ما إن أعلن الكاهن الـDJ البرتغالي غويليرمي بيكسوتو عن عزمه إقامة حفل في لبنان، حتى انقسمت الآراء، بل وصل الأمر إلى المطالبة بإلغاء حفله عبر عريضة قدّمها 18 شخصاً، لأن العرض “يخالف الأخلاق العامّة وتعاليم المسيحية، ويمسّ بالمقدسّات الدينية”. رفض قاضي الأمور المستعجلة في بيروت الطلب، خصوصاً أنه لم يقدّم من هيئة دينية رسمية، وأُقيم الحفل ورقص الحضور على موسيقى بيكسوتو.
اشتعل الجدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، جدل حول الدين والقدسية ومخاطبة الشباب، وإعادة النظر في الطقوس الدينية، والإطار الذي تظهر ضمنه، هذا الرفض تحرّك ضمن ثلاثة محاور نستعرضها أدناه بصيغة سؤال.
انتهاك التراتيل؟
المحور الأوّل للرفض يتعلّق بالانتهاك المفترض للتراتيل. ففي التقليد المسيحي، الترتيل ليس أغنية ولا يُصنَّف داخل خانة الفنّ الاستمتاعي. الترتيلة تدخل في المجمل التقديسي لبناء الصلاة، ولا تُختزل في الجمال الصوتي رغم أهمّيته.
الفارق هنا جوهري: فالموسيقى تُفهم كجمال، أما الترتيلة فهي طقس، أي تحويل وظيفة الصوت ضمن المقدّس وفي سبيله، ومن هنا بدا إدخال الترتيلة في سياق موسيقي ترفيهي انتهاكاً لوظيفتها الطقسية، أكثر ممّا هو انتهاك لصوتها أو جمالها.
هل الملهى الليلي هو المكان الأنسب؟
أما المحور الثاني فيرتبط بالمكان، فالملهى الليلي لا يُعدّ مكاناً محايداً في المخيال الديني أو الاجتماعي، لأن المكان — في الأنثروبولوجيا الدينية — حامل للمعنى، ووسيط للهويّة والذاكرة والطقس. حتى غير المتديّن يحترم المكان المقدّس بوصفه هويّة رمزية لا مجرّد هندسة، ولذلك، لا يُرى انتقال الترتيلة من فضاء الكنيسة إلى فضاء النادي مجرّد انتقال جغرافي، بل إعادة توطين للمقدّس في سياق غير طقسي، مما يُحدث خلخلة في وظيفة المكان وفي توزيع الرموز داخله.
من هو الكاهن؟
المحور الثالث يتعلّق بالشخص نفسه، فالكاهن في الوعي الاجتماعي لا يُختزل في فرد أو مواطن، أو بمكانة إنسانية عادية، بل هو علامة، وثوبه ليس لباساً بل دليل رمزي على وظيفة روحية وتاريخية. عندما يدخل الكاهن إلى ملهى كمؤدٍ، يحدث ما يمكن تسميته تشويه العلامة: فالثوب يفقد وظيفته الرمزية، وتُلغى ذات الكاهن وآراؤه الخاصّة، ويُلاحَق لا بوصفه شخصاً بل بوصفه علامة منتهكة، ومن هنا ينبع الشعور بما يمكن تسميته “عار العلامة”، لأن الثوب لا يخدم تاريخ الكنيسة ولا مرتادي المكان في آن معاً.
ترسيخ “المقدّس”
لم يكن الاعتراض على حفل الكاهن الـDJ غويليرمي بيكسوتو في لبنان اعتراضاً على الموسيقى الإلكترونية، أو على الثقافة الشبابية أو على الحداثة الفنّية. فهناك في تاريخنا الاجتماعي شيء تقليدي وعميق يرفض مسارات التحديث عندما تقترب من شكل المقدّس، قد نقبل التكنولوجيا، الفنّ الحديث، الموسيقى الإلكترونية، الذكاء الصناعي… لكن عند النقطة التي تمسّ تعريف المقدّس أو وظيفته تظهر المقاومة، لأن المقدّس لا ينتمي إلى سطح الثقافة، بل إلى عمقها الأكثر صلابة.
