سردية القاهرة كمدينة صناعتها الأساسية السهر، تتعرض اليوم لاختبار قاس يهدد هويتها، إذ يسيطر الظلام ويفرض تفاصيله الكئيبة على شوارع لم تكن تعرف الهدوء، توصد المحال أبوابها عند التاسعة مساء وتتحول الشوارع الصاخبة إلى مدينة أشباح، يخسر الناس أرزاقهم وأمانهم ومتعتهم.
هذا الوضع قد يستمر شهراً وربما أكثر، إذ أعلنت الحكومة المصرية بدء خطة ترشيد استهلاك الطاقة نهاية شهر آذار/ مارس، لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار النفط عالمياً في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران. شملت خطة الترشيد إغلاق المحال التجارية والمطاعم ومراكز التسوق ودور السينما والمسارح وقاعات الأفراح في التاسعة مساء، كما شملت أيضاً تقليل الإضاءة في الشوارع وخفض إضاءة الإعلانات بنسبة 50 في المئة.
حزمة الإجراءات تضمنت أيضاً إغلاق الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة بحلول السادسة مساء، والإعلان كذلك عن إبطاء كامل للمشروعات القومية كثيفة الاستهلاك للسولار لمدة شهرين، وشرعت بالتزامن في تطبيق نظام العمل عن بعد يوم الأحد من كل أسبوع بالقطاعين الحكومي والخاص.
عزا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي هذه الإجراءات لمواجهة تداعيات ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة مع تجاوز سعر برميل النفط عتبة المئة دولار، موضحاً أن فاتورة استيراد الطاقة في مصر زادت من 1.2 مليار دولار في كانون الثاني/ يناير الماضي إلى 2.5 مليار دولار في آذار/ مارس، ملوحاً كذلك باتخاذ إجراءات أشد قسوة إذا تجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ150 دولاراً.
لم تنخرط مصر في الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، ولا تطاولها نيرانها الجانبية ضمن أي ردود فعل، وإن كانت تلام خليجياً من عدم وقوفها “عسكرياً” إلى دول الخليج للتصدي لهجمات إيران، لكن الفاتورة الأكبر دفعها الشعب من جيوبه المنهكة بالأساس جراء الزيادات المتواصلة في أسعار المحروقات والسلع والخدمات، وباتت مصادر دخله وأسلوب حياته مرهونة أيضاً بقدرة الحكومة على تأمين احتياجات البلاد من النفط والغاز حتى لو بأضعاف تكلفتها، وتنويع مصادرها بعد توقف خطوط إنتاج مورديها.
كانت للقرارات تأثيرات سلبية على التجار ومزاولي المهن التي تندرج تحت إطار الاقتصاد غير الرسمي، الذي يشكل بحسب تقديرات حكومية نحو 60 في المئة من الناتج المحلي المصري، ويستوعب قطاعاً كبيراً من العمالة، يعتمد في غالبيته على النشاط الليلي الذي يبدأ من بعد الرابعة عصراً حتى منتصف الليل، خصوصاً في قطاع المطاعم والمقاهي الذي يعمل به أكثر من مليوني شخص على الأقل، وهو قطاع تغلب عليه العمالة غير الرسمية التي تعمل من دون عقود أو تأمينات.
يشير أحمد مصطفى، صاحب محل ملابس بمنطقة وسط البلد، إلى أن قرارات ترشيد الطاقة والإغلاق المبكر التي دخلت حيز التنفيذ قلصت أرباحه اليومية إلى النصف وأجبرته على تخفيض العمال من أربعة إلى عاملين لمدة شهر، إذ تهدأ حركة البيع بحلول الثامنة مساء مع استعداد المواطنين لمغادرة منطقة وسط البلد لتفادي زحام المواصلات وإطفاء الإنارة.
يضيف مصطفى لـ”درج” أن جمهور محال الملابس ليلي بطبعه يذهب الى التسوق بعد انتهاء دوامه عند السادسة، فالمدة المتاحة للبيع لا تزيد عن ساعتين أو ثلاث يومياً، وهي فترة غير كافية، بينما فترة الصباح قاصرة على الطلبة ولا تحقق أكثر من 20 في المئة من الإيرادات اليومية، مشيراً إلى أن مد قرار الإغلاق أكثر من شهر مع حلول فصل الصيف يكبده خسائر تشغيلية في ظل التزامه بإيجار شهري يقارب الألف دولار.
المقاهي بطبيعة الحال أكثر المتضررين من قرارات الإغلاق المبكر، إذ إن القطاع العريض من زبائنها تستقبله بعد الثامنة مساء ولا تنقطع هذه الحركة قبل الثانية عشرة مساء، خصوصاً مع قدوم فصل الصيف في مصر، ما أدى إلى تراجع حاد في الإيراد اليومي، وهو ما دفع البعض الى التحايل على القرار بالعمل في نطاق محدود من دون إضاءة، ما عرض بعضهم إلى دفع غرامات تصل إلى 50 ألف جنيه مصري، في ظل حملات أمنية مشددة لتنفيذ القرار الحكومي.
“الغلق المبكر للمقهى يحرمنا من 60 في المئة من الإيرادات اليومية، جمهورنا مسائي وشعبنا بتاع سهر والقهوة ملاذ الفقراء والطبقة الوسطى”، يقول محمود أبو الوفا، صاحب مقهى بمنطقة الهرم، أحد أحياء محافظة الجيزة، مشيراً إلى أنه اضطر إلى تخفيف العمالة بالفترة المسائية بعد تراجع الإيراد في ظل التزامه بإيجار شهري وأعباء تشغيلية أخرى تلتهم الدخل.
أجبر القرار بعض المقاهي على تخفيف العمالة أو اتباع نظام المداورة وتقليل عدد الورديات لكل عامل، حسبما أبلغنا محمد زكريا، عامل النرجيلة بمقهى الهرم، أب لطفلين، إذ تقلص دخله إلى النصف خلال الأسبوع الماضي، وهو أقل الأضرار بالنسبة إليه عوضاً عن خسارة دخله بالكامل، مشيراً إلى أن قرار الإغلاق المبكر حرمه من فرصة تحسين دخله بالعمل لساعات أطول في المقهى ذاته أو مقهى آخر بالمنطقة ذاتها.
اللافت، أن المحال التجارية تستهلك 5.4 في المئة من إجمالي الطاقة الكهربائية، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بـ 37.2 في المئة للاستهلاك المنزلي، بحسب تقديرات حكومية، ما يعني أن تخفيض طاقة تشغيل المحال لم يحقق الاستفادة المأمولة بينما زادت الضغوط على ملايين من الأسر، التي تراجعت دخولها جراء القرارات في ظل ظروف اقتصادية خانقة، مع ملامسة سعر الدولار 55 جنيهاً مصرياً للمرة الأولى بشكل رسمي، وسط ارتفاع في نسبة التضخم الشهرية بلغ 2.8 في المئة بعد رفع أسعار المحروقات 30 في المئة وما تبعها من زيادة في أسعار المواصلات العامة في مصر في الأسابيع الأولى من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
الخوف من إطالة أمد الإغلاق وزيادة الخسائر دفع بعض التجار إلى إطلاق مبادرات بالسماح للمحال بالعمل على أضواء الشموع والهواتف المحمولة في ظل الركود الاقتصادي الذي تسبب فيه حظر التاسعة مساء، كما يوضح أحد أصحاب محال الهواتف المحمولة، وهي شريحة تعتمد على المبيعات المسائية أيضاً، التي تعرضت لخسائر في الإيرادات اليومية منذ بدء تطبيق القرارات.
إقرأوا أيضاً:
الشكاوى من التأثير الاقتصادي للإغلاق امتدت إلى قطاعات أخرى مثل السينما بعد إغلاق دور العرض، إذ أشار رئيس غرفة صناعة السينما هشام عبد الخالق إلى أن إلغاء العروض الليلية تسبب في خسائر كبيرة، نظراً الى أن الحفلات الليلية تمثل ما بين 80 و85 في المئة من إجمالي الإشغال، مطالباً بإعادة النظر في مواعيد الإغلاق واستبدالها بالصباح بدلاً من المساء لتقليل حجم الخسائر.
على رغم القناعة بأن جميع بلدان العالم تضررت بنسب متفاوتة من الحرب بسبب زيادة أسعار الطاقة، لكن حزمة القرارات الترشيدية في مصر كشفت عن فلسفة حكومية خاطئة تجاهلت فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية للشارع، تسببت في تفاقم الأزمة بدلاً من تقليل آثارها على المواطن الذي يعاني من تدني راتبه وغلاء المعيشة، بحسب رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، الذي يراها قرارات لم تخضع للدراسة الكافية.
يضيف الخبير الاقتصادي رشاد عبده في حديثه لـ”درج”، أن مجلس الوزراء لا يوجد لديه مستشارون اقتصاديون ينصحون الدولة بإجراء دراسة جدوى والتأني في اتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة، فتكلفة استهلاك الوقود لتشغيل محطات الكهرباء لن تصل بأي حال من الأحوال إلى التكلفة المضاعفة للإغلاق، إذ حُرم الاقتصاد غير الرسمي من مداخيله الأساسية وألقى الإغلاق المبكر كذلك بظلال سلبية على قطاع السياحة في ظل إطفاء الشوارع وإغلاق المحال العامة بالقاهرة.
البرلمان المصري وإن كان دوره أقل تأثيراً في صياغة القرار، إلا أن عدداً من النواب سارعوا إلى تقديم أسئلة إلى الوزراء بشأن قرار غلق المحال والمنشآت التجارية ومراكز الشباب، محذرين من تداعياته الاقتصادية والاجتماعية، إذ إن تقليص ساعات العمل لا يعني فقط خفض استهلاك الكهرباء، بل يمتد تأثيره إلى تقليص دخول آلاف العاملين، لا سيما في القطاعات الخدمية التي تعتمد على النشاط المسائي، فضلاً عن احتمالات تراجع حجم المبيعات وانخفاض الحصيلة الضريبية.
تؤشر طبيعة اتخاذ القرارات إلى تغييب مصلحة المواطن، وترسخ قاعدة أن الحكومة أولاً والمواطن ثانياً، وفق ما يوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، إذ تظل حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية غائبة عن ذهن المسؤول، الذي يراهم مجرد أرقام في دفاتر رسمية ولا ينظر إلى تداعيات القرارات على حياتهم.
يحذر صادق في حديثه لـ”درج”، من تأثير صورة ظلام القاهرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، كذلك بانتشار معدلات الجريمة والتحرش الجنسي بالسيدات، إذ تطفئ الميادين العامة أنوارها وتغلق المحال أبوابها، وهي صورة مقبضة لمدينة صناعتها السهر ومصادر دخلها من حركة السياحة.
التشدد في ممارسات الإظلام أثار انتقادات في دوائر المحسوبين على الحكومة، إذ انتقد الإعلامي أحمد موسى المبالغة في طريقة تنفيذ القرارات المتعلقة بترشيد استهلاك الكهرباء، ودعا الى التوازن بين توفير الطاقة والحفاظ على المظهر الحضاري للبلاد، متعجباً كذلك من وصول حالة الإظلام إلى قلب القاهرة وميدان التحرير.
سؤال الطاقة
وجه آخر كشفته أزمة ترشيد الاستهلاك في القاهرة والمدن المصرية، هو نقص المخزون الاستراتيجي من المشتقات البترولية والغاز الطبيعي، التي تعتمد عليها مصر في توليد الكهرباء المخصصة للاستهلاك المنزلي أو تشغيل المصانع، وهو ما يرجعه محللون إلى خلل هيكلي بين الإنتاج والاستهلاك، فضلاً عن الاعتماد الكبير على الغاز في توليد الكهرباء، ما يشكل منظومة شديدة الحساسية للصدمات في ظل التقلبات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
في هذا السياق، يشير فريدي البياضي، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي، إلى أن منظومة الكهرباء في مصر شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب في إمدادات الغاز، مبيناً أن بيانات الوكالة الدولية للطاقة تُظهر أن الغاز الطبيعي شكل نحو 76 في المئة من توليد الكهرباء في مصر عام 2023، بما يجعل أي تراجع في الإمدادات أو قفزة في التكلفة خطراً مباشراً على استقرار الشبكة الكهربائية.
وأضاف أن مصر عادت خلال الفترة الأخيرة إلى الاعتماد بشكل متزايد على واردات الغاز الطبيعي المسال، إذ سجّلت واردات قياسية بلغت نحو 8.92 مليون طن في 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 11 مليون طن في 2026، وفق تقديرات دولية، وهو ما يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب محلياً.
يلفت النائب إلى أن الغاز المستورد يرتبط بتدفقات إقليمية قابلة للاضطراب، إذ تشير تحليلات دولية إلى أن نسبة كبيرة من واردات مصر من الغاز مرتبطة بإمدادات إسرائيل، بما يعني أن أي توقف قد ينعكس فورا على الكهرباء والصناعة، وهو ما حدث أخيراً مع إخطار إسرائيل الجانب المصري بوقف إمدادات الغاز الطبيعي، استناداً إلى بند “القوة القاهرة” المنصوص عليه في اتفاقيات توريد الغاز، بعد بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
وبحسب شبكة بلومبرغ، بلغت كميات الغاز التي توقف ضخها من إسرائيل إلى مصر نحو 1.1 مليار قدم مكعب يومياً من حقلي “تمار” و”ليفياثان” الواقعين في المياه العميقة بالبحر المتوسط، وكانت واردات مصر من الغاز الإسرائيلي زادت بنحو 8 في المئة خلال السنة المالية المنتهية في حزيران/ يونيو 2025، لتصل إلى 344 مليار قدم مكعب، مقابل 319 مليار قدم مكعبة في السنة المالية السابقة.
وتعرضت صفقة الغاز الضخمة بين مصر وإسرائيل التي بلغت 35 مليار دولار، لانتقادات سياسية وحقوقية في مصر، برهن مستقبل الطاقة بأيدي حكومة تل أبيب على رغم الأهمية الكبيرة التي يحتلها الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة المصري، إلا أن وزير الإعلام ضياء رشوان الذي كان يشغل منصب رئيس الهيئة العامة للاستعلامات الحكومية آنذاك، اعتبرها صفقة تجارية بحتة أُبرمت وفق اعتبارات اقتصادية واستثمارية خالصة، ولا تنطوي على أي أبعاد أو تفاهمات سياسية.
وتفيد بيانات منظمة الطاقة الدولية بأن الغاز الطبيعي بات المصدر الأكبر لتوليد الطاقة في مصر بنسبة 48.7 في المئة مقابل 43.8 في المئة للبترول، لذا لا يرى النائب المعارض فريدي البياضي ملف الطاقة ملفاً فنياً محدود النطاق بل هو ملف أمن قومي واستقرار اقتصادي واجتماعي يستدعي المزيد من التحوط لمنع حدوث أزمات تعيق العمل.
يلقي الخبير الاقتصادي رشاد عبده باللوم على الدولة في أزمة الطاقة، مشيراً إلى أن وزارة البترول لم تسع الى تأمين احتياجاتها من النفط والغاز في فترة هدوء الأسعار واشتعال الحرب بالتعاقد على صفقات نفط ممتدة مع الموردين ضمن عقود تُعرف بالمشتقات المالية، كما تركت نفسها عرضة للتقلبات الجيوسياسية بالاعتماد على مصادر محددة، وهو ما دفعها الى البحث عن النفط الليبي بعد توقف خطوط الإنتاج في الكويت التي تمد القاهرة وحدها بمليون برميل شهرياً على الأقل.
ختاماً، يتوقع رشاد عبده عدم تمديد قرار غلق المحال بعد نهاية مهلة الشهر التي حددتها الحكومة، مع استمرار إجراءات الترشيد في الجهاز الحكومي، إلا أن القرار النهائي سيتخذه رئيس الجمهورية بعد رفع التقارير الأمنية عن رفض الشارع وتأثره اقتصادياً واجتماعياً بالقرارات.












