسبقة، ثمّة سؤال أساسي: لماذا لا يتوقّف المشاهير عن ممارسة نشاطهم العامّ، إلى حين انتهاء التحقيقات وصدور الأحكام القضائية؟
في أحدث التطوّرات القضائية التي تهزّ الوسط الفنّي الفرنسي، وُضع المغنّي والممثّل الشهير باتريك برويل قيد الحجز الاحتياطي من قِبل الشرطة القضائية في باريس، وجاء هذا الإجراء بعد إيقاف برويل عن مزاولة أيّ عمل فنّي على خلفية سلسلة من التحقيقات والشكاوى المتراكمة التي رفعتها ضدّه 13 امرأة، وتتضمّن تهماً خطيرة بالاغتصاب والاعتداء الجنسي تعود لسنوات متفرّقة، وقد أعاد هذا الملفّ فتح النقاش في فرنسا حول قضايا العنف الجنسي، خاصّة مع تزامنه مع ملاحقات وقضايا مماثلة طالت رموزاً فنّية بارزة أخرى.
ولا تقتصر هذه الظاهرة القضائية على قطاع الموسيقى فحسب، بل تمتدّ لتشمل كبار صنّاع الفنّ السابع؛ حيث يُشكّل الممثّل الفرنسي العالمي جيرار ديبارديو نموذجاً صارخاً آخر لأزمات “السقوط من القمّة”، ويأتي ذلك إثر إدانته رسمياً من قِبل محكمة جنايات باريس بتهمة الاعتداء الجنسي على امرأتين في مواقع التصوير، وحُكم عليه بالسجن 18 شهراً مع وقف التنفيذ، مع إدراجه في سجلّ مرتكبي الجرائم الجنسية، وتأتي قضية ديبارديو لتعزّز زخم الحراك القانوني والاجتماعي المناهض للإفلات من العقاب داخل الأوساط الفنّية، ولتؤكّد أن النجومية الطاغية لم تعد حصناً منيعاً أمام المساءلة والمحاسبة.
وعلى النحو ذاته في العالم العربي، شهدنا نقاشاً مشابهاً ارتبط بالفنّان المغربي سعد لمجرد، الذي تحوّلت أزمته القضائية إلى قضيّة رأي عامّ، حُشدت فيها مواقف الجماهير ومنصّات الإعلام بين حراك للدفاع عنه وتيّار يدين سلوكه وجرمه. يُذكر أن الفنّان المغربي يُعدّ أحد أشهر نجوم الغناء والبوب في الوطن العربي، حيث حقّق شهرة قياسية بفضل أعماله التي حصدت ملايين المشاهدات؛ إلا أن مسيرته المهنية اقترنت بملاحقات قضائية معقّدة في فرنسا.
وفي هذا السياق، أصدرت محكمة الجنايات في مدينة دراغينيان في جنوب شرق فرنسا حكماً في 15 أيّار/ مايو 2026 يقضي بسجنه لمدّة خمس سنوات، وذلك إثر إدانته بتهمة اغتصاب شابّة في منتجع “سان تروبيه” في عام 2018؛ وهي التهمة التي طالما نفاها الفنّان متمسكاً بأن العلاقة تمّت برضا الطرفين. وإلى جانب عقوبة السجن، قضى الحكم بإلزامه بدفع 30 ألف يورو كتعويض للضحيّة، بالإضافة إلى 5 آلاف يورو لتغطية أتعاب المحاماة، مع الإشارة إلى أن المحكمة لم تُصدر أمر توقيف فوري بحقّه، وتأتي هذه الإدانة الجديدة لتضاف إلى حكم سابق صدر ضده في عام 2023 يقضي بالسجن لستّ سنوات في قضيّة منفصلة تعود للعام 2016، والتي لا تزال قيد إجراءات الاستئناف القانونية.
الإشكالية هنا ليست في حقّ المتّهم بالدفاع عن نفسه، فهذا حق أساسي لا يمكن المساس به، المشكلة تكمن في استخدام الشهرة نفسها كأداة دفاع موازية للمحاكم. فالفنّان الذي يواصل إقامة الحفلات، وإطلاق الأغاني، والظهور التلفزيوني، لا يمارس فقط نشاطه المهني، بل يعيد إنتاج صورته العامّة ويستثمر في رصيده الرمزي في لحظة يُفترض أن تكون فيها الوقائع وحدها هي محلّ النقاش.
في حالة سعد لمجرد، لم يكن الدفاع قانونياً فحسب، فقد رافقته حملات تضامن واسعة، وتصريحات دعم من فنّانين ومشاهير، وحفلات تحوّلت عملياً إلى استعراض جماهيري للولاء. وكأن الشعبية يمكن أن تحسم ما إذا كانت الوقائع صحيحة أو لا، وكأن عدد المعجبين دليل براءة. وبالأمس أطلق المجرد دويتو جديد، وخلال فترة المحاكمة جال في البلدان العربية ما بين المهرجانات وعلى المسارح… والسؤال هنا موجّه إلى كل السمّيعة و”الزقّيفة”: كيف لكم أن تكونوا غطاء لمغتصب؟
لكنّ المقارنة الأكثر إثارة للاهتمام ليست بين الفنّانين أنفسهم، بل بين الفنّان ورجل الدين.