من هنا يصبح الرفض مفهوماً لا بوصفه ضدّاً للتطوّر، بل بوصفه ضدّاً لإعادة تعريف المقدّس، وهذه ليست مسألة لبنانية أو عربية فقط، بل جزء من صراع عالمي حول الحداثة الدينية وكيفيّة تحديث الرموز دون تفكيكها، وحول السؤال المفتوح حتى اليوم كيف يكون الديني – الروحي – محميّاً من شتت الاستهلاك.
لا يُعرف الملهى في ثقافتنا معرفة منهجية، أي لم يتمّ فهمه في سياق الاجتماعي والتواصلي؛ فهو ليس مجرّد مكان ترفيهي أو غرفة مغلقة ذات موسيقى عالية، بل مساحة يسبقها استعجال تقييمي وأخلاقي حتى لدى من يرتادها. أي إن الملهى لا يكون مكاناً محايداً، بل مكان محمول على اعتبارات قيمية يُقيمها المجتمع من حيث هو مجتمع، أو بوصفه مفهوماً يُجرى تداوله اجتماعياً.
في المخيال العربي– الشرقي، الملهى هو مكان للاستهلاك من جهة، ومكان لتحرّر جسدي وإيقاعي من جهة أخرى، وهذا النوع من التحرّر لا يحمل في ثقافتنا معنى “الطبيعي” أو “الحميد”، بل يحمل معنى الهامشي أو “المشتبه”، حتى لو كان ذلك غير معلن.
إقرأوا أيضاً:
المفارقة أن هذه الممارسات ليست جديدة في أصلها الإنساني؛ فالطقوس الدينية والأعياد والأغاني الجماعية لتعليق الهويّة وإبراز سمات الحرّية في المكان، لطالما أنتجت، لكن ضمن نظام رمزي ومجتمعي واضح، لا داخل اقتصاد ترفيهي استهلاكي كما في عصرنا. هنا بالذات يصبح الملهى فضاءً ديونيسوسياً، بمعنى: تحرّر للجسد والإيقاع والشهوة والاحتفال، بصورة ما، هو ضدّ المقدّس.
اختراق الكاهن لهذا الفضاء ليس “تشويهياً” بالضرورة، ولا هو “عار” بمعنى أخلاقي مباشر، بل عدم تطابق رمزي بين علامة دينية– طقسية (الكاهن/ الثوب/ التراتيل) وفضاء استهلاكي– جسدي (الملهى).
الكاهن “الغربي” في ملهى “شرقي”
ما يتمّ إغفاله في الجدل، هو أن الكاهن يأتي من مجتمع تمّت علمنته ثقافياً، حيث لم يعد الإيمان محصوراً بالطقس والمعبد واللاهوت، بل حُلّل وتُمّم داخل الفنّ، والأدب، والموسيقى، والسينما، والصحافة، والمسرح، والتعليم. أي إن الإيمان تمّت “ترجمته” داخل الفضاء العامّ، وهذا بالضبط ما يسمّيه هابرماس “علمنة الفضاء الخطابي للدين”.
ما يقدّمه الكاهن بين الأبوللوني (الديني– العقلي– الشكلي) وبين الديونيسوسي (الجسد– الموسيقى– الاحتفال) لقاء حداثياً وغربياً، لا يحمل المعنى ذاته في مخيالنا المحلّي.
عنده، استحضار الغائب لا يُفهم كما نفهمه نحن، لأن القداسة لم تعد تعني الفصل بين المقدّس والدنيوي، بل حلّ الإيمان في كلّ شيء، وعودة الروح إلى الإنسان قبل عودتها إلى السماء.
الفارق بين الغرب والشرق في حادثة الكاهن الـDJ لا يظهر على مستوى الموسيقى ولا على مستوى المكان، بل على مستوى تحوّلات الذات والدين. ففي مجتمعات لم تتجاوز آثار الحرب الأهلية والنزعات الدينية الوجهائية، يبدو الفارق في تلقّي الحدث الديني– الثقافي أكثر شدّة.
أما في الغرب، فالذات المتديّنة المعاصرة لم تعد تعيش الإيمان بمعناه الطقسي أو المؤسّسي، بل بوصفه تجربة داخلية شخصية. الإيمان لم يعد قدراً أو قانوناً، بل خيار وجداني يشتغل داخل العالم، لا خارجه.
