ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“الفيل يا ملك الزمان”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حسب ما كشف لنا الكاتب سعد الله ونوس في نصه المسرحي “الفيل يا ملك الزمان”، الفيل مدلل، الفيل يحتاج إلى فرمانات ملكية، بعد دق الصولجان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“في رقعة الشطرنج، الفيل لا يقفز فوق القطع الأخرى أبداً، لأن طريقة حركته محددة ضمن خطوط مائلة مفتوحة فقط، أي أن حركته تكون عبر المربعات الفارغة، ولا يستطيع تجاوز أي قطعة تعترض طريقه. أما الحصان فهو القطعة الوحيدة التي تستطيع القفز فوق القطع. إذاً، تعتمد حركة الفيل على المسار غير المغلق، فلا يمكنه القفز لأن ذلك يخالف طبيعته في اللعبة”.

هذه المقدمة هي من شات جي بي تي، بعد سؤاله عن استحالة حركة الفيل في رقعة الشطرنج، كحركة لعب أولى، لكنَّ الفقرة محررة ومكتوبة من منظور شخصي، كي تناسب الحالة العميقة من التردد والكيدية، التي أعيشها، بعد قراءتي مقالة ياسين الحاج صالح “طبالون ومكيودون وحائرون”، الكاتب الذي أحترمه حتى اللحظة، وبعد إحساسي العميق بأن بعض مثقفي سوريا باتوا يتدافعون، بعيداً عن الصف الأول، متراجعين عن مهمة مخاطبة ملك الزمان، وبدء الحديث معه، حول أحوال البلاد والعباد، في المدن السورية، وبخاصة في السويداء، وفي الساحل، وفي حمص التي يتم فيها حالياً مسح إحصائي للبيوت، لمعرفة ما إذا كان بين ساكنيها أقليات علوية؛ مع خوف هذه الأقليات من الترحيل أو الانحسار في تواجدها الجغرافي، إلى مكان آخر. يتوافق الإحصاء غير الرسمي، مع مرحلة غير واضحة، من تقسيم سوريا المحتمل.

لذا أريد أن أستغل زيارة الشرع لأميركا، كي أكتب له بعض الكلمات المرحة والمرَّة، بـ”لا حسد… ولا ضيق عين”، بعد توارد أخباره شرقاً وغرباً، في سائر بلاد العرب والعجم، واقترابنا من العالمية في الاستهزاء بخصمنا بشار الأسد، الطاغية المخلوع والهارب إلى روسيا… لا أسف عليه، لكن من دون التمكن من محاكمته ومن شاركه في القتل قضائياً. 

وربما كلما مرّ ذكركَ، ارتأيت أن أتذكر الشاعر تأبط شَراً، الذي كان لا يأتي لأمه إلا بغول، أو بوحش، أو بكارثة، وفي ظنه أنه يحضر لها إلى الدار رزقاً وخيراً. عزمه عزم شخص قوي سريع جداً، وحَسن النية، والله أعلم، فما يصلنا عنه من أخبارٍ… هو من “السند” في التواتر والكلام، الموثق بعضه في “كتاب الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني، في الجزء الحادي والعشرين. ليس لشبه بينكما أتذكر تأبط شراً، لكن لأن الشر تافه، في المجيء والذهاب، الشر المحمول والقابع تحت الإبط. 

وفي هذه المناسبة، التي تكثر من الأدرينالين في جسدي، ألقي على مسمعكَ، بدايةً، بيتي الشعر التاليين: 

يا عيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ          ومرَّ طَيْف على الأهوال طَرَّاقِ
يَسْرِي علَى الأَيْنِ والحيَّاتِ محْتفِياً       نفسي فِداؤُكَ مِن سارٍ علَى ساقِ

وهذا البيت الشعري عروضه من البسيط، أما في تعريف العيد، فهو: ما اعتاد الإنسان من هم، أو شوق، أو مرض، أو ذكر. والأين والأيم: ضرب من الحيات، كما يرد في “كتاب الأغاني”. وكما تعلم، أو ربما لا تعلم، فالشعر هنا، لتأبط شراً، والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى، من رواية يحيى المكي وحَبَش، وذكر الهشامي، أنه منحول يحيى إلى ابن محرز. حاول أن تستمع له صوتاً، هذا سيزيد من بهجتك، قبل أن ندخل في صلب الأمر. فتشْ عن أحدهم ليغني لكَ!

عزيزي… أحمد الشرع أو الجولاني، 

يا عزيزي رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، بعد النظر في صورتك المتداولة، التي نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، أود أولاً أن أبارك لك بسقوط نظام الأسد، تأخرت فعلاً، لكن شعوري في أنني أختنق بعد الفرح والبهجة الآنية، بات يزداد بعد مرور الأيام، والأسابيع، والشهور، ويتغلب على شعوري بالإحراج من عدم إرسال تهنئة خطية مناسبة إلى بلاطك. لذا لدي سؤال لكَ… عزيزي الشرع، وأنا أعتقد بأنني خائفة من طرح سؤال كهذا، من دون مقدمات ولا معرفة شخصية بيننا، لكنْ أيضاً للأسئلة المفاجئة أحكام، فوجودك كان المفاجأة الأساسية، في حياة كلّ السوريين، منذ نحو عام. 

السؤال يا عزيزي هو التالي: لمَ حركت الفيل… بينما الحصان، والجنود، وباقي الحشد في رقعة الشطرنج، لا يتزحزحون؟ 

لمَ باشرت بهذه الحركة؟!

لمَ يظلُّ الحصان ساكناً في بلادك؟ حتى بعد رحيل الأسد.

لمَ حتى البيادق التي يمكنها التحرك في أول دور، وقفت ساكنة قبالتك؟ 

ولأنني أعرف أنني لم أخلق لبلاط الملوك، فأنا أشاهد حركة يدكَ بطريقة ثلاثية الأبعاد، وأعلم أن فيلك قد كبر كثيراً، وقد أزال كل زلات اللسان، في أن يقال له: “احترسْ… انتبه، لا تدهس مواطناً، ولا أقلية، ولا أثنية، لا تقمْ بالتورط بمجزرة، ولا تنسَ أن مكانك الغابة، وليس الشارع بين عامة الخلق والناس… لا تختطف امرأة أو طفلاً أو شاباً، لا تتحول مجرماً أو عبداً”. 

لا بد أن الفيل كبر… يا عزيزي، وصار يحتاج إلى فيلة خليلة، وأنيسة! 

حسب ما كشف لنا الكاتب سعد الله ونوس في نصه المسرحي “الفيل يا ملك الزمان”، الفيل مدلل، الفيل يحتاج إلى فرمانات ملكية، بعد دق الصولجان. وفي النص المسرحي، يأمر الملك في الفرمان الأول الرعية بالخروج إلى بلاد الهند، للبحث عن فيلة يتزوجها الفيل، فيما ينص الفرمان الثاني على مكافأة الرجل الجريء زكريا وتعيينه مرافقاً دائماً للفيل، بينما أمر الفرمان الثالث والأخير بإقامة عرس للفيل، ليلة تُدق فيها الطبول، مع طالبين كثر، وتوزع على عامة الشعب، المآكل والمشروبات، في خمسة أيام من ليالي الإنشراح. 

لا بد أن الفعاليات الثقافية التي تقام في البلاد، متنفس جيد كي لا تموت الثقافة، لا بد أن العاصمة دمشق، كما عادتها، بقيت هي وحدها دون غيرها من المدن السورية، مسرحاً ومقراً للحركة الثقافية الرسمية والمستقلة، حيث تدق فيها الطبول؛ لكنَّ رائحة الموت، يا أعزائي، رائحة القتل في البلاد، قد وصلت من الصور، من الفيديوهات، من اختفاء النساء في الأمسيات السياسية، من اختفائهن في الشوارع، ومن البيوت، من انكماش المثقفين على مكانهم، وعلى بعضهم البعض، حتى أصبحوا كثمرة تفاح كلما حاول فيل الملك أكلها، انكمشت أكثر فأكثر. لم تؤكل تفاحتنا الجميلة، لكنها ذبلت خوفاً وارتعاداً، وتجعد جلدها، وصرنا لا نأبه بشجرة التفاح، بحقل التفاح، بالأرض، أكثر مما نأبه بتوافر ثمرة واحدة يتقاسمها الجميع، تحت تربص فيل الملك، صارت التفاحة خل التفاح. 

أعلم يا عزيزي الشرع، أنني خرجتُ عن البروتوكول واستطردت في الحديث مع آخرين، في هذه اللحظة، لكنْ، هل حقاً أنا أكتب لكَ؟ أم هل صدقت أنكَ كلما حركتَ الفيل، سنسكت جميعنا؟ 

أنا أكتب عن فيلك، أنا أكتب ولست مترددةً كما زكريا، في نص ونوس، عندما ذهب مع حشد من الناس حتى يخبروا الملك بأن فيله قتل طفلاً ليناً، دعسه مثل بيضة كما يصف لنا ونوس، وبأنه خرب بسطة عيسى الجردي، وأتلف كل بضاعته، وتركه خلفه يبكي فلاسه وخرابه، ثم هرس خاروفاً كالبرغوث، كان الفيل يمص دم الناس المزرقّ، والحال تسوء من يوم إلى يوم. وقف وقتها الجمع متردداً وخائفاً، فيما قال زكريا للملك، بعدما تأتأ جميع من حاول الكلام قبله: “نحن نحب الفيل يا ملك الزمان، مثلكم نحبه ونرعاه. تبهجنا نزهاته في المدينة، وتسرنا رؤياه. تعودناه حتى أصبحنا لا نتصور الحياة من دونه. ولكن… لاحظنا أن الفيل دائماً وحيد، لا ينال حظه من الهناءة والسرور، الوحدة موحشة يا ملك الزمان. لذلك فكرنا أن نأتي نحن الرعية فنطالب بتزويج الفيل حتى تخفّ وحدته، وينجب لنا عشرات الأفيال. مئات الأفيال. كي تمتلئ المدينة بالفيلة”. قال زكريا ما قال، ونية الناس غير ذلك، لكن أصواتهم كانت مبحوحة وراجفة، وجوههم كالصوان أو الفولاذ. 

لن أقول لكَ شيئاً يشابه ما قاله زكريا، كي تقهقه وتضحك. لن أُسعدْكَ… يا عزيزي الشرع. 

لكني، سأقول لكَ جملة واحدة: الفيل يقتل السوريين… يا ملك الزمان.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
17.11.2025
زمن القراءة: 5 minutes

حسب ما كشف لنا الكاتب سعد الله ونوس في نصه المسرحي “الفيل يا ملك الزمان”، الفيل مدلل، الفيل يحتاج إلى فرمانات ملكية، بعد دق الصولجان.

“في رقعة الشطرنج، الفيل لا يقفز فوق القطع الأخرى أبداً، لأن طريقة حركته محددة ضمن خطوط مائلة مفتوحة فقط، أي أن حركته تكون عبر المربعات الفارغة، ولا يستطيع تجاوز أي قطعة تعترض طريقه. أما الحصان فهو القطعة الوحيدة التي تستطيع القفز فوق القطع. إذاً، تعتمد حركة الفيل على المسار غير المغلق، فلا يمكنه القفز لأن ذلك يخالف طبيعته في اللعبة”.

هذه المقدمة هي من شات جي بي تي، بعد سؤاله عن استحالة حركة الفيل في رقعة الشطرنج، كحركة لعب أولى، لكنَّ الفقرة محررة ومكتوبة من منظور شخصي، كي تناسب الحالة العميقة من التردد والكيدية، التي أعيشها، بعد قراءتي مقالة ياسين الحاج صالح “طبالون ومكيودون وحائرون”، الكاتب الذي أحترمه حتى اللحظة، وبعد إحساسي العميق بأن بعض مثقفي سوريا باتوا يتدافعون، بعيداً عن الصف الأول، متراجعين عن مهمة مخاطبة ملك الزمان، وبدء الحديث معه، حول أحوال البلاد والعباد، في المدن السورية، وبخاصة في السويداء، وفي الساحل، وفي حمص التي يتم فيها حالياً مسح إحصائي للبيوت، لمعرفة ما إذا كان بين ساكنيها أقليات علوية؛ مع خوف هذه الأقليات من الترحيل أو الانحسار في تواجدها الجغرافي، إلى مكان آخر. يتوافق الإحصاء غير الرسمي، مع مرحلة غير واضحة، من تقسيم سوريا المحتمل.

لذا أريد أن أستغل زيارة الشرع لأميركا، كي أكتب له بعض الكلمات المرحة والمرَّة، بـ”لا حسد… ولا ضيق عين”، بعد توارد أخباره شرقاً وغرباً، في سائر بلاد العرب والعجم، واقترابنا من العالمية في الاستهزاء بخصمنا بشار الأسد، الطاغية المخلوع والهارب إلى روسيا… لا أسف عليه، لكن من دون التمكن من محاكمته ومن شاركه في القتل قضائياً. 

وربما كلما مرّ ذكركَ، ارتأيت أن أتذكر الشاعر تأبط شَراً، الذي كان لا يأتي لأمه إلا بغول، أو بوحش، أو بكارثة، وفي ظنه أنه يحضر لها إلى الدار رزقاً وخيراً. عزمه عزم شخص قوي سريع جداً، وحَسن النية، والله أعلم، فما يصلنا عنه من أخبارٍ… هو من “السند” في التواتر والكلام، الموثق بعضه في “كتاب الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني، في الجزء الحادي والعشرين. ليس لشبه بينكما أتذكر تأبط شراً، لكن لأن الشر تافه، في المجيء والذهاب، الشر المحمول والقابع تحت الإبط. 

وفي هذه المناسبة، التي تكثر من الأدرينالين في جسدي، ألقي على مسمعكَ، بدايةً، بيتي الشعر التاليين: 

يا عيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ          ومرَّ طَيْف على الأهوال طَرَّاقِ
يَسْرِي علَى الأَيْنِ والحيَّاتِ محْتفِياً       نفسي فِداؤُكَ مِن سارٍ علَى ساقِ

وهذا البيت الشعري عروضه من البسيط، أما في تعريف العيد، فهو: ما اعتاد الإنسان من هم، أو شوق، أو مرض، أو ذكر. والأين والأيم: ضرب من الحيات، كما يرد في “كتاب الأغاني”. وكما تعلم، أو ربما لا تعلم، فالشعر هنا، لتأبط شراً، والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى، من رواية يحيى المكي وحَبَش، وذكر الهشامي، أنه منحول يحيى إلى ابن محرز. حاول أن تستمع له صوتاً، هذا سيزيد من بهجتك، قبل أن ندخل في صلب الأمر. فتشْ عن أحدهم ليغني لكَ!

عزيزي… أحمد الشرع أو الجولاني، 

يا عزيزي رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، بعد النظر في صورتك المتداولة، التي نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، أود أولاً أن أبارك لك بسقوط نظام الأسد، تأخرت فعلاً، لكن شعوري في أنني أختنق بعد الفرح والبهجة الآنية، بات يزداد بعد مرور الأيام، والأسابيع، والشهور، ويتغلب على شعوري بالإحراج من عدم إرسال تهنئة خطية مناسبة إلى بلاطك. لذا لدي سؤال لكَ… عزيزي الشرع، وأنا أعتقد بأنني خائفة من طرح سؤال كهذا، من دون مقدمات ولا معرفة شخصية بيننا، لكنْ أيضاً للأسئلة المفاجئة أحكام، فوجودك كان المفاجأة الأساسية، في حياة كلّ السوريين، منذ نحو عام. 

السؤال يا عزيزي هو التالي: لمَ حركت الفيل… بينما الحصان، والجنود، وباقي الحشد في رقعة الشطرنج، لا يتزحزحون؟ 

لمَ باشرت بهذه الحركة؟!

لمَ يظلُّ الحصان ساكناً في بلادك؟ حتى بعد رحيل الأسد.

لمَ حتى البيادق التي يمكنها التحرك في أول دور، وقفت ساكنة قبالتك؟ 

ولأنني أعرف أنني لم أخلق لبلاط الملوك، فأنا أشاهد حركة يدكَ بطريقة ثلاثية الأبعاد، وأعلم أن فيلك قد كبر كثيراً، وقد أزال كل زلات اللسان، في أن يقال له: “احترسْ… انتبه، لا تدهس مواطناً، ولا أقلية، ولا أثنية، لا تقمْ بالتورط بمجزرة، ولا تنسَ أن مكانك الغابة، وليس الشارع بين عامة الخلق والناس… لا تختطف امرأة أو طفلاً أو شاباً، لا تتحول مجرماً أو عبداً”. 

لا بد أن الفيل كبر… يا عزيزي، وصار يحتاج إلى فيلة خليلة، وأنيسة! 

حسب ما كشف لنا الكاتب سعد الله ونوس في نصه المسرحي “الفيل يا ملك الزمان”، الفيل مدلل، الفيل يحتاج إلى فرمانات ملكية، بعد دق الصولجان. وفي النص المسرحي، يأمر الملك في الفرمان الأول الرعية بالخروج إلى بلاد الهند، للبحث عن فيلة يتزوجها الفيل، فيما ينص الفرمان الثاني على مكافأة الرجل الجريء زكريا وتعيينه مرافقاً دائماً للفيل، بينما أمر الفرمان الثالث والأخير بإقامة عرس للفيل، ليلة تُدق فيها الطبول، مع طالبين كثر، وتوزع على عامة الشعب، المآكل والمشروبات، في خمسة أيام من ليالي الإنشراح. 

لا بد أن الفعاليات الثقافية التي تقام في البلاد، متنفس جيد كي لا تموت الثقافة، لا بد أن العاصمة دمشق، كما عادتها، بقيت هي وحدها دون غيرها من المدن السورية، مسرحاً ومقراً للحركة الثقافية الرسمية والمستقلة، حيث تدق فيها الطبول؛ لكنَّ رائحة الموت، يا أعزائي، رائحة القتل في البلاد، قد وصلت من الصور، من الفيديوهات، من اختفاء النساء في الأمسيات السياسية، من اختفائهن في الشوارع، ومن البيوت، من انكماش المثقفين على مكانهم، وعلى بعضهم البعض، حتى أصبحوا كثمرة تفاح كلما حاول فيل الملك أكلها، انكمشت أكثر فأكثر. لم تؤكل تفاحتنا الجميلة، لكنها ذبلت خوفاً وارتعاداً، وتجعد جلدها، وصرنا لا نأبه بشجرة التفاح، بحقل التفاح، بالأرض، أكثر مما نأبه بتوافر ثمرة واحدة يتقاسمها الجميع، تحت تربص فيل الملك، صارت التفاحة خل التفاح. 

أعلم يا عزيزي الشرع، أنني خرجتُ عن البروتوكول واستطردت في الحديث مع آخرين، في هذه اللحظة، لكنْ، هل حقاً أنا أكتب لكَ؟ أم هل صدقت أنكَ كلما حركتَ الفيل، سنسكت جميعنا؟ 

أنا أكتب عن فيلك، أنا أكتب ولست مترددةً كما زكريا، في نص ونوس، عندما ذهب مع حشد من الناس حتى يخبروا الملك بأن فيله قتل طفلاً ليناً، دعسه مثل بيضة كما يصف لنا ونوس، وبأنه خرب بسطة عيسى الجردي، وأتلف كل بضاعته، وتركه خلفه يبكي فلاسه وخرابه، ثم هرس خاروفاً كالبرغوث، كان الفيل يمص دم الناس المزرقّ، والحال تسوء من يوم إلى يوم. وقف وقتها الجمع متردداً وخائفاً، فيما قال زكريا للملك، بعدما تأتأ جميع من حاول الكلام قبله: “نحن نحب الفيل يا ملك الزمان، مثلكم نحبه ونرعاه. تبهجنا نزهاته في المدينة، وتسرنا رؤياه. تعودناه حتى أصبحنا لا نتصور الحياة من دونه. ولكن… لاحظنا أن الفيل دائماً وحيد، لا ينال حظه من الهناءة والسرور، الوحدة موحشة يا ملك الزمان. لذلك فكرنا أن نأتي نحن الرعية فنطالب بتزويج الفيل حتى تخفّ وحدته، وينجب لنا عشرات الأفيال. مئات الأفيال. كي تمتلئ المدينة بالفيلة”. قال زكريا ما قال، ونية الناس غير ذلك، لكن أصواتهم كانت مبحوحة وراجفة، وجوههم كالصوان أو الفولاذ. 

لن أقول لكَ شيئاً يشابه ما قاله زكريا، كي تقهقه وتضحك. لن أُسعدْكَ… يا عزيزي الشرع. 

لكني، سأقول لكَ جملة واحدة: الفيل يقتل السوريين… يا ملك الزمان.