في الحالتين، لا تُستخدم الشهرة وحدها كدرع دفاعي، بل تُستخدم صورة “فاعل الخير” بوصفها رأسمال أخلاقياً يمنح صاحبه حصانة غير معلنة، فالفنّان الذي يغنّي للحبّ أو يشارك في حملات إنسانية، ورجل الدين الذي يرعى الفقراء أو “الأيتام”، كلاهما يستفيد من صورة عامّة تجعل المجتمع أقلّ استعداداً لتصديق الضحايا، وأكثر جنوحاً إلى منح المتّهم فرصة إضافية تلو الأخرى.
في لبنان، كشفت قضيّة الأب منصور لبكي هذه الآليّة بوضوح. فالرجل الذي عُرف لسنوات طويلة ككاهن ومؤسّس لمؤسّسات اجتماعية وخيرية، استند كثير من المدافعين عنه إلى تاريخه “الإنساني” للتشكيك في روايات الضحايا أو التقليل من شأنها. لم يكن السؤال المطروح: هل ارتكب الأفعال المنسوبة إليه؟ بل: كيف يمكن لشخص قدّم كل هذا الخير أن يكون مذنباً؟
المنطق نفسه ظهر في فرنسا مع قضيّة الأبي بيار، الشخصيّة التي تكاد تحتلّ مكانة أسطورية في الذاكرة الفرنسية. لعقود طويلة، قُدِّم الأبي بيار بوصفه ضمير فرنسا والمدافع الأوّل عن الفقراء والمشرّدين، لكن عندما بدأت شهادات النساء تظهر تباعاً متّهمة إيّاه بالتحرّش والاعتداء الجنسي، وجد المجتمع الفرنسي نفسه أمام معضلة أخلاقية: كيف يمكن التوفيق بين صورة الرجل الذي كرّس حياته لخدمة الفقراء، وبين روايات الأذى التي خرجت إلى العلن؟ بالنسبة إلى كثيرين، كانت أعماله الخيرية تُستخدم تلقائياً كدليل براءة، أو على الأقلّ كسبب لتأجيل الحكم عليه.
ما يجمع بين الفنّان الشهير ورجل الدين المحبوب هو أن كليهما يستثمر في رأس مال رمزي يسمح له بتجاوز ما لا يستطيع الآخرون تجاوزه. فالمجتمع لا يدافع عنهما فقط بوصفهما فردين، بل يدافع عن الصورة التي يمثّلانها. صورة الفنّان الملهم، أو الراعي الصالح، أو المناضل الإنساني، وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
فالخير الذي يفعله شخص ما، لا يُلغي الأذى الذي قد يكون تسبّب به، والعمل الإنساني لا يشكّل حصانة من المساءلة، بل إن الخلط بين الأمرين يحوّل الفضيلة إلى أداة دفاع، ويجعل الضحايا في مواجهة مؤسّسة كاملة من العواطف والرموز والولاءات.
لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى تعليق النشاطات العامّة للفنّانين أو الشخصيّات العامّة المتّهمة بقضايا العنف الجنسي الخطيرة على أنه عقوبة مسبقة، فالتوقّف المؤقّت عن الحفلات والتكريمات والظهور الإعلامي لا يعني الإدانة، إنه ببساطة اعتراف بأن العدالة تحتاج إلى مساحة تعمل فيها بعيداً من تأثير النجومية ومنطق الجماهير.
في قطاعات مهنية أخرى، يمكن أن يُطلب من الموظّف أو المسؤول أو الأستاذ الجامعي التنحي مؤقّتاً، أثناء التحقيق في تهم خطيرة كالتحرّش الجنسي أو حتى التورّط عاطفياً مع المستفيد من الخدمة (باعتباره يقع في إطار تضارب المصالح وعلاقة السلطة)، وهذا ليس لأن المؤسّسة تعتبره مذنباً، بل لأنها تدرك أن استمرار وجوده في موقع السلطة قد يؤثّر في الشهود أو الضحايا أو في ثقة الناس بالعمليّة نفسها، فلماذا يُستثنى الفنانون ورجال الدين والمشاهير من هذا المبدأ؟
إن قرينة البراءة مبدأ قانوني يحمي الأفراد من الإدانة قبل صدور الحكم، لكنّها لا تمنح حقّاً غير مشروط في الاستمرار بالاستفادة من أشكال السلطة الممنوحة عبر المنصّات العامّة والاحتفاء الجماهيري، فهذه امتيازات تتيح الاعتداء مجدّداً، وتُسكت الضحايا وليست حقوقاً أساسية.
ربما نحن بحاجة إلى ثقافة التريّث، والتريّث يقتضي أوّلاً حماية الضحايا وتحييد الضرر بانتظار العدالة، من دون تحويل المسار القضائي إلى معركة شعبية أو استفتاء جماهيري أو منافسة بين صورة الضحيّة وصورة النجم.
فالشهرة ليست دليلاً على البراءة، “والزلمي آدمي وصاحبنا” ليست مفتاح عبور، كما أن العمل الخيري ليس دليلاً على النزاهة. وبين الاتّهام والحكم، ينبغي أن يبقى المسرح خالياً، والمنبر صامتاً، وقاعة التعليم محميّة إلى أن تتكلّم العدالة.












