“الغزي الجيد هو الغزي الميت”… عبارة تُنسب إلى اليمين الصهيوني المتطرف في إسرائيل، لكنها صارت تُتداول على نطاق واسع بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، تعبيرًا عن استياء عميق من تعاطي جزء كبير من “جمهور القضية” مع معاناة أهل غزة وآلامهم وأوجاعهم وطموحاتهم وخياراتهم، وتحديدًا مع آرائهم السياسية التي لا تتوافق مع المخيال الرمزي المشحون بصور المقاومة والانتصار والصمود الأسطوري “لشعب الجبارين”. هذا الجمهور يتابع الإبادة كمن يتفرّج على مباراة كرة قدم.
هذا التعاطي الرديء من “جمهور القضية” قد يقتصر على التغاضي عن معاناة الغزيين وتنوّعهم وانقسامهم، والاحتفال ببطولات المقاومة، لكنه قد يتجاوز ذلك إلى مرحلة التنظير والوعظ لناحية الصبر والتسليم بقضاء الله، وضرورة الصمود وعدم الاستسلام أمام المشاريع الإسرائيلية. المسألة قد تتصاعد أيضًا، لتصل إلى مرحلة التشهير والتخوين بحق أشخاص يعيشون تحت وطأة الإبادة أو نجوا منها بعدما فقدوا كثراً من أهلهم وأحبائهم.
أما الهجوم على شخصيات عامة ومشهورة، فيتم غالبًا بشكل ممنهج عبر شبكات وقنوات إعلامية متعددة ترتبط وتموَّل من جهات معروفة. معتز عزايزة، المصور والصحافي الغزاوي الذي ذاع صيته في بدايات الحرب/ الإبادة، نتيجة جهده في نقل حقيقة المأساة الغزاوية والفلسطينية وتوثيقها، يمثل نموذجًا بارزًا لهذا النمط من التعاطي.
تُقاد هذه الحملات الممنهجة ضد شخصيات فلسطينية لا تتماهى مع الخطاب الرسمي للمقاومة أو الأمة أو القضية، من مؤثرين محسوبين على تيار الإخوان المسلمين، ومن بينهم عبد الله الشريف، الذي وصل مستوى التشهير لديه إلى اختلاق مقارنة سخيفة بين معتز عزايزة والصحافي أنس الشريف، الذي استهدفته إسرائيل وقتلته في 10 آب/ أغسطس 2025، متهماً الأول بأنه “قرر النجاة”، و”تبنى سردية الصهاينة أن المقاومة سبب البلاء”، و”طبل للمجرمين”، بينما تمسك الثاني بالمقاومة والأرض.
هذا السلوك المتكرر يعكس طبيعة القضية الفلسطينية التي تتحول إلى دين أكثر منها مسألة سياسية، دين له عقيدة رسمية ومجموعة من الطقوس والرموز والشخصيات المقدسة وكود متكامل “للحلال والحرام”، بينما تصبح الحسابات المادية والدنيوية والسياسية ثانوية، فيتحول خطاب القضية إلى خطاب متعالٍ ومنفصل عن البشر الذين تمثلهم مصالحهم، ومشاعرهم، وتصبح منصة للمزايدة.
إقرأوا أيضاً:
محمد صلاح: “فخر العرب” الذي خان العرب
بعد توقيعه عقدًا مع نادي ليفربول البريطاني وصعود نجمه على الصعيد العالمي بطريقة لم يسبق لأي لاعب عربي أن وصلها، احتفى جزء كبير من العرب به وأطلقوا عليه لقب “فخر العرب”، معتبرين نجاحه إثباتًا للذات ونيل الاعتراف من الغرب الكافر والمنحل.
في البداية، حاول صلاح التماهي مع هذه المشاعر، لكن بمجرد أن خالف توقعاتها، كالتقاطه صورة مع عائلته قرب شجرة الميلاد أو تعزيته بوفاة الملكة إليزابيث، انقلب عليه جزء كبير من الجمهور، وصولًا إلى التشهير والكراهية، أقساها كان بسبب فيديو له عقب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر يعلن فيه أن “كل الأرواح مقدّسة ويجب حمايتها”.
وغالبًا ما يقارَن محمد صلاح بمحمد أبو تريكة لتبخيس الأول والإشادة بالثاني كنموذج مثالي للنجم العربي المسلم، الذي يعتز بدينه ويقف ضد الانحلال الأخلاقي للمجتمع الغربي، ويحمل علم فلسطين متحديًا القوانين الدولية، ويعكس القيم الأخلاقية للأمة.
يُتوقع من صلاح، بوصفه عربياً ومسلمًا، أن يكون ممثلًا أمينًا للأمة التي ينتمي إليها، بحيث يُلغى الفرد العادي في سبيل الدور الرمزي، وأي خروج عن “صحب الأمة” يُعتبر خيانة.
الفرد والحداثة العربيّة
الغائب عن وعي الجمهور المهاجم هو مفهوم الذات الفردية المستقلة، وهو غائب عن مجتمعات دخلت الحداثة منذ عقود طويلة. يُرجع البعض السبب إلى الإسلام كدين أو كثقافة، حيث لم تدمج المجتمعات الإسلامية مفهوم الذات الفردية الحديث.
بغض النظر عن التحليل الفلسفي الذي قد يأخذ بطبيعته طابعاً مجرداً وتعميمياً في معالجة النصوص الإسلامية، الإسلام، كما أي دين آخر ليس عبارة عن نصوص فحسب، ونصوصه نفسها قابلة لمحاولات متعددة للتأويل. غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في النص ولا في تأويله، على أهمية النص وأهمية المسعى التأويلي الإنسانوي له. فأين تكمن المشكلة إذاً؟
المؤرخ والفيلسوف الفرنسي مارسيل غروشيه يشير إلى “خروج الدين من العالم”، ليس بمعنى تراجع الإيمان، بل تغيّر موقع الدين كنظام في المجتمع وعلاقته بالسياسة. مع الحداثة، تحولت السلطة من الاعتماد على السلطة الدينية إلى دولة حديثة تحكم بالقانون والهوية والسيادة، فيما أصبح الرابط الديني فرديًا في المجتمعات الديمقراطية الغربية.
الأصوليات الدينية تسعى الى إعادة الدين إلى موقع السلطة عبر الهيمنة على الفضاء العام، مستخدمة الدولة والأجهزة القمعية والتكنولوجيا الحديثة، في محاولة لاستعادة السيطرة على المجتمع.
المشكلة في منطقتنا ليست في الدين نفسه، بل في تحديث مشوّه مغلف بالقومية والرومانسية، حيث تصبح “الأمة العربية والإسلامية” رابطة ثقافية قسرية، وأي خروج عن “صحيح الأمة” يُعتبر خيانة، ما يجعل استهداف الأفراد والمجموعات المغايرة أمرًا مشروعًا ثقافيًا، كما نشهد اليوم.
إقرأوا أيضاً:











