في الثاني من حزيران/ يونيو 2026، دخل رجال معرض سيّارات في التجمّع الخامس شرقي القاهرة. المعرض حديث، يقع في واحد من أرقى أحياء القاهرة الجديدة، ويملكه الأخوان هشام ومحمّد الإمام، وهما من رجال المال الصاعدين في المدينة. اعتدى الداخلون على أحد العاملين حتى أصابوه، وحطموا كاميرات المراقبة، وقبل أن يغادروا انتزعوا وحدة التسجيل وحملوها معهم، ثم وصلت الشرطة فقبضت على الرجل الذي قاد الزيارة ومن معه، صبري نخنوخ.
صاحب المعرض كان قد اشترى من نخنوخ فيلا بخمسين مليون جنيه، دفع منها عشرين وتأخّر في سداد الباقي، قضى نخنوخ ورجاله أربعة أيّام في الحبس الاحتياطي، ثم جدّدت المحكمة حبسهم 15 يوماً أخرى، وفي تلك الأيام القليلة تبدّلت اللغة التي يُوصف بها الرجل تبدّلاً كاملاً.
حين أصدرت النيابة العامّة بيانها، لم تعد تتحدّث عن رجل أعمال يخوض خلافاً تجارياً على فيلا، بل عن «متزعّم تشكيل عصابي اتّخذ من شركة أمن وحراسة ستاراً لنشاطه»، قبل أيّام كان صاحب شركة، صار بقرار واحد متّهماً بالبلطجة. والسؤال: من خلع على نخنوخ صفة «رجل الأعمال» أوّلاً، ومن نزعها عنه الآن؟ هذه ليست حكاية بلطجي صعد ثم سقط، بل حكاية الدولة التي صنعت نخنوخ ثم تبرّأت منه.
بلطجي حبيب العادلي الذي صار حارس البنوك
وُلد صبري نخنوخ في عام 1963، ابناً لتاجر خردة في حيّ السبتية. من سوق الخردة إلى السلاح طريق قصير في أحياء تُحسم خصوماتها بالقوّة، وقد قطعه نخنوخ مبكراً، صار مع مطلع الألفية وفي عهد وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي واحداً من كبار من يوردون «الرجال» لوزارة الداخلية: رجال لتأمين صناديق الاقتراع، ولتفريق مظاهرات الخصوم، ولفرض هيبة مرشّحي الحزب الحاكم. العلاقة بين الداخلية و«ملوك الأحياء» كانت نظاماً قائماً بذاته، لكل بلطجي حصّته من «الضبطيات» يسلّمها للضباط مقابل الحماية وتسوية أوراقه.
تردّد اسمه منذ العام 2000 في «تأمين» صناديق الاقتراع وإفساد بطاقاتها لصالح مرشّح “الحزب الوطني” في أحياء بجنوب القاهرة وغربها، وفق شهادات أوردتها مراجعات لاحقة لتلك المرحلة. هنا نحن لسنا أمام بلطجي اعتيادي بل رجل يؤدّي للدولة عملاً لا تريد أن يُنسب إليها علنا، هو أقرب إلى موظّف غير رسمي منه إلى مجرم يتحدّاها.
تتردّد روايات واسعة عن دور رجال صبري نخنوخ في «موقعة الجمل» مطلع 2011، يوم اقتحم مهاجمون على ظهور الخيل والجمال ميدان التحرير، روايات منسوبة ومتداولة، لم تثبت قضائياً في حقّه، الثابت أنه قُبض عليه في آب/ أغسطس 2012، وصدر ضدّه حكم بالسجن المؤبّد في عام 2013، بتهمة حيازة أسلحة وذخائر وموادّ مخدّرة وحيوانات مفترسة، وتحدّثت تقارير عن أسود وكلاب كان يستخدمها في حراسة منزله دون تراخيص، وعن شبكات منسوبة إليه للمخدّرات والدعارة .
ثم جاء منعطفان متتاليان: حكم للمحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون الذي شُدّدت بموجبه عقوبته، وبعده بسنوات عفو رئاسي في أيّار/ مايو 2018، بعد شهر واحد من بدء ولاية الرئيس عبد الفتّاح السيسي الثانية.
بعد العفو بخمس سنوات، عاد نخنوخ في صورة جديدة تماماً. في 2023 آلت إليه رئاسة مجموعة «فالكون»، إحدى أكبر شركات الأمن في مصر أسسها في أواخر نيسان/ أبريل 2006 واحد من أكبر البنوك المصرية، هو البنك التجاري الدولي، وتوسّعت حتى صارت تضمّ سبع شركات بنهاية 2023، يبلغ عملاؤها نحو 1500 جهة، من بنوك وسفارات وجامعات وأندية ومنشآت حكومية، عبر سبعة فروع وأسطول لنقل الأموال، والمسار الذي قطعته الشركة في 17 عاماً يستحقّ التأمل. بدأت في 2006 بشركتين فقط، واحدة للأمن وأخرى لنقل الأموال، بمئتين وسبعين موظّفاً وخمسين سيّارة وفرع واحد، توالت الشركات: «فالكون للأنظمة الفنّية والأمنية» في نهاية العام نفسه، و«فالكون للخدمات العامّة وإدارة المشروعات» في 2010، و«تواصل للعلاقات العامّة» في 2017، حتى صارت سبع شركات بحلول 2023، والبنك الذي أسّسها، البنك التجاري الدولي، هو أكبر بنوك القطاع الخاصّ في مصر، يخدم أكثر من خمسمئة من كبرى شركاتها، ومنه خرجت الشركة التي يرأسها اليوم رجل حُكم عليه بالمؤبّد في قضيّة سلاح.
تذكر تصريحات لمسؤول في الشركة في عام 2017، أن حصّتها السوقية لا تقلّ عن 62%، وهو رقم قديم يخصّ مرحلة سابقة، يصلح مؤشّراً على الحجم لا إحصاءً راهناً، إذ ما من بيان رسمي حديث يؤكّده.
أخذت الدولة بلطجياً مُداناً بحيازة السلاح، فوضعت في يده أكبر منظومة أمن خاصّ في البلاد، تحرس خزائن بنوكها وأبواب سفاراتها، الرجل الذي كان يُستأجر لتفريق المظاهرات صار المؤتمَن على تأمين المطارات والجامعات.
كيف انتقلت “فالكون” فعلاً إلى نخنوخ في عام 2023؟ لا يمكن التيقّن بحسب المصادر التي تتحدّث التغطيات عن «أيلولة الملكية» تارةً، وعن «رئاسة مجلس الإدارة» تارةً، بينما يذكر موقع الشركة الرسمي اسماً آخر رئيساً للمجلس فلا يتّضح إن كان اشترى الشركة بماله، أم وُضع على رأسها بترتيب ما، أم كان شريكاً خفيّاً من قبل.
والفجوة هنا هي جوهر السؤال نفسه: من نقل أكبر شركة حراسة في البلاد، التي أسّسها بنك كبير في عام 2006، إلى يد رجل بهذا السجلّ؟ غياب الإجابة الموثّقة دليل في ذاته على أن الترتيب جرى في الظلّ.
فالكون: عنف بلا بصمة حكومية
عرف ماكس فيبر الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر وحده الاستخدام الشرعي للعنف داخل إقليمه، وحالة نخنوخ تقلب هذا التعريف. الدولة هنا لا تحتكر العنف، فهي تفوّضه لمقاولين من خارجها، ما تحتكره وحدها كلمة «شرعي»، وتقرّر متى تشاء، وبأثر رجعي، إن كان حامل السلاح «لواء» يؤمّن الاحتفالات أم «بلطجياً» يروّع الآمنين. الأسلحة التي ضُبطت في منزله، بندقيتان آليتان ورشّاش وما يقارب ألف طلقة، هي نفسها التي يُفترض أن طبيعة عمله الأمني ترخّصها له.
ومن هنا سؤال تتهرّب منه الرواية الرسمية: لماذا تحتاج دولة قويّة إلى بلطجي مرئي من الأساس؟ الدولة القادرة فعلاً تستعمل شرطتها وتحتكر العنف باسمها، أما أن تستأجر مقاولاً لهذا العنف من خارجها فذلك اعتراف ضمني بحدودها، لا دليل على فائض قوّتها. كان نخنوخ بهذا المعنى جهاز إنكار: يمتصّ العنف الذي تحتاجه الدولة ولا تقدر أن تُقرّ به أمام محاكمها ولا أمام مموّليها في الخارج، أن يبقى قابلاً للإنكار هو وظيفته الأولى.
ولهذه الوظيفة منطق يفسّر بنية “فالكون” ذاتها. شركة الحراسة الخاصّة تحلّ للدولة معضلتين معاً، تنقل العنف من خانة «الفعل الحكومي» الخاضع للمساءلة إلى خانة «الخدمة التجارية» التي يحكمها العقد لا القانون الإداري، وتموّل نفسها من السوق في الوقت ذاته، فيصير العنف مشروعاً مربحاً بعد أن كان بنداً في الموازنة العامّة. حين تُسنِد الدولة قطاع «التدخّل السريع» الذي أعلنت “فالكون” تدشينه في عام 2014 لمواجهة ما سمّته «أعمال الشغب»، وتولّت بموجبه تأمين 12 جامعة، تسع منها حكومية كالقاهرة وعين شمس، وواجهت مظاهرات الطلّاب وقتها، فإنها تكون قد أخرجت قمع الحرم الجامعي من يد شرطة تُحاسَب إلى يد شركة لا تُحاسِب إلا أمام عميلها، هنا تكمن عبقرية الترتيب وخطره: عنف دون بصمة حكومية، وربح دون التزام دستوري.
تشير تقارير إلى أن الخلاف الحقيقي بدأ حين رفض نخنوخ، بصفته رئيس “فالكون”، دمج أصول الشركة في صندوق مصر السيادي، وهي رواية نشرتها صفحة “ما تصدقش” لكن لا يمكن تأكيدها، لكنّها إن صحّت تقلب ترتيب الأحداث.
التحفّظ الفوري على الأموال والعقارات والأسهم، وإقحام تهمة غسل الأموال، أقرب إلى منطق الاستحواذ منه إلى منطق العقاب على مشاجرة في معرض بعد تبدّل موقعه من المعادلة: من شريك في الأصل إلى مالك يُراد انتزاع الأصل منه.
ثم إن الشرعنة التي حمته هي نفسها التي جعلت التخلّص منه بهدوء مستحيلاً. البلطجي غير الرسمي يسهل تصفيته وإنكاره، أما رئيس شركة تمسك بمفاتيح بنية أمنية حسّاسة، من خزائن البنوك إلى بوّابات السفارات إلى أنظمة المراقبة في مواقع حيوية، فقد تغلغل أكثر من أن يُمحى بصمت. وبحسب ما عدّده اللواء عبد الحميد خيرت شكري ، تتعامل المجموعة مع نحو 26 مصرفاً، ومع مؤسّسات دولية كالأمم المتّحدة وعدد من السفارات العربية. كانت الشركة درعه وشهادة نهايته في آن: درع لأنها منحته الشرعية، وشهادة نهايته لأنها رقّته من خادم إلى منافس على النفوذ.
إقرأوا أيضاً:
قالت النيابة إن فحص هواتف المتّهمين أظهر تسجيلات لوقائع خطف وتعذيب وإكراه على توقيع أوراق يسهل أن نقرأها دليل إدانة. لكنّ السؤال: لماذا يحتفظ رجل بتسجيلات جرائمه؟ هل لأن من يؤدّي العمل القذر لحساب أقوياء يحفظ الأرشيف تأميناً على حياته، وورقة ضغط يشهرها إن تخلى عنه شركاؤه؟ الهواتف هنا أقرب إلى دفتر حسابات الجمائل والديون منها إلى متاع جريمة.
دولة النخانيخ
خطأ أن نقرأ نخنوخ بوصفه فرداً، هو نوع، والنوع لا يفنى بسجن نسخة منه. فور القبض عليه تكشف ما خلفه: شبكة من «المعلّمين» تتنازع وراثة موقعه، يتقدّم اسم شندي يحيى مرشّحاً لخلافته على رأس ما يسمّيه المقربون «نقابة المعلّمين»، يسنده تحالف مع رجال مال وفنّ وأعمال، حتى صار حفل عيد ميلاده ملتقى لطبقة من الأثرياء، وذلك في غياب “المعلّم صبري» وابن شقيقه «جون»، وتدور حول الموقع أسماء أخرى مثل «إسماعيل دولار» و«محمّد الحدود» وعشرات الحراس، مع إعادة تموضع في المقطّم وشبرا وإمبابة وفيصل والإسكندرية… النظام ينتج النخانيخ.
وعلى الضفّة الأخرى من الواقعة وقف رجل من الطينة نفسها. صاحب المعرض، أو من يقف خلفه، ينتمي إلى عالم الأخوين هشام ومحمّد الإمام: معرض سيّارات في أرقى أحياء القاهرة الجديدة افتُتح في عام 2025، وتجارة عقارات وأراضٍ، وسلسلة مطاعم اشترياها أواخر 2024، وتجارة عملة صعبة منسوبة لهشام مع اتّهامات بأنه واجهة لشخصيّات نافذة، ولهذا قرأ ناشطون الخلاف على أنه صدام بين أداتين لقوى أكبر، نخنوخ في جهة والإمام في جهة، والمنتصر فيه صاحب الغطاء الأقوى لا صاحب الحقّ، حيث يتقاتل وكيلان للدولة.
كشفت تقارير عن 55 قضيّة سابقة في ملفّه، رقم يفضح المفارقة: كيف يظلّ صاحب هذا السجلّ طليقاً ونجماً اجتماعياً تُغطى تحرّكاته إعلامياً؟ كان مجلسه ملجأ لحلّ أزمات المشاهير، حتى إن المطرب سعد الصغير قال، حين تورّط عمرو دياب في صفع أحد معجبيه، إن «المعلّم نخنوخ» قادر على تسوية الأمر في خمس دقائق. البلطجي هنا ليس خصماً للدولة ولا للنخبة، بل جزء من منظومة النخبة نفسها، بنية خدمات موازية تلجأ إليها حين يعجز القانون أو يتباطأ.
ويكرّر العرجاني المنطق نفسه على نطاق أوسع. إبراهيم جمعة العرجاني، من قبيلة الترابين في الشيخ زويد شمال سيناء، بدأ سائق أجرة ثم سائق شاحنات، ثم صار من كبار مهرّبي السلع والسلاح عبر الأنفاق على الحدود الشرقية في سنوات الصراع بين البدو والشرطة، في تلك المرحلة كان رجلاً مطلوباً للدولة لا شريكاً لها: ظلّ معتقلاً لدى الأمن المصري حتى تمّوز/ يوليو 2010، على خلفيّة احتجازه ضبّاطاً وجنوداً عند الحدود خلال ذلك الصراع، وهي الواقعة التي قُتل فيها أخوه أحمد برصاص الشرطة، وأُفرج عنه ومعه عشرات من رجال القبائل.
المهرّب الذي سجنه نظام مبارك تحوّل بعد 2013، إلى حليف للجيش والمخابرات: شكّل ومَول قوّات من أبناء القبائل سلّحها الجيش لقتال «ولاية سيناء» التابعة لتنظيم الدولة، الذي حاول اغتياله ونسف منزله، ثم صار «مقاول» الدولة في معبر رفح وإعمار غزّة، ليصعد من رجل حدود إلى ما قد يجعله «أقوى رجل في شبه جزيرة سيناء».
في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 عيّنه الرئيس عبد الفتّاح السيسي بمرسوم، عضواً في الجهاز الوطني لتنمية سيناء، وفي الأوّل من أيّار/ مايو 2024 أسّس «اتّحاد القبائل العربية» في قرية العجرة جنوب رفح برئاسته والرئيس رئيساً شرفياً له، وأُعلن في الحفل بناء مدينة تحمل اسم «السيسي»، فيما تولّى حماية المؤتمر مسلّحون من الترابين في غياب الأجهزة الأمنية. ومكافأةً على دوره في القتال ضدّ تنظيم الدولة، أُسندت إليه شركتا «أبناء سيناء» و«مصر سيناء»، وأعمال تطوير معبر رفح، ومشروعات إعمار في غزّة. مسيرة هي إعادة غسيل سمعة، رجل سُجن في عهد مبارك خرج «مهندساً» و«شيخاً» وشريكاً للدولة في أخطر ملفّاتها.
ثم انتشرت أغنية في مديحه تصفه بـ”فخر السيناوية”، والأهمّ أن مسلسل “الاختيار” في جزئه الثاني، الذي تناول حرب الجيش على الإرهاب في سيناء، قدّم نموذج شيخ القبيلة الذي يجمع رجاله إلى جانب القوّات المسلحة ضدّ التنظيمات الإرهابية، وهو الدور الذي يُنسب إلى العرجاني في الواقع: تشكيل ميليشيا قبلية من أبناء الترابين، سلّحها الجيش وقاتلت معه.
دولة شرسة لا قويّة
يطرح الباحث نزيه الأيّوبي في دراسته عن الدولة العربية تمييزاً بين دولة شرسة تجيد السحق، ودولة قويّة تتغلغل في مجتمعها فتنتزع طاعته من غير عصا، تجبي ضرائبه وتنفّذ سياساتها دون وسطاء… خلاصة هذا الطرح أن كثيراً من الدول العربية شرسة لا قويّة: تلجأ إلى القبضة الغليظة لأنها تعجز عن الحضور العميق، وتستبدل بالاختراق عنفاً سطحياً يتكرّر دون نهاية.
وتفويض العنف لنخنوخ في المدينة وللعرجاني في الصحراء هو العَرض الظاهر لهذا العجز. تستأجر الدولة وكلاءها لأنها لا تحكم الشارع ولا الحدود حكماً مباشراً تاماً، ولو كانت قويّة بهذا المعنى لما احتاجت إلى مقاول عنف في حيّ شعبي ولا إلى شيخ قبيلة مسلّح في سيناء. وهنا ينقلب البيان الرسمي على نفسه، يقول البيان إن «دولة القانون ماضية في طريقها بكل حزم، والقانون فوق الجميع»، لكن ما يقوله القبض على نخنوخ في الحقيقة اعتراف معكوس: بلغ بنا الحال أن نحتاج رجلاً كهذا، ثم أن نكافح لاستعادة السيطرة عليه، ليس استعراض قوّة، بل استدراك لحظة ضعف.
ثمّة وجه آخر للحكاية يطلّ من تجربة أبعد. روسيا التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، شهدت ظاهرة وصفها الباحث فاديم فولكوف بـ«مقاولي العنف»، عصابات ابتزاز تحوّلت تدريجياً إلى شركات أمن قانونية وأصحاب أعمال محترمين، بعد أن أعادت الدولة تنظيم السوق وابتلعت قوّتهم في أطر مؤسّسية. المسار يكاد يطابق مسار “فالكون”: تُسلّع القدرة على العنف، ثم تُشرعَن، ثم تتحوّل إلى حصّة سوقية وعقود وإيراد متجدّد. والمقارنة تنزع عن قضيّة نخنوخ صفة «الفضيحة المحلّية» وتضعها في ظاهرة عابرة للحدود، خلاصتها أن العنف يصير سلعة كلما ضعفت الدولة وانفتح السوق فجأة، ومن يحتكره يتحوّل إلى برجوازي.
غير أن الفارق بين الحالتين أن في روسيا صعد مقاولو العنف من تحت، من قلب الفوضى، ثم سعت الدولة لاحقاً إلى تدجينهم. في مصر يبدو المسار مقلوباً: الدولة هي التي أنزلت رجلها إلى السوق وسلّحته بعقد ورخصة وحصّة، فلم يصعد نخنوخ رغماً عنها بل بإرادتها، وهذا يجعل سقوطه شأناً داخلياً خالصاً، خلافاً بين صانع وصنيعته، لا بين دولة وخطر طارئ جاءها من خارجها، ومن هنا مفارقة بيان «دولة القانون» الكبرى: الدولة تحاكم اليوم منتجاً من إنتاجها، وتتحدّث عنه كأنه هبط عليها من كوكب آخر.
لم تكتفِ النيابة بالاتّهامات الجنائية، بل أعلنت «تحقيقات مالية موازية لتتبّع عائدات نشاطهم»، في سنوات وفرة الريع كان بوسع الدولة أن تموّل شبكة واسعة من الشركاء غير الرسميين، لكلّ حصّته: عقد حراسة هنا، رسوم عبور هناك، مخصّص قبلي ثالث، والتقشّف يغيّر المعادلة. حين يضيق الريع تُقلَّم الشبكة، والتقليم يعني إعادة توزيع الحصص، وعبارة «تتبّع العائدات» تشي بمنطق استيلاء على الأصول أكثر منه عقاباً: لا سجن وحسب، بل إعادة تملّك لتدفّق إيرادي ضخم، هو سوق “فالكون” وحصّتها، تمهيداً لتوجيهه نحو جهات أوثق ولاءً. القبض، في طبقة منه، تأميم لريع كان مخصّخصاً، في ثوب مكافحة الفساد.
وما إن صدر بيان النيابة الأوّل حتى تبعه قرار أوضح في دلالته. ففي السابع من حزيران/ يونيو، أمرت النيابة بالتحفّظ على أموال نخنوخ وزوجته اللبنانية ونجل شقيقه جون في البنوك كافّة، ومنعهم من السفر، وشمل القرار الأموال المنقولة والأسهم والصكوك والسندات والخزائن والودائع والمحافظ الإلكترونية والأصول العقارية، مع إخطار البنوك والشهر العقاري والبورصة بتنفيذه، وعلّلت النيابة قرارها بأن تحرّياتها كشفت لجوء المتّهمين إلى غسل أموال متحصّلة من نشاطهم لإخفاء مصدرها.
ولهذا التوقيت سياقه. تأتي الواقعة في لحظة ضغط اقتصادي حادّ، تبحث فيها الدولة عن استعادة ثقة المستثمرين والمؤسّسات المالية الدولية، وإظهارها بمظهر المحارب للفساد والبلطجة، حتى حين تطال يدها أحد المقرّبين، رسالة مزدوجة: إلى الداخل لامتصاص الغضب، وإلى الخارج لتسويق صورة «دولة القانون» أمام رأس المال .
تبقى الحكاية في مستواها البسيط: رجل عنيف تمادى في نزاع تجاري حول فيلا، وصادف خصماً له من العلاقات ما يكفي ليتحرّك بلاغه فعلاً، وبمجرّد أن فُتح الملفّ تعذّر إغلاقه دون إحراج، فتصاعد بثقله المؤسّسي إلى ما بلغه. سردية «شطرنج الدولة العميقة» تنزلق أحياناً إلى ضرب من نظرية المؤامرة، تنسب للدولة تماسكاً وتدبيراً لا تملكهما فعلاً، أحياناً تكون المشاجرة مشاجرة، لكن تبقى الطريقة التي اشتعلت بها هي ما يفضح المنظومة، أن يتحوّل خلاف على فيلا، في أيّام، إلى بيان عن «تشكيل عصابي اتّخذ من شركة أمن ستاراً»، وأن يُضبط في بيت رجل واحد ما يقارب ألف طلقة وبندقيتان آليتان ورشّاش وعشر قطع أثرية وأجهزة اتّصال غير مرخّصة، وأن تظهر في هاتفه تسجيلات خطف وتعذيب، كل هذا لا يُصنع في أسبوع، إنه ركام سنوات ظلّ مرئياً للدولة وغير مُدان.












