“بدي فكّر بالذهب والناس عم تنقتل؟” تختصر سارة حمود (اسم مستعار) قلقها على الذهب الذي أودعته لدى جمعية “القرض الحسن”، التي تعرّض ثلث فروعها المنتشرة في لبنان للقصف من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي مساء الأحد 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2024.
“كل الذهب الذي نملكه هو عند القرض الحسن”، تضيف سارة، “البيت أهم من الذهب”. لقد أخذت سارة قرضاً من جمعية “القرض الحسن” في مطلع هذا العام، تحديداً في شباط/ فبراير 2024، بهدف استكمال قيمة المنزل الذي اشترته مع عائلتها في قريتها في قضاء صور في الجنوب، وهي منطقة تتعرض للقصف بشكل يومي.
“كنا بحاجة إلى دفعة أخيرة لتسجيل البيت باسمنا. أخذنا القرض وبدأنا ندفع 120 دولاراً أميركياً شهرياً لتسديده”، ولكن “لا نعرف شيئاً عن وضع البيت اليوم”، وبالطبع لا تعرف شيئاً عن الذهب أيضاً.
اعتادت عائلة سارة على الاقتراض من “القرض الحسن”. كانت والدتها قد اقترضت من الجمعية قبل حرب 2006، وبعد انتهاء الحرب سددت الدفعتين الأخيرتين واستعادت ذهبها.
تبدو سارة مطمئنة وواثقة من أن ذهبها بأمان، وأن الجمعية ستُعيد الأموال إلى المقترضين كما فعلت بعد حرب 2006. إلا أن الفرق هذه المرة، هو أن “حزب الله” خرج قوياً من حرب عام 2006، أما اليوم فقد قُتل قادته وتلقى ضربات كبيرة وتفكّك، وتتردد معلومات غير مؤكدة أن جزءاً من القصف الذي طاول الضاحية أصاب أماكن يضع فيها الحزب أمواله النقدية.
معطيات تثير قلق آلاف المودعين خصوصاً في ظل الحرب والضربات التي يتلقاها “حزب الله”، فهل ستتمكّن جمعية “القرض الحسن” من الإيفاء بوعودها تجاه عملائها؟ أم هل ستتحمل البيئة الشيعية على وجه التحديد، خسائر مصرفية جديدة بعد ما تكبّدته من خسائر جراء الأزمة المصرفية اللبنانية؟
كان المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي، حذّر عبر منصة “X” السكان المقيمين بجوار فروع “القرض الحسن” بضرورة الإخلاء والابتعاد، حيث ستتعرض الفروع للقصف، قائلاً: “يتم تمويل قسم كبير من أنشطة منظمة حزب الله الإرهابية من ميزانية الدولة الإيرانية، حيث يستخدم حزب الله هذه الأموال بغية تمويل أنشطته الإرهابية ويضمن ذلك التسلح، وشراء المنشآت لغرض تخزين الوسائل القتالية، وإنشاء مواقع الإطلاق، وتمويل أجور عناصر التنظيم وكذلك لتنفيذ نشاطات إرهابية مختلفة.
وجمعية القرض الحسن تشارك في تمويل النشاطات الإرهابية لمنظمة حزب الله ضد إسرائيل، وبالتالي فقد قرر جيش الدفاع مهاجمة هذه البنى التحتية الإرهابية…”
وبعد نحو ساعة من التحذير، شن الطيران الإسرائيلي غارات على مراكز متعدّدة للقرض الحسن.
يملك القرض الحسن 31 فرعاً حول لبنان وهي التالية:
وبينما أكدت بعض الوسائل الاعلامية في تغطيتها أنها وجدت آثاراً للذهب في مواقع القصف، أفادت جريدة “المدن” الألكترونية، نقلاً عن مصدر في مؤسسة “القرض الحسن”، قبل أيام قليلة من الاستهداف، بأن الإدارة أفرغت كل فروعها في لبنان من الذهب والأموال والملفات، خاصة تلك الواقعة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وأكد المصدر أن مخازن الذهب والمال في أمان ولا يوجد خطر على “أمانات” المودعين.
تختص جمعية “القرض الحسن” بتقديم قروض صغيرة نسبياً ولفترات قصيرة ولأغراض مختلفة. وبحسب تقرير صادر عن موقع “بنت جبيل” في شباط/ فبراير 2010، فإن نصف المقترضين اقترضوا لتلبية احتياجاتهم اليومية، وقرابة ربعهم (27٪) لسداد ديون، والباقي لسداد بدلات السكن (6٪) والاستشفاء أو الدراسة (5٪) والزواج والمفروشات المنزلية (3٪).
تمنح “القرض الحسن” أربعة أنواع من القروض:
1- قروض مقابل ضمانات الذهب (هو الأكثر شيوعاً واستخداماً).
2- قروض شهرية مقابل ضمانة للمشتركين الذين يودعون الأموال في الجمعية.
3- قروض مقابل كفالة أثرياء.
4- الضمان المقدّم للمقترض بغرض شراء السلع والخدمات من المؤسسات.
تعتمد “القرض الحسن” سياسة منح قروض مدعومة لـ”تيسير أعمال الناس” كما تقول. بحسب موقع “القرض الحسن” الرسمي “تأسست جمعية مؤسسة القرض الحسن عام 1982، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان وما خلفه من أوضاع اجتماعية واقتصادية مدمّرة، لتكون رافداً من روافد المقاومة عبر دعمها للمجتمع اللبناني المقاوم، وتمّ ترخيصها من وزارة الداخلية اللبنانية سنة 1987 بموجب علم وخبر 217/ أ.د.”، وذلك في عهد وزير الداخلية في حكومة رشيد كرامي، الوزير عبدالله الراسي، وفق تحقيق سابق لموقع “درج”.
بحسب مصدر جريدة “المدن”، فإن حجم القروض التي تقدّمها المؤسسة سنوياً يُقدّر “بنحو 500 مليون دولار. أما حجم التعاملات فيقارب 4 مليارات دولار”.
عقب الأزمة المصرفية اللبنانية التي ظهرت في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، بينما كانت تتخبّط المصارف اللبنانية في أزماتها وخضّاتها المتلاحقة، ازداد عدد مودعي “جمعية القرض الحسن” بشكل ملحوظ وتوسّعت نشاطاتها وخدماتها، وحافظت على أموال المودعين. علماً أن الجمعية لا تُصنّف كمصرف في لبنان.
عندها قال الأمين العام ل”حزب الله” حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل في 27 أيلول/ سبتمبر 2024، في خطابه في 11 تشرين ثاني/ نوفمبر 2020 إن “كل من سحب ودائعه من المصارف اللبنانية وأودعها في القرض الحسن حافظ على قيمة أمواله”، كما أكّد في خطابه في كانون الثاني/ يناير 2021 أن “العقوبات الأميركية على مسؤولي حزب الله عزّزت مؤسسة القرض الحسن، حيث نقل بعضهم حساباته من المصارف إلى الجمعية”.
رغم ارتباط “القرض الحسن” ب”حزب الله” وبالبيئة الشيعية على وجه التحديد، إلا أن عدداً من اللبنانيين، من خارج هذه البيئة أيضاً لجأوا إلى المؤسسة للحصول على قروض صغيرة مقابل رهن ذهبهم. إذا فقد مودعو “القرض الحسن” ذهبهم، فستكون هذه المرة الثانية التي يتكبّد فيها اللبنانيون؛ بخاصة الشيعة، خسائر مصرفية بسبب الأزمات المتلاحقة في البلاد.
لا بدّ من التذكير أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على كل من مؤسستي “الشهيد” ومؤسسة “القرض الحسن” في 24 تموز/ يوليو، 2007 عبر تصنيفهما مؤسستين داعمتين لـ”حزب الله”.
وفي نيسان/ أبريل 2016، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية “القرض الحسن” على قائمة مؤسسات “حزب الله” الخاضعة للعقوبات (بناءً على تشريعات تعود إلى العام 2015) ولكن على الرغم من العقوبات الأميركية، استمرّت المؤسسة بزيادة حجم نشاطها، مع تضاعف ودائعها عام 2020 ومنحها ما يقارب 500 مليون دولار كقروض.
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات جديدة على أفراد مرتبطين بـ”حزب الله” وبـ”القرض الحسن” في 11 أيار/ مايو 2021، أبرزهم أحمد محمد يزبك المدير المالي لـ”القرض الحسن”، وعباس حسن غريب مدير المعلوماتية في الجمعية، بالإضافة إلى عباس حسن غريب ومصطفى حبيب حرب ووحيد محمود سبيتي وحسن شحاده عثمان وعزت يوسف عكر “وذلك لتعاملهم لصالح أو نيابةً عن القرض الحسن بشكل مباشر أو غير مباشر”، وفقاً لتصريح الخزانة الأميركية، وذكر التصريح أن “القرض الحسن يتخفّى تحت غطاء ترخيص منظمة غير حكومية ممنوحة من وزارة الداخلية… ومن خلال تخزين العملة الصعبة التي يحتاجها الاقتصاد اللبناني بشدة، يسمح القرض الحسن لحزب الله ببناء قاعدة دعم خاصة به وتقويض استقرار الدولة اللبنانية”، بحسب تحقيق سابق لموقع “درج”.
هل ستتمكّن جمعية “القرض الحسن” بعد كل الضربات التي تلقّاها “حزب الله”، من الإيفاء بوعودها لمودعيها؟ وما هو مستقبلها بعد الحرب؟











