ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

العنف ضدّ النساء في ريف مصر: القتل كشأن عائلي!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ضرب الزوجات يُناقَش في البرامج التلفزيونية بوصفه شأناً يومياً، ويُبرَّر في صفحات شيوخ يرفضون الاعتراف بالاغتصاب الزوجي، ويعتبرون رفض العلاقة “نشوزاً”. في هذا السياق، تصبح وصمة الطلاق أثقل من الموت، ويُعاد إرسال النساء إلى العنف باسم الحفاظ على الأسرة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قُتلت كريمة محمّد صقر ضرباً، وقُتل جنينها الذي كانت تحمله في أحشائها، بعد أربعة أشهر فقط من زفافها.

هل ستتحوّل كريمة إلى رقم جديد يُضاف إلى تقارير قتل النساء في مصر؟

في صورتها المنتشرة على فيسبوك، تنظر كريمة إلينا بملامح هادئة، بينما يميل زوجها برأسه ليسنده إلى رأسها. صورة زفاف عادية، تشبه آلاف الصور، لا تنبئ بجريمة وحشية سيرتكبها الزوج بحقّ زوجته، التي لم تتجاوز العشرين عاماً. فتاة من جيل Z، لم يمضِ 120 يوماً على زفافها.

ينتحب والدها في مداخلة تلفزيونية قائلاً: “عروسة جديدة مبقالهاش 120 يوم”، حين يُسأل عمّا إذا كانت ابنته قد تعرّضت للضرب من زوجها من قبل. يعترف بأنها عادت إلى بيت زوجها رغم العنف “علشان تعيش”. جملة قصيرة، لكنّها تختصر معادلة كاملة: الحياة مقابل الضرب، والزواج مقابل الصمت.

كريمة ابنة قرية بره في مركز قويسنا في محافظة المنوفية، المحافظة نفسها التي شهدت خلال هذا العام جرائم قتل نساء عديدة، ما يطرح سؤالاً ملحّاً: هل للعنف ضدّ النساء في الريف خصوصية؟ ولماذا تتصاعد جرائم قتل النساء في أقاليم مصر بهذا الشكل المفزع؟

تكتب نوال السعداوي في مذكّرات طبيبة: “أخي يأخذ قطعة من اللحم أكبر من قطعتي… أما أنا، أنا بنت! عليّ أن أراقب حركاتي وسكناتي…”.

لا يُستدعى هذا الاقتباس بوصفه حنيناً أدبياً، بل كتشخيص مبكر لمنظومة تمييز تبدأ من المائدة، وتصل إلى القبر.

في ريف مصر، يبدأ التمييز بتفضيل جنس الذكر المتجذّر في الأمثال الشعبية والموروث الثقافي: “يا مخلّف البنات يا شايل الهم للممات”. الذكر هو من يرث الاسم والأرض، أما الأنثى فمؤقّتة، تنتقل ملكيّتها الرمزية من أب إلى زوج، وفي بعض القرى، لم يعد هذا التفضيل رمزياً فقط، بل تقني أيضاً، عبر السعي لاختيار جنس الجنين في عمليّات الحقن المجهري، حيث يُحسم “النصيب في الحياة” قبل الولادة.

ولا ينتهي التمييز هنا. من ختان الإناث – الذي تبلغ نسبته في مصر 86% وفق المسح الصحّي للأسرة 2021 – إلى تسرّب الفتيات من التعليم عند أوّل أزمة اقتصادية، إلى عمل النساء في الزراعة بلا أجر، وصولاً إلى الزواج المبكر، تتراكم أشكال العنف حتى يصبح القتل نتيجة ممكنة، لا استثناء.

تقول لمياء لطفي مؤسّسة “مبادرة المرأة الريفية”، في حديثها لـ”درج”: “إن هناك بالفعل خصوصية للعنف ضدّ النساء في الريف، أساسها قبول العنف وتطبيعه. فالزواج المبكر أكثر انتشاراً، والمسافة عن القاهرة تقلّل من وصول برامج التوعية والتمكين، ما يعزّز ثقافة تعتبر الضرب أمراً طبيعياً”، وتستشهد لمياء بما قالته إحدى جارات كريمة للمذيعة: “معلش يا أبلة، كلّ الرجالة بتضرب مراتاتها”.

