“المريضتان اللتان توفيتا ونحن ننقلهما ليسا أرقاماً… هما أمّ أو أخت أو زوجة أحد ما”. بصوتٍ ممزوجٍ بغصّة، عبّر مدير مستشفى بهمن، الطبيب علي كريم، لـ”درج” عن قساوة اضطرار نقل المرضى وإخلاء المستشفى، بعد التهديد الإسرائيلي الذي أنذر سكان الضاحية الجنوبية لبيروت بضرورة إخلاء المنطقة باعتبارها هدفاً للقصف.
وعلى أثر ذلك، سارعت مستشفيات المنطقة، وفي مقدّمها مستشفيا بهمن والساحل، إلى إخلاء المرضى ونقلهم إلى مستشفيات أخرى مجاورة أو إلى مناطق اعتُبرت أكثر أماناً.
وأدّى هذا الإخلاء إلى إقفال مختلف الأقسام، من بينها مراكز علاج متخصصة. ويبرز في هذا السياق مركز علاج السرطان في مستشفى الساحل، الذي كان يستقبل عدداً كبيراً من المرضى لتلقّي جلسات العلاج الكيميائي.
منذ توسّع الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2 آذار/ مارس الحالي، خرجت 5 مستشفيات عن الخدمة في لبنان بشكلٍ كلي، بينما استمرت 5 مستشفيات بالعمل بشكلٍ جزئي، وفقاً لما قاله ممثل منظمة الصحة العالمية (WHO) عبدالناصر أبو بكر لـ”درج”.
مرضى السرطان مشرّدون
خلال هذا الإخلاء القسري لمستشفى الساحل، برزت مشكلة معقّدة لدى مرضى السرطان. إيمان (اسم مستعار لأسباب شخصية) غادرت الضاحية الجنوبية مع والدتها فور سقوط الصواريخ الإسرائيلية فجر 2 آذار/ مارس، لتجد نفسها معها في الشارع، فيما كانت والدتها تخضع لعلاج سرطان الثدي.
“أول شيء شكّل هاجساً لنا بعد إخلاء مستشفى الساحل هو علاج ماما… أين سنذهب؟ كيف سأؤمّن لها علاجها؟”. هكذا عبّرت إيمان عن صدمتها وقلقها على صحة والدتها في حديث مع “درج”، وهي تحاول إيجاد حلّ سريع لمتابعة العلاج.
كان من المفترض أن تتلقى والدة إيمان جرعة العلاج الكيميائي بعد أيام قليلة من إنذار الإخلاء. حاولت إيمان التواصل مع طبيب والدتها، لكن في البداية بدا الوضع ضبابياً للجميع، في ظل الفوضى التي رافقت الإخلاء، وكأنها نكبة صحية مفاجئة.
وأضافت: “لحسن حظي أن أمي مسجّلة مع قوى الأمن، وقد تمكنوا من مساعدتنا…”. وبفضل ذلك، تمكّنت والدتها من التواصل مع طبيبها، الذي نقل ملفها الطبي وتابع علاجها في مستشفى السان جورج، حيث يمارس عمله أيضاً.
من جهة أخرى، شدّد رئيس جمعية برباره نصّار، هاني نصّار، على أن هناك عدداً كبيراً من مرضى السرطان تواصلوا مع الجمعية بحثاً عن مراكز تؤمّن العلاج الكيميائي أو الأدوية السرطانية.
إقرأوا أيضاً:
وأشار، في حديثه مع “درج”، إلى أنه بإمكان المرضى التسجيل على منصة “أمان” التابعة لوزارة الصحة اللبنانية، التي ستوفّر لهم مراكز العلاج، وأن الجمعية قدّمت الإرشادات اللازمة، مؤكداً أن مخزون الأدوية للأمراض المستعصية يكفي لثلاثة أشهر على الأقل.
أما كريم، فأوضح أنه انتهى المطاف بالمرضى إلى التواصل مع أطبائهم مباشرة، الذين نقلوا ملفاتهم إلى مستشفيات في محيط أكثر أماناً، حيث يعمل هؤلاء الأطباء أيضاً.
أما عن الضحايا الذين يسقطون داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، فيُنقلون إلى مستشفيات مجاورة هي الأقرب إلى المنطقة، بحسب ما أفاد مدير العلاقات العامة والتواصل، أياد منذر، لـ”درج”.
مسعفون وأطباء تحت النار
صعّد الجيش الإسرائيلي من نبرة تهديداته، حتى وصل إلى حدّ تهديد الطاقم الطبي بشكل مباشر، حين نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للغة العربية على منصة “أكس”، أن حزب الله يستخدم سيارات الإسعاف لنقل عناصره والأسلحة، ويقدّم ذلك كذريعة لاستهدافها.
وقتل أكثر من 26 عاملاً صحياً وأصيب ما يزيد عن 51 منهم منذ بداية الحرب، الأمر الذي اعتبره أبو بكر “خطراً للغاية ومنافياً للقانون الإنساني الدولي”، الذي ينص صراحة على ضرورة التزام الطواقم الطبية الحياد والحماية، لكي تتمكن من علاج الجرحى أثناء الحرب. ويُعدّ الاعتداء عليهم أو منعهم من أداء عملهم انتهاكاً خطيراً لقوانين الحرب.
وأكد ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان، الدكتور عبد الناصر أبو بكر، أن موقف المنظمة واضح لجهة ضرورة حماية القطاع الصحي خلال النزاعات. وقال لـ”درج” إن “الخدمات الصحية يجب أن تبقى إنسانية بحتة، وينبغي حمايتها في كل الظروف”، مشدداً على أن استهداف المرافق الصحية أو العاملين فيها لا يمكن تبريره.
التحقيقات الدولية هي الحل
في هذا السياق، أكد أبو بكر أن أي ادعاءات تتعلق بإساءة استخدام المرافق الصحية لأغراض عسكرية يجب التعامل معها عبر آليات التحقق المناسبة، من خلال السلطات المحلية والوكالات الأممية المعنية. واستطرد قائلاً: “أي ادعاء حول استخدام المرافق الصحية لأغراض عسكرية يجب أن يخضع لآليات تحقق من الجهات المختصة، لكن ذلك لا يمكن أن يبرر أبداً استهداف المرافق الطبية أو تعريض المرضى والطواقم الصحية للخطر”.
كما أشار إلى أن منظمة الصحة العالمية لا تمتلك تفويضاً للتحقيق في مثل هذه الادعاءات، بل يقتصر دورها على التأكيد أن الخدمات الصحية يجب أن تبقى إنسانية ومحميّة مهما كانت الظروف.
في المقابل، خلال عمليات نقل المرضى من مستشفيي الساحل وبهمن، بمساعدة من الصليب الأحمر اللبناني، كان نقل مرضى العناية المركّزة هو الأصعب على الإطلاق، بحسب رئيس مستشفى بهمن علي كريم.
ووصف صعوبة المشهد لـ”درج”، موضحاً أن المريضتين اللتين توفيتا تبلغان من العمر 67 و87 عاماً، مشيراً إلى أن نقل مرضى العناية المركّزة هو الأخطر على الإطلاق.
توازياً، كشف أبو بكر أنه، إضافة إلى خروج مستشفى “بهمن” عن الخدمة كلياً، تضرّرت جزئياً مستشفيات “حاصبيا” و”جبل عامل” و”النجدة” و”الحياة”. أما المستشفيات التي أُغلقت بشكل كامل فهي “بهمن” و”الساحل” و”بنت جبيل الحكومية” و”البرج”.
هل يتحول لبنان صحياً إلى غزة؟
مع استمرار ارتفاع عدد ضحايا الطواقم الطبية في لبنان إثر الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة على مراكزهم، بخاصة في الجنوب والبقاع، برزت مخاوف من تحوّل القطاع الصحي في لبنان إلى نموذج غزّة.
لكن عبد الناصر أبو بكر استبعد ذلك، معتبراً أنه ليس من المتوقع أن يصل الوضع إلى مستوى غزة، إلا أنه حذّر من أنه في حال استمرار النزاع من دون وقف لإطلاق النار أو تهدئة، فمن المحتمل أن يتأثر المزيد من المنشآت الصحية بالأزمة.
وأضاف أن لبنان يمتلك شبكة أوسع من المستشفيات والمرافق الصحية الأولية، “ليس فقط في المناطق المتأثرة مباشرة بالنزاع، بل في بقية المناطق أيضاً، لذلك لن نصل إلى مستوى غزة، لكن استمرار النزاع سيؤدي إلى تأثيرات شديدة على النظام الصحي والقطاع الصحي بشكل عام”.
إقرأوا أيضاً:














