ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

القلق الوجودي للأمومة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أحياناً أشعر أنني أعيش حياة مزدوجة: في الخارج أنا الأمّ المنظّمة، الصبورة، الحاضرة دائماً. وفي العمق امرأة تخشى أن تذوب في الدور، تخاف أن تفقد صوتها الخاصّ، وتحاول باستمرار أن تبقى كائناً يفكّر، ويكتب، ويرغب، ويخاف، ويأمل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم أكن أخاف من الأمومة بقدر ما كنت أخاف من نفسي داخلها. كنت متأكّدة أنني سأحب أولادي بعمق، لكنّ أحداً لم يخبرني عن ذلك الفراغ الصغير الذي يتسلّل بين ضحكة الطفل ونظرة المرأة إلى نفسها في المرآة، الفراغ الذي لا يُملأ، حتى في لحظات الفرح المكتملة.

في الأيّام الأولى، كنت أعتقد أن القلق سيزول مع الوقت، مع الروتين، مع اعتيادي على فكرة أن حياتي لم تعد ملكي وحدي. لكنّني اكتشفت أن الوقت لا يُطفئ القلق، بل يغيّر شكله؛ يصبح أقلّ صخباً لكنّه أكثر تجذّراً، مثل ظلّ يرافقني في كلّ مكان، غير مرئي لكنّه حاضر دائماً.

في الليالي الطويلة، حين ينام الجميع، يعلو صوت داخلي لا يسمعه أحد سواي: هل هذه أنا حقّاً؟ هل الأمومة هي غايتي الأخيرة، أم أنها مجرّد مرحلة في مسار أوسع؟ هل كنت سأبقى الشخص نفسه لو لم أصبح “ماما”؟

هذه الأسئلة تسرّبت إلى ذهني بين صوت جهاز مراقبة الأطفال ورشفات قهوة باردة نسيتها على الطاولة. واليوم، بعدما كبر أولادي، تبدّل شكل القلق؛ لم يعد عن الألم أو الجوع أو البكاء، بل صار قلقاً من المستقبل، من الدراسة، من العالم الذي ينتظرهم. وكأن الأمومة مع كلّ مرحلة تكبر بداخلها مساحة الأسئلة بدلاً من أن تُجاب.

القلق الوجودي لا يأتي فقط من التعب أو من حجم المسؤوليّات، بل من محاولة التوفيق بين “أنا” القديمة، التي كانت تكتب وتسافر وتحلم بلا قيد، و”أنا” الجديدة التي ترجو خمس دقائق فقط لهدوءٍ صافٍ لتشرب قهوتها ساخنة دون مقاطعة. 

لم أفقد نفسي دفعة واحدة، بل ذابت تدريجياً في تفاصيل لم ألاحظها في حينها: حقيبة حفاضات بدل حقيبتي الصغيرة، حديث عن نوم الأطفال بدل أحلام السفر، مقاطع تربية بدل موسيقى وليل طويل يفيض بالأغاني.

أحياناً أشعر أنني أعيش حياة مزدوجة: في الخارج أنا الأمّ المنظّمة، الصبورة، الحاضرة دائماً. وفي العمق امرأة تخشى أن تذوب في الدور، تخاف أن تفقد صوتها الخاصّ، وتحاول باستمرار أن تبقى كائناً يفكّر، ويكتب، ويرغب، ويخاف، ويأمل.

كلّ حبّ كبير يحمل في داخله قلقاً كبيراً، والأمومة هي أعظم حبّ وأكبر قلق خبرته. أراقب أولادي يكبرون وأشعر أحياناً بقشعريرةٍ خفيفة: إنهم يبتعدون قليلاً كلّ يوم، بينما أنا أقترب من فكرة أن دوري سيتقلّص، أن وجودي سيتحوّل إلى ذكرى دافئة في قلوبهم. فهل هذا هو معنى الحياة؟ أن نعطي أيّامنا كي يعيشوا أيّامهم؟

وأنا أرتّب ألعابهم المبعثرة أو أسمع ضحكاتهم من الغرفة المجاورة، أشعر بامتنان مؤلم، تغمره خشية مبطّنة: الامتنان لأنني هنا، أراهم يكبرون، والخشية من أن أستيقظ يوماً لأجد أنني لم أعد أعرف من أكون خارج هذا الدور.

في الأمومة، يتلاشى الخطّ الفاصل بين الذات والآخر. لا أعود أعرف هل أعيش لنفسي أم لهم، هل أبحث عن حرّيتي أم أنني أبحث عن طرق أنيقة لتأجيلها. ومع ذلك، صرت أفهم أن الرعاية لا تكتمل إلا حين نرعى أنفسنا أيضاً، وأن الحبّ لا يعني الذوبان، بل يعني أن يظلّ هناك مكان للذات داخل كلّ هذا الامتداد للآخر.

اليوم، أرى القلق بشكل مختلف؛ لم يعد عدوّاً، بل صار مرآة تقول إن وجودي ما زال يبحث عن المعنى. صرت أفهم أن القلق الوجودي للأمومة ليس علامة ضعف، بل علامة حياة: إنه وعي بالزمن، وبالتحوّل، وبهشاشتنا. إنه السؤال الذي لا يزول، لكنّه يمنحنا عمقاً في فهم أنفسنا، وفي إدراك أن الحبّ، مهما كان واسعاً، لا يلغي حاجتنا لنكون، على طريقتنا، حاضرين لأنفسنا أيضاً.

وربما تكون هذه هي الهبة الخفيّة للأمومة: أن تعلّمنا أن نعيش مع الأسئلة دون انتظار أجوبة نهائية، وأن نجد في القلق ذاته دليلاً على أننا ما زلنا أحياء، نبحث، نحبّ، ونرتب فوضانا بشيء من المعنى.

15.11.2025
زمن القراءة: 3 minutes

أحياناً أشعر أنني أعيش حياة مزدوجة: في الخارج أنا الأمّ المنظّمة، الصبورة، الحاضرة دائماً. وفي العمق امرأة تخشى أن تذوب في الدور، تخاف أن تفقد صوتها الخاصّ، وتحاول باستمرار أن تبقى كائناً يفكّر، ويكتب، ويرغب، ويخاف، ويأمل.

لم أكن أخاف من الأمومة بقدر ما كنت أخاف من نفسي داخلها. كنت متأكّدة أنني سأحب أولادي بعمق، لكنّ أحداً لم يخبرني عن ذلك الفراغ الصغير الذي يتسلّل بين ضحكة الطفل ونظرة المرأة إلى نفسها في المرآة، الفراغ الذي لا يُملأ، حتى في لحظات الفرح المكتملة.

في الأيّام الأولى، كنت أعتقد أن القلق سيزول مع الوقت، مع الروتين، مع اعتيادي على فكرة أن حياتي لم تعد ملكي وحدي. لكنّني اكتشفت أن الوقت لا يُطفئ القلق، بل يغيّر شكله؛ يصبح أقلّ صخباً لكنّه أكثر تجذّراً، مثل ظلّ يرافقني في كلّ مكان، غير مرئي لكنّه حاضر دائماً.

في الليالي الطويلة، حين ينام الجميع، يعلو صوت داخلي لا يسمعه أحد سواي: هل هذه أنا حقّاً؟ هل الأمومة هي غايتي الأخيرة، أم أنها مجرّد مرحلة في مسار أوسع؟ هل كنت سأبقى الشخص نفسه لو لم أصبح “ماما”؟

هذه الأسئلة تسرّبت إلى ذهني بين صوت جهاز مراقبة الأطفال ورشفات قهوة باردة نسيتها على الطاولة. واليوم، بعدما كبر أولادي، تبدّل شكل القلق؛ لم يعد عن الألم أو الجوع أو البكاء، بل صار قلقاً من المستقبل، من الدراسة، من العالم الذي ينتظرهم. وكأن الأمومة مع كلّ مرحلة تكبر بداخلها مساحة الأسئلة بدلاً من أن تُجاب.

القلق الوجودي لا يأتي فقط من التعب أو من حجم المسؤوليّات، بل من محاولة التوفيق بين “أنا” القديمة، التي كانت تكتب وتسافر وتحلم بلا قيد، و”أنا” الجديدة التي ترجو خمس دقائق فقط لهدوءٍ صافٍ لتشرب قهوتها ساخنة دون مقاطعة. 

لم أفقد نفسي دفعة واحدة، بل ذابت تدريجياً في تفاصيل لم ألاحظها في حينها: حقيبة حفاضات بدل حقيبتي الصغيرة، حديث عن نوم الأطفال بدل أحلام السفر، مقاطع تربية بدل موسيقى وليل طويل يفيض بالأغاني.

أحياناً أشعر أنني أعيش حياة مزدوجة: في الخارج أنا الأمّ المنظّمة، الصبورة، الحاضرة دائماً. وفي العمق امرأة تخشى أن تذوب في الدور، تخاف أن تفقد صوتها الخاصّ، وتحاول باستمرار أن تبقى كائناً يفكّر، ويكتب، ويرغب، ويخاف، ويأمل.

كلّ حبّ كبير يحمل في داخله قلقاً كبيراً، والأمومة هي أعظم حبّ وأكبر قلق خبرته. أراقب أولادي يكبرون وأشعر أحياناً بقشعريرةٍ خفيفة: إنهم يبتعدون قليلاً كلّ يوم، بينما أنا أقترب من فكرة أن دوري سيتقلّص، أن وجودي سيتحوّل إلى ذكرى دافئة في قلوبهم. فهل هذا هو معنى الحياة؟ أن نعطي أيّامنا كي يعيشوا أيّامهم؟

وأنا أرتّب ألعابهم المبعثرة أو أسمع ضحكاتهم من الغرفة المجاورة، أشعر بامتنان مؤلم، تغمره خشية مبطّنة: الامتنان لأنني هنا، أراهم يكبرون، والخشية من أن أستيقظ يوماً لأجد أنني لم أعد أعرف من أكون خارج هذا الدور.

في الأمومة، يتلاشى الخطّ الفاصل بين الذات والآخر. لا أعود أعرف هل أعيش لنفسي أم لهم، هل أبحث عن حرّيتي أم أنني أبحث عن طرق أنيقة لتأجيلها. ومع ذلك، صرت أفهم أن الرعاية لا تكتمل إلا حين نرعى أنفسنا أيضاً، وأن الحبّ لا يعني الذوبان، بل يعني أن يظلّ هناك مكان للذات داخل كلّ هذا الامتداد للآخر.

اليوم، أرى القلق بشكل مختلف؛ لم يعد عدوّاً، بل صار مرآة تقول إن وجودي ما زال يبحث عن المعنى. صرت أفهم أن القلق الوجودي للأمومة ليس علامة ضعف، بل علامة حياة: إنه وعي بالزمن، وبالتحوّل، وبهشاشتنا. إنه السؤال الذي لا يزول، لكنّه يمنحنا عمقاً في فهم أنفسنا، وفي إدراك أن الحبّ، مهما كان واسعاً، لا يلغي حاجتنا لنكون، على طريقتنا، حاضرين لأنفسنا أيضاً.

وربما تكون هذه هي الهبة الخفيّة للأمومة: أن تعلّمنا أن نعيش مع الأسئلة دون انتظار أجوبة نهائية، وأن نجد في القلق ذاته دليلاً على أننا ما زلنا أحياء، نبحث، نحبّ، ونرتب فوضانا بشيء من المعنى.