في الريف أيضاً، تفرض بنية “بيت العيلة” سلطة هرمية معقّدة: الحمو، الحماة، الأخوات، زوجة الابن الأكبر. سلطة تُمارَس على الزوجة الجديدة، وتُنتج غيرة وضغوطاً ومراقبة دائمة، تجعل العنف احتمالاً قائماً دائماً. يضاف إلى ذلك العنف الاقتصادي، حيث تتحكّم الأسرة بمصادر الدخل، من الأرض الزراعية إلى تحويلات الأبناء المغتربين، بينما تعمل النساء في الزراعة بلا أجر، في ظروف شاقّة، تجعل الفقر حليفاً دائماً للعنف.

وتشير لمياء إلى أن “كثيراً من النساء لا يُبلّغن عن العنف، لأنهن لا يعرفن أصلاً أن الضرب جريمة، ولا يعلمن بآليّات الشكوى، بخاصّة في حالات الزواج المبكر أو الختان”.

سجّلت مؤسّسة “إدراك” في عام 2024 نحو 363 واقعة قتل امرأة وفتاة، ومئة حالة شروع في قتل. أرقام لا يمكن قراءتها كحوادث فردية، بل كنتاج ثقافة ترى العنف شأناً عائلياً خاصّاً.

تُقتل النساء لأن هناك تطبيعاً مع العنف ضدّهن: “مفيش راجل مش بيضرب مراته”، أو “كان ضرب هزار”، ولأن الإبلاغ صعب في مجتمعات صغيرة تفضّل “القعدات العرفية” على أقسام الشرطة، ولأن الحفاظ على “السمعة” و”الأسرة” يُقدَّم على سلامتهن وعلى حياتهن.

تشير دراسة أستاذة علم الاجتماع هند السيّد بعنوان “دوائر العنف الأسري ضدّ المرأة في الريف المصري”، إلى أن “العنف يُعتبر شأناً عائلياً لا يُفصَح عنه، بينما تراه النسويات مسألة سياسية عامّة، تُنتج عنفاً موروثاً ينتقل من جيل إلى جيل”.

كيف يرى القانون قتل النساء؟

قتل النساء بسبب نوعهن الاجتماعي يفرض عدالة ترى اختلال موازين القوى، لا عدالة “عمياء” تتجاهله، فالجميع ليسوا متساوين في الواقع، وحدهن النساء يُقتلن بسبب جنسهن.

تنتقد ورقة بحثية صادرة عن مؤسّسة “المرأة الجديدة” بعنوان “حين تصبح الرأفة القضائية تحيّزاً قانون العقوبات المصري”، بعض موادّ القانون كونها “تعكس فلسفة أبوية تمنح الرجل وضعاً تفضيلياً، تحت مسمّيات مثل التأديب أو الشرف أو حسن النية. مثل المادّة 60، التي تُستخدَم لتبرير ضرب الزوجة أو الابنة باعتباره حقّاً شرعياً”.

تقول المحاميّة والباحثة القانونية آية حمدي لـ”درج”: “الرأفة القضائية ترتبط بثقافة ترى الرجل مستفَزاً، وتتعامل مع القتل كحادث غير مقصود. لكنّ التأديب قد يتحوّل إلى قتل، وعندها فقط يصبح الأمر جللاً”.

أما قبل ذلك، فضرب الزوجات يُناقَش في البرامج التلفزيونية بوصفه شأناً يومياً، ويُبرَّر في صفحات شيوخ يرفضون الاعتراف بالاغتصاب الزوجي، ويعتبرون رفض العلاقة “نشوزاً”. في هذا السياق، تصبح وصمة الطلاق أثقل من الموت، ويُعاد إرسال النساء إلى العنف باسم الحفاظ على الأسرة. 

كريمة لم تُقتل فجأة… قُتلت بالتدريج، في بيت، وفي قرية، وفي قانون، وفي ثقافة قرّرت أن العنف شأن عائلي… حتى صار القتل كذلك.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
23.12.2025
زمن القراءة: 4 minutes

ضرب الزوجات يُناقَش في البرامج التلفزيونية بوصفه شأناً يومياً، ويُبرَّر في صفحات شيوخ يرفضون الاعتراف بالاغتصاب الزوجي، ويعتبرون رفض العلاقة “نشوزاً”. في هذا السياق، تصبح وصمة الطلاق أثقل من الموت، ويُعاد إرسال النساء إلى العنف باسم الحفاظ على الأسرة.

قُتلت كريمة محمّد صقر ضرباً، وقُتل جنينها الذي كانت تحمله في أحشائها، بعد أربعة أشهر فقط من زفافها.

هل ستتحوّل كريمة إلى رقم جديد يُضاف إلى تقارير قتل النساء في مصر؟

في صورتها المنتشرة على فيسبوك، تنظر كريمة إلينا بملامح هادئة، بينما يميل زوجها برأسه ليسنده إلى رأسها. صورة زفاف عادية، تشبه آلاف الصور، لا تنبئ بجريمة وحشية سيرتكبها الزوج بحقّ زوجته، التي لم تتجاوز العشرين عاماً. فتاة من جيل Z، لم يمضِ 120 يوماً على زفافها.

ينتحب والدها في مداخلة تلفزيونية قائلاً: “عروسة جديدة مبقالهاش 120 يوم”، حين يُسأل عمّا إذا كانت ابنته قد تعرّضت للضرب من زوجها من قبل. يعترف بأنها عادت إلى بيت زوجها رغم العنف “علشان تعيش”. جملة قصيرة، لكنّها تختصر معادلة كاملة: الحياة مقابل الضرب، والزواج مقابل الصمت.

كريمة ابنة قرية بره في مركز قويسنا في محافظة المنوفية، المحافظة نفسها التي شهدت خلال هذا العام جرائم قتل نساء عديدة، ما يطرح سؤالاً ملحّاً: هل للعنف ضدّ النساء في الريف خصوصية؟ ولماذا تتصاعد جرائم قتل النساء في أقاليم مصر بهذا الشكل المفزع؟

تكتب نوال السعداوي في مذكّرات طبيبة: “أخي يأخذ قطعة من اللحم أكبر من قطعتي… أما أنا، أنا بنت! عليّ أن أراقب حركاتي وسكناتي…”.

لا يُستدعى هذا الاقتباس بوصفه حنيناً أدبياً، بل كتشخيص مبكر لمنظومة تمييز تبدأ من المائدة، وتصل إلى القبر.

في ريف مصر، يبدأ التمييز بتفضيل جنس الذكر المتجذّر في الأمثال الشعبية والموروث الثقافي: “يا مخلّف البنات يا شايل الهم للممات”. الذكر هو من يرث الاسم والأرض، أما الأنثى فمؤقّتة، تنتقل ملكيّتها الرمزية من أب إلى زوج، وفي بعض القرى، لم يعد هذا التفضيل رمزياً فقط، بل تقني أيضاً، عبر السعي لاختيار جنس الجنين في عمليّات الحقن المجهري، حيث يُحسم “النصيب في الحياة” قبل الولادة.

ولا ينتهي التمييز هنا. من ختان الإناث – الذي تبلغ نسبته في مصر 86% وفق المسح الصحّي للأسرة 2021 – إلى تسرّب الفتيات من التعليم عند أوّل أزمة اقتصادية، إلى عمل النساء في الزراعة بلا أجر، وصولاً إلى الزواج المبكر، تتراكم أشكال العنف حتى يصبح القتل نتيجة ممكنة، لا استثناء.

تقول لمياء لطفي مؤسّسة “مبادرة المرأة الريفية”، في حديثها لـ”درج”: “إن هناك بالفعل خصوصية للعنف ضدّ النساء في الريف، أساسها قبول العنف وتطبيعه. فالزواج المبكر أكثر انتشاراً، والمسافة عن القاهرة تقلّل من وصول برامج التوعية والتمكين، ما يعزّز ثقافة تعتبر الضرب أمراً طبيعياً”، وتستشهد لمياء بما قالته إحدى جارات كريمة للمذيعة: “معلش يا أبلة، كلّ الرجالة بتضرب مراتاتها”.

في الريف أيضاً، تفرض بنية “بيت العيلة” سلطة هرمية معقّدة: الحمو، الحماة، الأخوات، زوجة الابن الأكبر. سلطة تُمارَس على الزوجة الجديدة، وتُنتج غيرة وضغوطاً ومراقبة دائمة، تجعل العنف احتمالاً قائماً دائماً. يضاف إلى ذلك العنف الاقتصادي، حيث تتحكّم الأسرة بمصادر الدخل، من الأرض الزراعية إلى تحويلات الأبناء المغتربين، بينما تعمل النساء في الزراعة بلا أجر، في ظروف شاقّة، تجعل الفقر حليفاً دائماً للعنف.

وتشير لمياء إلى أن “كثيراً من النساء لا يُبلّغن عن العنف، لأنهن لا يعرفن أصلاً أن الضرب جريمة، ولا يعلمن بآليّات الشكوى، بخاصّة في حالات الزواج المبكر أو الختان”.

سجّلت مؤسّسة “إدراك” في عام 2024 نحو 363 واقعة قتل امرأة وفتاة، ومئة حالة شروع في قتل. أرقام لا يمكن قراءتها كحوادث فردية، بل كنتاج ثقافة ترى العنف شأناً عائلياً خاصّاً.

تُقتل النساء لأن هناك تطبيعاً مع العنف ضدّهن: “مفيش راجل مش بيضرب مراته”، أو “كان ضرب هزار”، ولأن الإبلاغ صعب في مجتمعات صغيرة تفضّل “القعدات العرفية” على أقسام الشرطة، ولأن الحفاظ على “السمعة” و”الأسرة” يُقدَّم على سلامتهن وعلى حياتهن.

تشير دراسة أستاذة علم الاجتماع هند السيّد بعنوان “دوائر العنف الأسري ضدّ المرأة في الريف المصري”، إلى أن “العنف يُعتبر شأناً عائلياً لا يُفصَح عنه، بينما تراه النسويات مسألة سياسية عامّة، تُنتج عنفاً موروثاً ينتقل من جيل إلى جيل”.

كيف يرى القانون قتل النساء؟

قتل النساء بسبب نوعهن الاجتماعي يفرض عدالة ترى اختلال موازين القوى، لا عدالة “عمياء” تتجاهله، فالجميع ليسوا متساوين في الواقع، وحدهن النساء يُقتلن بسبب جنسهن.

تنتقد ورقة بحثية صادرة عن مؤسّسة “المرأة الجديدة” بعنوان “حين تصبح الرأفة القضائية تحيّزاً قانون العقوبات المصري”، بعض موادّ القانون كونها “تعكس فلسفة أبوية تمنح الرجل وضعاً تفضيلياً، تحت مسمّيات مثل التأديب أو الشرف أو حسن النية. مثل المادّة 60، التي تُستخدَم لتبرير ضرب الزوجة أو الابنة باعتباره حقّاً شرعياً”.

تقول المحاميّة والباحثة القانونية آية حمدي لـ”درج”: “الرأفة القضائية ترتبط بثقافة ترى الرجل مستفَزاً، وتتعامل مع القتل كحادث غير مقصود. لكنّ التأديب قد يتحوّل إلى قتل، وعندها فقط يصبح الأمر جللاً”.

أما قبل ذلك، فضرب الزوجات يُناقَش في البرامج التلفزيونية بوصفه شأناً يومياً، ويُبرَّر في صفحات شيوخ يرفضون الاعتراف بالاغتصاب الزوجي، ويعتبرون رفض العلاقة “نشوزاً”. في هذا السياق، تصبح وصمة الطلاق أثقل من الموت، ويُعاد إرسال النساء إلى العنف باسم الحفاظ على الأسرة. 

كريمة لم تُقتل فجأة… قُتلت بالتدريج، في بيت، وفي قرية، وفي قانون، وفي ثقافة قرّرت أن العنف شأن عائلي… حتى صار القتل كذلك.