الكاهن الموسيقي هو ابن هذه الذات تحديداً، لا يرى الإيمان في الكنيسة فحسب، بل في الفنّ والمشهد الثقافي والتواصل. هناك محاولة لنقل الداخل الروحي إلى صيغ ومحاكاة مختلفة، حيث يُصنع العمق داخل الثقافة لا داخل المعبد، فالروح هنا تستحضر الإنسان لا الطقس، لأن الإيمان لم يعد مفصولاً عن العالم ولا محتكراً داخل المؤسّسة. بهذه الطريقة يصبح الروحي والمادّي متداخلين لا متقابلين.
احتكار المقدّس؟
ما ظهر في الاعتراض ليس دفاعاً عن الإيمان ولا حتى عن الكنيسة، بل هو ميكانيزم تماسك بدائي طقوسي لا يحمل معنى روحي. نمط يعمل دوماً متمسّكاً بالطقسية ليشتغل على تحقيق تماسك الهويّة ورفع راية الجماعة، أكثر مما يشتغل لتحقيق معنى في الإيمان أو البحث بحاجة الشبّان أو حاجة المجتمع. لذلك هوجم الكاهن لا لأنه انتهك اللاهوت، بل لأنه هدّد هذا التماسك الطقسي. والمفارقة أن هذا النمط من الطقس مضادّ تاريخياً لمسار إحدى أعظم المؤسّسات الدينية في العالم، أي الكنيسة الكاثوليكية التي منذ قرون، لم تعد تبحث في الطقس ذاته بل في معايرة المعنى، وتحرير السرّ من الطقس، وتطوير تجربة الإيمان داخل العالم لا داخل الحشد الطقسي.
إعادة النظر في الطقس الديونيسوسي
شبابي/ حضري/ متعب/ وحيد/ مستهلك/ مفكّك الهويّة. أمام هذا الجيل لا يقدّم الكاهن وعظاً، بل يقدّم تذكّراً يريد أن يعطّل النسيان. فإذا كانت الموسيقى الحديثة بالغة الجسدية والإيقاع والاندفاع والتفريغ، فإن الكاهن يخترق الديونيسوسية والنشوة والرقص بهدوء، محاولاً إدخال معنى ما داخل فضاء استهلاكي مُفرط وصاخب.
ما تمّ الاعتراض عليه لم يكن مجرّد أداء موسيقي لكاهن، بل كان أيضاً رسالة للنخب الدينية التي لم تستطع التخلّص من قواعدها الجامدة، في بلاد كلّ أدوات التعبير فيها حربية وعنيفة. هنا يظهر مستوى آخر من المواجهة: مواجهة بين كنيسة غربية أكثر تطوّراً، وبين كنيسة شرقية ما تزال أقلّ قدرة على مجاراة شقيقتها البعيدة، بخاصّة في لبنان.
هذا صراع ليس جديداً، بل يتكرّر كلما تظهر تعليمات أو توصيات جديدة صادرة عن الكنيسة الغربية. فحين دعا البابا فرنسيس إلى مقاربات أكثر انفتاحاً تجاه المثليين، كان الرفض في الشرق حادّاً ومشحوناً بالخوف، رغم أن ما قيل لم يكن انقلاباً لاهوتياً، بل تعديل في الحساسية الأخلاقية. السيناريو نفسه عاد في حادثة الكاهن: مرّ الحفل بسلام، لكنّ الشعور العامّ بقي يقول إن مرور الكاهن كان إشكالياً، لا بوصفه درساً في الروحاني، بل بوصفه تهديداً للهويّة.
ما غاب عن هذه القراءة هو أن الكاهن لم يكن يبحث عن طقس جديد، بل كان يبحث عن اختراق نحو المعنى، في زمن لم يعد فيه المعنى يُعثر عليه داخل الجدران المحدّدة مسبقاً، بل داخل العالم. ومع ذلك، فإن المشهد كلّه قُرئ من طرف النخب الدينية بوصفه خللاً مؤسّسياً، لا تجربة روحية.
إقرأوا أيضاً:











